تجربة الجلسات التحضيرية للجولة الرابعة من آلية الاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان الخاصة ببعض الدول المغاربية، منحتني فرصة استيعاب كلفة خيار “الانغلاق” وفوائد “الانفتاح” بشكل أكبر.
الجلسة الخاصة بالمغرب، قدمت فيها جمعيات وشبكات المجتمع المدني داخل أرض الوطن، بالإضافة إلى “المجلس الوطني لحقوق الإنسان”، تصريحاتها أمام مسؤولي البعثات الدائمة للدول. تصريحات تضمنت انتقادات للوضع الحقوقي في بلادنا، مع تقديم عدد من التوصيات التي تراها الجمعيات كفيلة بتجويد مناخ حقوق الإنسان، سواء تعلق الأمر بالحقوق الثقافية أو المدنية والسياسية أو حقوق الطفل أو قضايا المساواة والمناصفة والشباب…
غير بعيد عن هذه الجلسة، كانت كل الجمعيات المشاركة في هذا الاستحقاق الحقوقي الأممي، تتحرك مثل خلية نحل داخل بهو قصر الأمم المتحدة بجنيف، وتعقد لقاءاتها الترافعية مع ممثلي الدول من أجل إقناعهم بوجهات نظرها، التي بلورتها في شكل توصيات دقيقة، لطرحها على الحكومة المغربية خلال شهر نونبر المقبل.
ما هو الأثر إذن لكل هذا؟ مهما كانت حدة الانتقادات التي طرحت، إلا أننا بهذا الشكل، قدمنا صورة مشرقة عن بلادنا أمام باقي الوفود وممثلي الدول، صورة بلاد يوجد فيها مجتمع مدني حي وينتقد، يبادر ويقترح، دون أي شكل من أشكال المضايقات من طرف السلطة. هذا الوضع عقد حتى “مهمة” المحسوبين على تيار الانفصال، الذي كان معزولا تماما في القاعة، ولم يتبق أمام عناصره سوى اللجوء إلى بعض أشكال الاستفزاز الطفولية، التي تدعو للسخرية.
ولأن المغرب عصي على الفهم بتركيبته السياسية والمجتمعية الفريدة، بادرتني فاعلة حقوقية من دولة شقيقة بالسؤال قائلة ما معناه: “ألا تخافون عند العودة إلى بلادكم من التعرض للمضايقات بسبب انتقاداتكم؟”، فكان الجواب: “ليست هناك أية مضايقات، سنعود إلى بلادنا، وسنلتحق بعملنا في اليوم الموالي، وفي المساء نعقد الاجتماعات، وفي نهاية الأسبوع ننظم ندواتنا ودوراتنا التكوينية”.
في المقابل، دعونا نلقي نظرة على الجلسة الخاصة بدولة الجزائر. ليس من باب المقارنة وإنما من أجل استخلاص الدروس. على مستوى الشكل، لم يكن هناك أي ممثل داخل القاعة عن المجتمع المدني المحلي. فكل التصريحات قدمتها منظمات دولية رسمت صورة قاتمة عن الوضع الحقوقي في البلاد، بالإضافة إلى تدخل عبر كلمة مصورة للناشطة الحقوقية جميلة لوكيل، ممثلة الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، التي تم بث مداخلتها عن بعد، لأنها لم تتمكن من السفر إلى جنيف بسبب منعها من طرف السلطات الجزائرية.
حجم الانتقادات القوية التي فضحت وضعية حقوق الإنسان على لسان المتحدثين جعلت عبد المجيد زعلاني، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالجزائر، في وضع لا يحسد عليه، والتوتر كان باديا عليه خلال تقديمه لرد مختصر، إذ لم يجد بدا من الاستعانة بأسطوانة “الاستقرار” في مواجهة المطالب الحقوقية. وعوض أن يبذل مجهودا معقولا يسمح فيه بمشاركة جمعيات بلاده في هذه الجلسات، اختار عبد المجيد زعلاني تركيز جهوده كاملة على تأطير الانفصاليين الحاضرين ودعمهم، رغم أن عددهم لم يتجاوز 3 أشخاص، والوفاء لنهج بلاده المعادي للمملكة المغربية.
وهكذا، ظهرت الدولة الجزائرية أمام ممثلي البعثات وباقي وفود المجتمع المدني، كجمهورية لا يتمتع فيها المواطنون حتى بالحق في تأسيس الجمعيات ولا التظاهر السلمي، ويمنع النشطاء الحقوقيون فيها من مغادرة البلاد، للحضور في الملتقيات الدولية.. كنا أمام صورة سيئة لا يمكن حجبها أبدا، غياب كلي للمجتمع المدني المحلي، مع حضور قليل جدا لبعض الجزائريين اللاجئين، وتقييم لوضعية حقوق الإنسان بعيون منظمات دولية غير حكومية.
نحن هنا لسنا بصدد مقارنات تفاضلية لكي نقول “إننا أحسن من الآخرين”، وإنما من أجل توضيح كلفة الانغلاق ومحاولات الضبط، التي قد تبدو في الوهلة الأولى “حلا سهلا”، لكن ثمنها في غالب الأحيان يكون باهضا ومضرا بصورة البلدان. لهذا فمصلحتنا هي الاستمرار في نهجنا عبر تطويره وتجويده من جهة، ومن جهة ثانية التفاعل الإيجابي مع توصيات جمعيات المجتمع المدني وعدم رفضها أو التحفظ عليها. نريد أن نكرس “الانفتاح” من أجل الربح، عوض “الانغلاق” لأنه مشروع خاسر.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.