قضية الصحراء المغربية تواصل فرض الواقعية السياسية بالأمم المتحدة

قضية الصحراء المغربية تواصل فرض الواقعية السياسية بالأمم المتحدة
صورة: أ.ف.ب
الإثنين 22 يونيو 2026 - 09:00

في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك، برزت خلال أشغال الدورة الموضوعاتية للجنة الرابعة والعشرين الخاصة بإنهاء الاستعمار مواقف محدودة ومعزولة جددت التمسك بالطرح التقليدي للنزاع حول الصحراء المغربية، في مقدمتها ناميبيا وتيمور الشرقية وإيران، التي أصرت على إدراج الملف ضمن مقاربة “تصفية الاستعمار” وربط تسويته بخيار تقرير المصير وفق التصورات الكلاسيكية.

وتترجم هذه المداخلات، بحسب مجمل فحواها، تمسكا بقراءات متجاوزة في السياق الأممي الحالي، حيث ظل أصحابها خارج نسق التحول الذي يشهده التعاطي الدولي مع الملف، في وقت تتسع فيه دائرة الدول المنخرطة في دعم مقاربة الحل السياسي الواقعي، وعلى رأسها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وفي المقابل، اصطدمت هذه المواقف محدودة التأثير بزخم دبلوماسي متقدم داخل اللجنة، تجسد في اصطفاف واسع لدول عربية وإفريقية وكاريبية إلى جانب المبادرة المغربية، باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي، تنسجم مع التوجهات التي كرستها قرارات مجلس الأمن الأخيرة، ولا سيما القرار رقم 2797.

وقد أظهرت مداخلات غالبية الوفود المشاركة اتجاها واضحا نحو تجاوز الإرث المفاهيمي المرتبط بالحرب الباردة، والانخراط في مقاربة سياسية عملية ترتكز على الحلول التوافقية والدائمة، تحت إشراف مجلس الأمن وضمن الدينامية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا.

كما يعكس هذا التحول اتساع قاعدة الدعم الدولي للمقترح المغربي، الذي يحظى بتأييد أكثر من 130 دولة عضو في الأمم المتحدة، إلى جانب التمظهرات الدبلوماسية لهذا الدعم عبر افتتاح أزيد من 30 قنصلية عامة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، الشيء الذي يترجم الانتقال التدريجي من منطق الجدل النظري إلى الاعتراف الإجرائي.

مواقف معزولة

قال عبد الرحيم المنار السليمي، رئيس المركز الأطلسي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات، إن ما يجري في بعض اللقاءات الأممية خلال الشهور الأخيرة، وعلى رأسها أشغال اللجنة الرابعة والعشرين، لا يمكن فصله عن السياق الشامل لتطور ملف الصحراء المغربية، الذي يعيش، بحسب تقديره، مرحلة انتقالية متقدمة باتت فيها موازين المعادلة الدولية تميل بشكل تدريجي لصالح الطرح المغربي، في أفق تبلور مخرجات نهائية قد تقود إلى إغلاق الملف بشكل نهائي.

وأوضح منار السليمي في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية أن هذه المرحلة الانتقالية تجسد تحولا بنيويا في مقاربة المجتمع الدولي للنزاع، حيث لم تعد الأطروحات التقليدية تحظى بالزخم نفسه، مقابل صعود واضح لمقاربة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق على ضوء الدينامية التي كرستها قرارات مجلس الأمن، ولاسيما القرار 2797.

وأكد أستاذ الدراسات السياسية والدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المواقف المناوئة للمغرب داخل اللجنة الرابعة والعشرين، وعلى رأسها ناميبيا وتيمور الشرقية وإيران، تبقى محدودة من حيث التأثير والامتداد، رغم التقاطع الظرفي في خطابها الداعم لأطروحة “تقرير المصير”، مشيرا إلى أن هذه المواقف لا تستند إلى أرضية سياسية واحدة، ولا تعكس اصطفافا دوليا متجانسا.

وبخصوص هذه المواقف، شدد الخبير في نزاع الصحراء على أن ناميبيا تتحرك ضمن إرث تاريخي مرتبط بتجارب التحرر الإفريقي وذاكرة الحرب الباردة، في حين تنطلق تيمور الشرقية من إسقاطات تجربتها الخاصة في مسار الانفصال عن إندونيسيا، وهو ما يجعلها، بحسب تعبيره، أسيرة تمثلات لا تعكس خصوصية السياق المغربي.

ولفت منار السليمي الانتباه إلى أن الحالة الإيرانية تختلف جذريا عن باقي الحالات؛ إذ تتغذى على خلفيات سياسية وصراعية ممتدة، تتقاطع فيها حسابات إقليمية مرتبطة بطبيعة العلاقات مع النظام الجزائري، بما يجعل موقفها أقرب إلى الاصطفاف السياسي منه إلى المقاربة الحقوقية أو القانونية.

وتابع قائلا: إن القاسم المشترك بين هذه الأطراف هو محدودية التأثير الفعلي داخل مسار القرار الأممي، حيث تظل مواقفها ذات طابع خطابي أكثر منه عملي، في مقابل اتساع قاعدة الدول الداعمة للمقاربة المغربية، سواء داخل الأمم المتحدة أو خارجها، الشيء الذي يعكس تحولا تدريجيا في اتجاه ترسيخ منطق الحل السياسي الواقعي.

وأورد المحلل السياسي ذاته أن الرهان اليوم لم يعد مرتبطا فقط بإثبات وجاهة الطرح المغربي، بقدر ما أصبح يرتكز على تحويل هذا الإجماع الدولي المتنامي إلى أدوات ضغط مؤسسي داخل المنظومة الأممية؛ الشيء الذي يفرض تسريع الانتقال نحو مرحلة ما بعد الدينامية الحالية، خاصة في أفق الاستحقاقات الأممية المقبلة.

واسترسل أستاذ الدراسات السياسية في القول إن التعامل مع هذا التحول يقتضي مقاربة مزدوجة، تقوم من جهة على تعزيز التنمية في الأقاليم الجنوبية باعتبارها نموذجا ملموسا للاندماج والاستقرار، ومن جهة ثانية على تتبع التطورات داخل مخيمات تندوف، في ظل التغيرات الميدانية التي باتت تعكس تفاعلات مع الطرح المغربي.

وخلص عبد الرحيم المنار السليمي، أن المرحلة المقبلة تستدعي أيضا استعدادا دبلوماسيا استباقيا لمرحلة ما بعد المبعوث الأممي الحالي، وما قد يترتب عن التحولات المنتظرة في جدول أعمال مجلس الأمن سهر أكتوبر القادم، مشددا على أن “حسن إدارة هذه المرحلة سيكون حاسما في ترجيح مسار التسوية النهائية”.

نسق إيديولوجي

يرى زكرياء أقنوش، الخبير في الأنثروبولوجيا السياسية أن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية يعيش مرحلة مفصلية تتجه نحو ترسيخ منطق “مأسسة الأمر الواقع” داخل المنظومة الدولية، في ظل تراجع تدريجي لفاعلية الأطروحات التقليدية التي ما تزال تتبناها بعض الدول المحدودة.

وأضاف أقنوش، في إفادة لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن تمسك كل من ناميبيا وتيمور الشرقية وإيران بخيار “تقرير المصير” باعتباره الآلية الوحيدة لتصفية الاستعمار، لا يعكس توازنا فعليا داخل النظام الدولي، بقدر ما يجسد، وفق قراءته، استمرارا لنسق إيديولوجي متجاوز يعود إلى سياقات الحرب الباردة، ولم يعد قادرا على التأثير في مخرجات القرار الأممي.

وأوضح المتحدث ذاته أن التحولات الجارية داخل مجلس الأمن، ولا سيما ما تضمنه القرار 2797، تعكس انتقالا واضحا من منطق الحلول النظرية غير القابلة للتطبيق إلى مقاربة سياسية واقعية تقوم على التوافق والديمومة، وهو ما أعاد، بحسبه، تمركز مبادرة الحكم الذاتي كإطار أكثر جدية ومصداقية في التعاطي مع هذا النزاع.

وبخصوص الدينامية الدبلوماسية المرتبطة بالملف، أكد الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس أن المعطيات الميدانية تعكس تحولا بنيويا في موازين التأثير، تجسد في توسيع دائرة الاعتراف العملي عبر افتتاح عشرات القنصليات في الأقاليم الجنوبية، إلى جانب الدعم السياسي المتنامي الذي تحظى به المبادرة المغربية من أزيد من 130 دولة عضو في الأمم المتحدة.

ونبه المحلل السياسي عينه إلى أن هذه المؤشرات تعكس انتقالا تدريجيا من منطق التأييد السياسي إلى منطق الالتفاف المؤسساتي، الشيء الذي يسهم بشكل مباشر في تعزيز حضور السيادة المغربية على الأرض وتقليص هامش التأثير للمقاربات المناوئة.

واستدرك قائلا: إن استمرار بعض الأطراف في التمسك بخطاب متجاوز داخل أروقة الأمم المتحدة يظل معزولا عن التحولات الجارية، ويكشف محدودية القدرة على مواكبة إعادة تشكيل التوازنات الدولية حول هذا الملف.

وأنهى أستاذ الأنثروبولوجية السياسية بالتأكيد أن مستقبل الملف يتجه نحو ترسيخ معادلة واضحة قوامها السيادة المغربية في إطار حكامة ترابية مرنة عبر مبادرة الحكم الذاتي، مشددا على أن المواقف المناوئة ستظل ذات طابع رمزي غير مؤثر في هندسة التسوية النهائية التي تتبلور تدريجيا داخل المنظومة الأممية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • منفذ على الاطلسي
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 09:44

    الجزائر تعرف ان كل ثرواتها الباطنية تتواجد بالجنوب و تصديرها يتطلب بنية تحتية مكلفة ماديا و لوجيستيا. اقرب مكان لتصدير هذه المواد هو المحيط الأطلسي و هي تعرف بان تندوف التي صمت لها جورا من طرف فرنسا لا امكانية لتصدير مواردها إلا من خلال منفذ الأطلسي و بالذات الصحراء المغربية او اكادير او واد نون
    هناك ايضا معطى آخر و هو ان الجزائر لا تملك موارد بحرية مهمة كالاسماك و لهذا هي تسعى لخلق كيان تابع لها بالصحراء المغربية لعلها تستفيد منه في تغطية خصاص الأسماك التي لا تتواجد بساحلها المتوسطي
    أمر آخر مهم هو رغبة الجزائر في قطع سبل تواصل المغرب مع عمقه الأفريقي و عليه فهي تفعل كل شيء للإيقاع بين المغرب و موريتانيا بل حتى مع السنيغال و مالي
    عندما نتامل كل هذا يتضح ان الجزائر شعبا و كبرانات لديهم عقيدة لن تزول أبدا و هي محو المغرب او تركيعه على الاقل و علينا نحن غدا ان نفكر بمنطقهم اما نحن او هم
    الشمايت

  • محمد مكوار
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 09:46

    نفس الدول تعاكس المغرب مند عقود و على رأسها ايران. و يا للأسف هناك مغاربة يساندون هدا البلد العدو لبلادنا. هاته خيانة من طرف الاخوان و ما يسمى أقصى اليسار.

  • حاميها حراميها
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 09:47

    إلى متى تضحك علينا هاته العصابة (( الأمم المتآمرة و مجلس عدم الأمن ))

    أطردوهم لسنا بحاجة إليهم

    الصحراء في مغربها والشعب مستعد للدفاع عن كل حبة من رمالها

    مشكل مفتعل من دول امبريالية تعيش بمشاكل الشعوب النائمة

    دار العجزة في خيمة المرادية والمتزقة في تندوف ليسوا إلا دمية في أيدي الأفعى بسبعة رؤوس

  • عمر تطوان
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 09:48

    هادي هي ايران لي كيتعاطفو معاها بعض المغاربة رأس الأفعى اينما وجد اسم المغرب فهي ضده لكان عليا لي تعاطف معاها خصو الحبس

  • سامي
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 09:51

    50 سنة إلى يومنا هادا و مازلتم تقولون تفرص السياسة الواقعيه في الأمم المتحدة . ادا 50 سنة اخرى باش نحيدها من الأمم المتحدة هاد المشكل سبب لنا مشاكل و من اهمها هوا إجبار المغاربة على إيواء و إستقبال و تعليم و تزويج و إعطاء الحرية للافرقي في المغرب حتى على حساب الدولة المغربية و هادا غير مقبولا بتاتا افضل الموت على رمال الصحراء على أن أرى المغرب اصبح اسود و كل مجرم و ساحر و عديم الفايده يستفيد من تضحيات الأجداد

  • ملاحظ نزيه
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 09:55

    أعتقد أنه كان على إيران الاهتمام بمشاكلها التي لاتحصى وهي التي خرجت للتو من نزاع مدمر مع أمريكا،فماذا ستستفيد من حشر نفسها في مشكل إقليمي مفتعل بعيدا عنها؟ والكف عن السير في طريق كابرانات كرغوليا الذي لا طائل منه سوى خلق مزيد من المشاكل….

  • هشيم
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 12:01

    هرمنا و نحن نسمع هؤلاء الأساتذة نفس الخطاب و نفس التحليل و نفس المدخلات و نفس المخرجات حتى أنني أحس بالصداع كلما اطلعت على تحليلاتهم.
    لا نريد تحليل و لا فلسفة ..
    نريد تقديم اقتراحات عملية دقيقة تنهي الأزمة في أقرب وقت
    أما ما يجري داخل الأروقة و خارجها فالكل يعلمه حتى الذي ( يكوي الأواني المعدنية )

  • Oujdi
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 19:08

    Les pays dictatures ne sont pas une références pour donner des leçons et surtout vendre leurs âmes pour quelques dinars de la misère algérienne le maroc est chez lui au Sahara marocain maintenant il faut récupérer le Sahara oriental et sebta et mililia le peuple marocain brave n’abandonnera jamais ces terres c’est une question de temps

  • kham l
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 19:35

    لا أعرف لماذا لا تُصدر الأمم المتحدة قرارها النهائي، وهو: الصحراء مغربية، وأنه يجب وضع حدٍّ لأطماع الجزائر، وإغلاق هذا الملف نهائيًا وسحبه من جدول أعمال الأمم المتحدة.

    فهل الجزائر هي التي تتحكم في هذا الملف، فتقرر إغلاقه أو إبقاءه مفتوحًا لخمسين سنة أخرى

  • KARIM
    الإثنين 22 يونيو 2026 - 21:32

    الجرزائر تنفد مخططات اسيادها فرنسا و الامبريالية
    الجارية زازاير لا وزن لا هبة بل هي في حماية فرنسا
    كيف لدولة لا تملك حتى ارضها تتدخل في لا يعنيها ؟ الا بادن فرنسا و الامبريالية
    اطالة النزاع لصالح اوروبا و فرنسا و المنفد جارة الشر و المستفيد الصهيونية

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة

صوت وصورة
"الأحرار" يدعو المغاربة إلى التصويت لـ"الحمامة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:00

"الأحرار" يدعو المغاربة إلى التصويت لـ"الحمامة"

صوت وصورة
نداء نبيل بنعبد الله للناخبين
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 17:18

نداء نبيل بنعبد الله للناخبين

صوت وصورة
شراكة لتعزيز القراءة والثقافة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 16:01

شراكة لتعزيز القراءة والثقافة

صوت وصورة
حكايات كتردنا لبلادنا
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 11:43

حكايات كتردنا لبلادنا