قوانين التاريخ

قوانين التاريخ
الثلاثاء 8 مارس 2016 - 19:55

في مطلع عام 1980 للميلاد كان العالم يحدق باتجاه رجل يترنح في سكرات الموت، ومع لحظات توديعه للحياة باح (تيتو) بسره: لقد وضعت حجر الرحى على فم بئر من الكراهيات إذا انزاح غطاؤه خرجت كل الثعابين والروائح الكريهة منه. حافظوا على هذا الغطاء مسمَّراً الى الأبد؟! ولكن هل يمكن للخرَّاج أن يعس داخل الأنسجة بدون انفجار؟

يقال أن نفس الجملة كررها نوري السعيد في العراق المحتقن بالكراهية فصدقن نبوءته فيما يخص العائلة المالكة كما حصل لعائلة رومانوف في روسيا. كررها على تشبيه أقبح فاستخدم اللفظة العراقية (الجشمة).

وما فعله حافظ الأسد في سوريا يشبه مقولة تيتو ونوري السعيد وشاوسسكو الروماني المرذول؛ حين ترك سوريا مستنقعا من الدم والكراهية، قاد إلى ما نرى من الكارثة السورية. ولا يظلم ربك أحدا.لقد قاد ما فعل إلى المحرقة الكبرى، ومعها ربما فناء طائفته وحزبه وعائلته وذريته من بعده.يقول القرآن وأن ليس للإنسان إلى ما سعى.وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى.

ترجمة هذه القوانين الثلاث في علم الاجتماع: الجزاء من جنس العمل. وأن ما زرعه أحدنا سيحصده. وأن النتيجة ستكون بقدر الجهد لا يزيد ولا ينقص.

يخضع تقدم التاريخ لثلاث قوانين تمسك بمفاصل حركته:

ـ أن الأنفع يثبت.

ـ وأن الكون لم ينته خلقه بعد؛ والله يزيد في الخلق ما يشاء، ويخلق ما لا تعلمون.

ـ وأن ما بشر به الأنبياء نظرياً يقدم التاريخ الأقنية العملية لترسيخه، ومنها فكرة (لا إكراه في الدين) وما فعله حلف الناتو يوما في كوسوفو يمثل في قسم منه هذا التطور في رفع الإكراه عن البشر، كمنحى لا فرار منه أمام حركة التاريخ .

اعتبر القرآن أن الزبد يذهب جفاء، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ، ويعتبر المؤرخ البريطاني توينبي أن قوانين التاريخ لا تمثل دورة رتيبة؛ بل هي دورة عجلة (إطار = دولاب) محمولة على محور، العجلة تعيد إنتاج دورتها، والمحور ينقل القدر الإنساني طبقاً عن طبق الى ما هو خير وأبقى، وعندما بنى إبراهيم الكعبة كنموذج مصغَّر للسلام الكوني كان في صدد توسيع التجربة لتتحول الأرض الى كعبة كبيرة، وتمتد الأشهر الحُرم لتغطي كل السنة، ويتم تأميم الحروب في الأرض، وترفع يد الوصاية عن الدين فتلغى المؤسسة الدينية برموزها وألبستها من طاقية وعمامة وطربوش وقلنسوة بألوان شتى وغرابيب سود.

النافع والأفضل يتقدم ويتعمق كشجرة لا تكف عن النمو، والإكراه الإيديولوجي والعرقي كمرض كريه يتقلص من العالم؛ والاتحاد السوفيتي انهار لأنه بني على الدمج القسري.

التطور نحو الأفضل هو القانون الذي يحكم التاريخ بإضافة ملاحظتين: أنه مخطط يتعرض لهزات في بعض المراحل، الى درجة التراجع في بعض المناطق، كما أنه يتقدم برجلين بين التقدم التكنولوجي والتطور الإنساني.

معلومات البيولوجيا ومناهج الاقتصاد وعلم الاجتماع تقدم لنا ثلاث نماذج لاهتزاز المخططات؛ فالجسم كل لحظة هو في شان، في تأرجح كمية السكر في الدم مع بذل الجهد، وارتفاع الكورتيزون مع نشاط النهار، ونوم المثانة في الليل، واكتشف (رافي باترا) الاقتصادي الأمريكي أزمة الدورة الرأسمالية كل ستين عاماً، وأفادنا ابن خلدون بدورة الدولة بثلاث أجيال في 120 سنة.

المخطط يهتز ولكنه يحافظ على معدل معين، باختلاف درجة الميل بين البيولوجيا والسسيولوجيا؛ ففي الوقت الذي يمضي البدن باتجاه التآكل والتفسخ حسب القانون الثاني للديناميكا الحرارية؛ فإن مخطط الجنس البشري يميل نحو الأحسن باضطراد. هذا ما حصل من تطوير نقل السلطة السلمي، وحرية الاعتقاد، وكرامة المرأة، وموت مؤسسة الحرب.

حين نفهم (مشروع الأنبياء) في حل المشكلة الإنسانية يمكن فهم الأحداث على ضوئها بشكل مريح، والشيء الأساسي الذي نادوا به مشروع (لا إكراه في الدين)؛ فمع الإكراه لا يعتبر المؤمن مؤمنا ولا الكافر كافرا، بسبب بسيط أن القناعة والرفض، تقوم على آليات دماغية، تولدها قناعة الأفكار في الجهاز العصبي وليس السوط والعضلات.

يرى (توينبي) أن الحضارات تنطلق بالإبداع على يد أقلية تتبعها الأكثرية بآلية المحاكاة على أنغام مزمار الراعي، وأنها تنهار عندما تتحول الى أقلية مسيطرة تسوق الناس بسوط (الإكراه).

لا إكراه في الدين وحرية الاعتقاد خروجا ودخولا وحرية التعبير والتجمع عليه والدعوة له بشر به الأنبياء كمشروع إنساني تحول الى بند راسخ في دساتير العالم، ولعل تشديد الغرب على منع إعدام اوجالان في تركيا يدخل تحت هذا البند، والديمقراطيات الغربية بدأت في التحرك لنقل مفهوم (رفع الإكراه) من حزامها الى خارجها على صورتين: الانتقال من تحريم الإكراه الإيديولوجي والمذهبي الى العرقي وهو أخطر، وثانياً محاولة منعه خارج المنظومة الديمقراطية.

الجهاد في الإسلام لم يشرع لنشر الفكر بل لرفع الظلم والإكراه والفتنة عن (الإنسان) أينما كان ومهما دان، وبذلك يصبح الجهاد دعوة لإقامة حلف عالمي لرفع الاضطهاد والإكراه عن البشر وفي صورتين بوجه التحديد:

ـ الإخراج من الديار والعقيدة بالقوة المسلحة، جمعتها نصف آية تبرر استخدام القوة المسلحة (أُخرجوا من ديارهم بغير حق الا أن يقولوا ربنا الله).

تطور التاريخ يجبر القوى العظمى ومنها أمريكا التي تمثل القطب الواحد أن تمنع الإكراه وتلتمس مبررات التدخل المسلح بما يتوافق مع مصلحتها وليس بدون نتائج مأساوية.

اعتبر (نعوم تشومسكي) السياسي وعالم الألسنيات الأمريكي أن غرام أمريكا بالعدالة كاذب، يشهد له سكوتها عن جرائم بحجم الجبال في أماكن شتى، واعتبر الصحافي البريطاني (روبرت فيسك) أن الذكرى الخمسينية لولادة الناتو كانت جديرة باستعراض القوة، وأكدها (ادوارد سعيد) في مقالة له بفكرة كيسنجر عن استخدام القوة في الهند الصينية الى جرعتها القصوى: يجب أن يلقن الأعداء أنه ليس ثمة حدود لما يتوقعونه من خصومهم بما فيها الحدود التي تبدو لاعقلانية على الإطلاق. وهو ما يفعله بشار الكيماوي في سوريا.

ويبقى ميزان الغرب مترنحاً في تعامله مع قضية فلسطين فتنطفيء كل النخوة والأريحية الديمقراطية دفعة واحدة، وتظهر إنسانيتهم في تمزيق المنطقة الشيوعية؛ فتم ضرب العراق من خوف مقبل ، وتم ضرب الصرب من شماتة وأحقاد الماضي.

نحن حين نفهم اتجاه التاريخ ونربط الأحداث ببعضها نعلم أن إيقاف المذابح عمل إنساني يجب أن يتم في كل مكان ويجب أن يتدخل العالم لإنقاذ الشعب السوري من المذبحة وإلا فهو مشارك في الجريمة.

وبمجرد أن نعجز عن ربط الأحداث ببعضها تختلط علينا الأوراق. من دون هذه المرجعية فإن كل الأحداث التي يمكن أن تتخذ وسيلة لكسب المصداقية لن تحمل مصداقية حقيقة وإنما مزيدا من ترسيخ الامتيازات وإبراز المنطق الفرعوني.

نحن ننسى مصدر الإعاقة العالمية، وتزعجنا التناقضات الثانوية، وننسى التناقض الأساسي العالمي، الذي يقوده رهط مفسدون في الأرض .

لابد من السعي لصنع أمم متحدة من نوع جديد كما في الدول الديمقراطية التي يحكمها القانون وليس الفيتو، بتشكيل برلمان دولي له قدرة التنفيذ.

الديمقراطيات الغربية استطاعت أن تحقق العدل الداخلي والرفاهية والأمن لإفرادها الى حد كبير، كما نجحت في آلية نقل السلطة السلمي؛ فأصبح إقناع الناس ولو بالتحايل سبيل التغيير، وليس الجيش والاستخبارات، ولكن مشكلة الغرب أنه تحول الى ديكتاتور في العالم، في مقابل ديمقراطية داخلية على نحو محير.

الأمم المتحدة على ما يبدو تحتضر الآن، ومجلس الأمن بتركيبة الفيتو لم يعد مناسبا للعالم الجديد بل أصبح يعيق نمو العالم، ويجب أن يلغى جملة وتفصيلا، وليس المطالبة بتوسيع كراسيه، ومدها الى مقاعد جديدة لليابان وألمانيا أعداء الأمس، وآخرين يتلمظون لمقاعد الامتيازات، والوحدة الأوربية مولود جديد في تاريخ الإنسان، ويمكن أن تكون نواة لوحدة عالمية، ولكن الأمم المتحدة بوضعها الراهن لا يمكن أن تكون نواة لوحدة عالمية.

الوحدة الأوربية حاولها من قبل نابليون وهتلر وكلاهما وصل الى عكا وستالينغراد؛ فأما الأول فقضى نحبه منفياً في جزيرة، وأما الثاني فمات منتحراً، وتتحد أوربا اليوم ليس تحت شعار ألمانيا فوق الجميع بل ألمانيا مثل الجميع، وهي كلمة السواء التي خاطب بها محمد ص هرقل قبل 1400 سنة تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم فإن توليتم فإن عليكم إثم الاريسيين أي لعنة الشعوب.

ينقل نعوم تشومسكي في كتابه (قراصنة وأباطرة) أن الإسكندر ألقى القبض على قرصان فراح يقرِّعه: كيف سوَّلت لك نفسك أيها الخبيث إزعاج الناس في البحر؟

أجاب إنني أزعج الناس في بحر فأسمى قرصاناً؟ ولكنك تزعج العالم كله فتصبح إمبراطورا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • Said montreal
    الأربعاء 9 مارس 2016 - 06:13

    الدين شأن روحاني يخص العبد وربه من أجل خلاصه الشخصي وإعطاء معنى لحياته وليس شأن عاما أو سياسيا تسيره الدولة.
    تقدم الغرب نتيجة لثورة فلاسفة الأنوار حيث أنتجوا أفكارا ومبادء كحرية التعبير وحرية العقيدة.
    جل شعوب العالم العربي ضد فكرة العلمانية التي تضمن لكل واحد حقه في اتباع الدين الذي يراه مناسبا له.
    انت يا سيد شلبي تثير فكرة حرية المعتقد لأنك عشت في كندا ورأيت بأم عينك منافع العلمانية في استقرار المجتمع المتعدد والمختلف عرقيا ولغويا ولكنك إن عشت في المجتمع العربي فسترى وستقول العكس
    تقدم العرب رهين بمدى بعدهم عن الدين كمشروع سياسي ونهج لتسيير دولهم

  • SAID
    الأربعاء 9 مارس 2016 - 07:28

    كلامكم في الصميم.جزاكم الله خيرا.

  • سعيد
    الأربعاء 9 مارس 2016 - 08:15

    للمعلق رقم 1 أقول الدين الإسلامي جاء ليضمن سلامتك أيها الإنسان لا أن يقيد حريتك.حينما أن تفهم معنى لا تقربوا في القرآن فأنت في سلامة.هل حينما تعبر صحراء وتجد أمامك لوحة مكتوب فيها لا تقربوا منطقة ألغام.فهل يعد هذا حدا لحريتك أم أراد واضع اللوحة لك الخير؟

  • Said CANADA
    الأربعاء 9 مارس 2016 - 10:03

    كلام عبقري موسوعي
    لولا الإسلام لاندثر العرب والمسلمون وتلاشوا ولالتهمهم الغرب !
    لو حدث ان تم تجريب العلمانية في إحدى الدول العربية..وإقصاء الدين في المجتمع لحدثت الكارثة ؛ الانحدار إلى جهنم الجرائم والفساد وانعدام الاخلاق..وبالتالي اضمحلال المجتمع والدولة..
    الغربيون "متخلقون" بالفطرة ..والعرب ومن في معناهم يلزمهم وازع بالقهر

  • مقال ممتاز
    الأربعاء 9 مارس 2016 - 10:05

    مقال ممتاز للدكتور جلبي…..
    ….كالعادة
    شكرا

  • Said montreal
    الأربعاء 9 مارس 2016 - 11:08

    أوروبا تناحرت لعقود في حروب أكثر دموية في التاريخ البشري بسبب الخلافات الدينية بين فرق الكاثوليكية والبروستانتية.
    حركة الداعشية في العالم العربي صورة طبق الأصل لحركة L'inquisition بأوروبا حيث كان يتدخل أتباع هذه الحركة من أجل إحقاق الدين المسيحي في نظرهم ومراقبة مدى تطبيق الناس لتعاليم المسيحية حيث يتدخلون في أمور العباد ويجزون الؤوس أمام الملأ للمخالفين.ملك فرنسا لويس الرابع عشر كان يلقب بأمير المؤمنين وخليفة الله وبالملك الشمس Le roi soleil، وكان مستبدا جائرا في حكمه إلى حد العبث.وكذلك ملوك بريطانيا العظمى يستمدون شرعيتهم من الكنيسة.
    1789- 1799 تاريخ الثورة الفرنسية وهجوم الشعب على La Bastille وسقوط الملكية المتسلطة باسم الدين.
    جل الشعوب العربية ضد الديمقراطية والسبب:
    1- الديمقراطية إنتاج غربي وليست ابنة البيئة العربية.
    2- المجتمعات العربية ميتافيزيقية تفكر أكثر في الآخرة قبل الدنيا، فالدين أهم ولو كان سبب في الحروب والدمار.
    3- التعصب الفكري: la rigiditė de pensée ﻷن العربي يعتقد جزافا أنه الوحيد الذي يملك الحق والحقيقة فل يقبل النقد والأفكار المختلفة.
    4- الطائفية والمذهبية.

  • Said montreal
    الأربعاء 9 مارس 2016 - 11:33

    جل الشعوب العربية ضد الديمقراطية والسبب:
    1-الإصطلاح: الديمقراطية إنتاج غربي وليست ابنة البيئة العربية. وهي مخالفة للشرع الذي ينص على الشورى.
    2-المعنى: المجتمعات العربية ميتافيزيقية تفكر أكثر في الآخرة قبل الدنيا، فالدين أهم ولو كان سببا في الحروب والدمار.
    3- التعصب الفكري: la rigiditė de pensée ﻷن العربي يعتقد جزافا أنه الوحيد الذي يملك الحق والحقيقة فلا يقبل النقد والأفكار المختلفة ﻷن الدين الأصح عنده هو الإسلام وعلى ضوئه يفسر الكون ومختلف الديانات السماوية، لذلك ترى العربي يترنح ويزبد ويكون حاميا في النقاش وليس هادئا كالأوروبي أو الأمريكي.
    4- الطائفية والمذهبية والولاء للعشيرة: السنة، الشيعة، المارونية ، الأقباط، الأرتودكس، يصعب معها إعمال الديمقراطية.

  • عبد العظيم بنرشيد
    الأربعاء 9 مارس 2016 - 18:41

    تحية تقدير للأستاذ الكبير خالص جلبي
    أدعو كل عاشق للقراءة أن يقرأ كتاب الأستاذ جلبي حول نقد الحركة الإسلامية.

  • هكذا يكون الراي
    الخميس 10 مارس 2016 - 13:07

    شعر منثور من روح تثور وفكر ممتد عبر الجسور الى كل العصور ! شكرا دكتور.

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 3

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 2

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 2

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 11

شوكي: مصلحة الوطن أولا