قصبة "قصر الحجر" المرابطية تواجه تهديد طمس الهوية في مراكش

قصبة "قصر الحجر" المرابطية تواجه تهديد طمس الهوية في مراكش
صور: هسبريس
الإثنين 21 فبراير 2022 - 04:00

يقع بصرك على صومعة الكتبية ومسجدها، فيتبادر إلى ذهنك سؤال: هل وجدت هذه المعلمة الدينية دون مسكن؟ لكن بمجرد النبش في تاريخ هذا المكان، تعثر على أطلال قصبة علي بن يوسف بن تاشفين، الذي يعتبر من أكبر سلاطين الدولة المرابطية، التي كشفت عنها الحفريات التي أجريت في عهد الحماية الفرنسية.

وتسمى هذه القلعة، التي تقع بالجنوب الغربي داخل الأسوار المرابطية بمدينة مراكش، أيضا “دار الحجر” و”دار الأمة”، فبها كان مقر المخزن في عهدي المرابطين والموحدين، ويرجح أن يكون تاريخ تأسيسها سنة 1070م، في عهد السلطان يوسف بن تاشفين. وورد ذكر القصبة لدى المؤرخين القدماء باسم “دار علي بن يوسف” في سياق أحداث افتتاح مراكش سنة 1146م، يقول الباحث محمد رابطة الدين في كتابه “المعلمة”.

ويشير صاحب كتاب “الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية” إلى أنه بعد انتصار الموحدين على المرابطين، ودخولهم مراكش حاضرة الدولة سنة 541 هـ/ 1146 م، ظلت المدينة ثلاثة أيام لا يدخلها داخل ولا يخرج منها خارج، وأبى الموحدون دخولها لأن المهدي كان يقول لهم: لا تدخلوها حتى تطهروها. فسأل الموحدون الفقهاء عن ذلك، فقالوا لهم: تبنون مسجدا آخر مكان ذلك (يقصد المسجد الذي بناه علي بن يوسف)”.

وحينئذ، أمر عبد المؤمن بن علي ببناء جامع آخر في قصر الحجر، فهدم الجامع الذي بناه الأمير المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين بأدنى المدينة، فلما تم بناؤه، جعل فيه سباطا يتردد عن طريقه بين القصر والجامع، ونقل إليه منبراً عظيماً كان قد أمر بصنعه في الأندلس من العود والصندل الأحمر والأصفر وصفائحه من الذهب والفضة، وأقام للمسجد مقصورة من الخشب لها ستة أضلاع تسع أكثر من ألف رجل.

وحسب الباحث محمد رابطة الدين، يتكون معمار القصر من سور وملحقاته، حيث بني بالحجر على امتداد 218م، وشكله الهندسي مربع، مدعوم بأبراج دفاعية وشرفات أمنية، وأبواب اختلف في عددها، وأشهرها باب السراجين الجديد والقريب من جامع الكتبيين، وهو غير الباب الواقع في حومة الصالحة لتشابه اسميهما قديما، أما في الحاضر فيحمل اسم “باب القواقين” منذ القرن 13م. كما تتوفر القصبة على مسجد عتيق هو “مسجد الطوب” الذي أسسه المرابطون، وجامع آخر بناه الخليفة عبد المومن الموحدي.

هذا الرأسمال الثقافي، الذي شكل أول نواة للمدينة الحمراء، يشكو من عدم العناية، حسب المصطفى عيشان، الباحث بجامعة القاضي عياض، مستدلا على ذلك بأشغال تتم الآن بجداول وبالجانب الشمالي لمسجد الكتبية، لا تحترم المعايير المفروض استحضارها في التعامل مع المآثر التاريخية.

وخلال زيارة هسبريس لقصر الحجر الذي اتخذه علي بن يوسف مسكنا، رفقة هذا الباحث، أوضح عيشان أن صهريج وجداول هذه القصبة، التي تشكل إرثا حضاريا وإنسانيا وثقافيا، تعرضا في الفترة الاستعمارية لتغييرات مست هويتهما، حيث تحول الصهريج، الذي كان ينقسم إلى قسمين، إلى صهريجين منفصلين، تربط بينهما جداول، ليتخذ التصميم الهندسي الجديد شكل صليب مسيحي في فضاء ذي انتماء إسلامي.

وفي هذا الصدد قال المتحدث نفسه إن “الاستعمار حاول طمس هذه المعالم التي تنتمي إلى عمق الحضارة المغربية الإسلامية، واليوم تتعرض هذه المآثر الثقافية، التي يجب أن تحافظ عليها جماعة مراكش، إلى طمس جديد من طرف مسؤولين لا يدركون مكانة هذا الرأسمال الثقافي، الذي يشكل هوية المدينة الحمراء”، مضيفا “يرتكب المجلس الجماعي للمدينة الحمراء جريمة في حق تراث مراكش”.

ولأن لقصر الحجر قيمة تاريخية، ترتبط بالأسرة المؤسسة لمدينة مراكش، في الزمن المرابطي، فإن المحافظة عليه فرض عين على المسؤولين، يؤكد ابن بهجة الجنوب والباحث في علم الجغرافيا، الذي طالب بإعادة “دار الحجر” إلى مكانها، لما لها من قيمة تاريخية، والمحافظة على هذه القصبة، التي ظلت تقاوم وضاعت واجهتها الشرقية، وأن يعتمد في أي إصلاح أو ترميم لهذه المعلمة وما يرتبط بها احترام مواد البناء ذاتها والتصميم نفسه.

فضاء الكتبيين وقصر الحجر وكل معالم هذه المنطقة تحتاج إلى تشوير يوضح مكونات هذه القصبة التاريخية، يقول عيشان، مشيرا إلى أن كل الجهات المعنية بهذه المآثر التاريخية بإقليم مراكش ابتعدت عن القيام بالمهام المنوطة بها، لأن كل شيء بمنطقة مسجد الكتبية يحتاج إلى عناية شديدة، ومراجعة لمعالم كل مكون من مكونات الفضاء المحيط بها، والعناية بها من خلال ترميم يحترم أدنى الشروط الموضوعية والعلمية، يختم عيشان.

تثمين المدينة العتيقة

كل ما يتعرض له الرأسمال الثقافي بمدينة مراكش من تشويه أو إهمال يرجع إلى تعدد المتدخلين بخصوص هذه المآثر التاريخية، التي تتوزع بين قطاع الثقافة والجماعة المحلية، مما يجعل بعضها يتعرض للتدخل خارج المعايير التي يفترض أن يتم احترامها، من قبيل اعتماد مقاولة متخصصة، واستعمال المواد التي بنيت بها هذه المعالم في غابر الأزمان.

عبد اللطيف مارو، مفتش المباني التاريخية بالمديرية الجهوية لوزارة الثقافة بجهة مراكش، أوضح أن الحديقة المعنية بالإصلاحات الجارية حاليا لا تدخل في اختصاص هذه الوزارة، لأنها تابعة للمجلس الجماعي للمدينة الحمراء، الذي تترأسه فاطمة الزهراء المنصوري، أما قطاع الثقافة فإنه يقوم بترميم وإعادة الاعتبار لجنبات مسجد الكتبية، في سياق المشروع الملكي “تثمين المدينة العتيقة 2018-2022”.

وتابع المتحدث نفسه قائلا: ” بفضل الرؤية الملكية المتبصرة في مجال حماية وتثمين المدن العتيقة، ترتدي المدينة العتيقة بمراكش حلة جديدة، وتحولت إلى فضاء معماري وحضري برونق جميل ومتميز، أما مسألة التشوير فهي في طور الإنجاز، وينتظر تثبيتها في المقبل من الأيام”.

مسؤولية الجماعة

ولأن الأشغال التي تتم حاليا بالحديقة، التي توجد على الجهة الشمالية لمسجد الكتبية، والتي تشكل امتدادا لقصر الحجر، تشرف عليها جماعة مراكش، فقد ربطت هسبريس الاتصال بعتيقة بوستة، نائبة فاطمة الزهراء المنصوري المفوض لها تدبير القطاعين الثقافي والاجتماعي، وأخبرتها برسائل نصية اطلعت عليها، عن هذا المشكل الذي أثار تذمر المهتمين بتراث مدينة مراكش، لكن الجريدة الإلكترونية لم تتوصل بأي جواب من ابنة شقيق القيادي الاستقلالي امحمد بوستة، التي تقدمت للانتخابات ضمن لائحة حزب الاستقلال.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • ولد الحسن
    الإثنين 21 فبراير 2022 - 06:12

    ذلك مقصود يتم تهميش تراث المرابطين عمدا بما فى ذلك ضريح القائد يوسف بن تاشفين لأنهم قدمو من صحراء الملثمين شنقيط (موربتانيا ) وعندما تزور معالم أخرى يتم الاحتفاء بها رغم هامشيتها كحديقة ماجوريل تصاب بصدمة ونسي المخزن ان إدريس الأول قادم من الحجاز وان عبد المومن الكومى جاء من الجزائر بل وحتى العلويون جاؤو من السعودية فلم الإهمال والتهميش لتراث المرابطين وهم من بنو مراكش أصلا

  • عيد العزيز
    الإثنين 21 فبراير 2022 - 08:31

    يجب اعادة الاعتبار الموروث الثقافي والتاريخي، ولا ننسى ما وقع لدار البارود المدرسة العلمية العتيقة والتي تم ضمها لمؤسسة سياحية مع حديقة مجاورة مما شكل طمسا لموروث ثقافي وحضاري.
    بالنسبة للتعليق الاول ، بلاد شنقيط وما يسمى الجزائر الان لم تكن يوما دولة قائمة بذاتها وكانت كلها موحدة تحت لواء واحد ولم يقسمها الا الاستعمار. تاريخنا تاريخ واحد والامبراطورية الموحدين كانت تمتد حتى حدود مصر وتشمل الاندلس وتتوغل حتى أدغال إفريقيا تحت الصحراء.
    قائد المرابطين أنذاك تاشفين بن علي توفي إثر سقوطه من على جواده في اشتباك مع جيش الموحدين بوهران التي فر اليها بعد هزيمته بتلمسان والتي كانت دائما موحدة مع فاس ومراكش ومكناس والرباط تحت حكم مركزي واحد. قبل ان يفرقنا المستعمر ولا زلنا نلعب لعبته.

  • عبد العزيز
    الإثنين 21 فبراير 2022 - 08:42

    قبل ان نخوض في النقاشات العقيمة والقبلية، يجب ان ندرس التاريخ جيدا، وقول ان العلويين اتوا من السعودية خطأ ، فلم تكن مملكة آل سعود موجودة حينها (راجع تاريخ بني أمية والعباسيين) وإسماعيل عليه السلام لم يكن أصله عربيا فأمه مصرية قبطية وأبوه إبراهيم عليه السلام من العراق التي لم تكن عربية انذاك، هذه هي الصيرورة التاريخية، فكفى من النعرة القبلية والقومية العنصرية .

  • سعيد،المغرب الأقصى
    الإثنين 21 فبراير 2022 - 10:57

    تعليق 1:ما صار يسمى بموريتانيا و الجزائر لم يكن موجودا من قبل كدولتين،هاتان المنطقتان كانتا جزءا من الدولة التي كانت دائما عاصمتها في المغرب الأقصى،

  • ولد الحسن
    الإثنين 21 فبراير 2022 - 17:08

    إلى التعليق رقم 2

    وهل كانت دولة اسمها المغرب حينها طبعا لا فاسم المغرب هو اسم جهة أطلقه الأمويون على منطقة تمتد من فزان غرب ليبيا حتى بلاد شنقيط. ونهر صنهاجة ( نهر السينغال ) ببساطة لم تكن هناك دولة بهذا الاسم كانت إمارة فاس او دولة الادارسة ولاتصل حدودها حتى إلى منطقة سوس وسقطوا ثم جاء المرابطون من شنقيط وبالمناسبة شنقيط اقدم من فاس بقرن راجع تاريخ الذهبى وابن الأثير ودائرة المعارف البريطانية والمنجذ فى الأعلام وموسوعة المعرفة وغيرها هذا تاريخ عالمى موحد وموثق واذا كان المخزن يدرسكم مناهج غير هذا فهو مجرد تهريج ثم بعد المرابطون جاء الموحودون وهم امازيغ من سوس وتتالت الدول وفى شنقيط كانت جزء من إمبراطورية غانا قبل نشوء دولة الادارسة فى إمارة فاس لذلك لاتقل لم تكن هناك دولة لمجرد انك تجهلها وكانت عاصمتها فى الشرق الموريتانى وتسمى كومبى صابح وتلك الإمبراطورية لم تسقط الا بعد ظهور المرابطين

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام