صياغة أدبيات الثقافة الحقوقية، ليس فقط ببلادنا ولكن على المستوى الكوني، تحتاج-في نظرنا-إلى ترو وإمعان النظر في الآليات المسخرة في ضبط القضايا والأسئلة الملحة التي تسعى النخب الثقافية والسياسية إلى مقاربتها وفق ما تمور به ساحتنا الاجتماعية، بمختلف شرائحها وفئاتها، من تحديات ذات الصلة براهنية الواقع في ظل تقاطعات واستقطابات إقليمية ودولية كبرى.
وعليه، فإن السؤال الذي ينتظر الجواب عنه هو كيف نبني خطابا حقوقيا في بلادنا قادرا على استيعاب وتذويب ما عداه من الخطابات الأيديولوجية الجاهزة التي لا تكلف صاحبها المتبني لمحتواها استحضار السياقات العامة التي تحكم أنساق العلاقات البينية إن على المستوى الإقليمي أو الدولي؟
علما بأن الأسئلة الشائكة تظل مطروحة على جميع الأطراف المعنية بحقوق الإنسان، حكومات وأنظمة وأحزابا ومؤسسات مدنية، تحظى إلى حد ما بالاستقلالية في اتخاذ القرار والخروج به إلى العلن وممارسة الموقف الذي يتماشى مع أفقيها الفكري والأيديولوجي، لا سيما في اللحظات المفصلية، القوية والحاسمة من تاريخ البلد!
كان لزاما علينا الاستئناس بالقوانين والمواثيق الدولية التي تؤطر ثقافة حقوق الإنسان.
وتحميها من العسف والتسلط والخرق أنى كان مصدره.
حقوق الإنسان كل لا يتجزأ في صيرورته وتبنينه عبر مراحل تاريخية، شكلت محطات نضالية مهمة في تاريخ البشرية، بحيث ارتبطت جل الحركات اليسارية في العالم باستطالة مركزية، تعنى بحقوق الإنسان، بل تعبأت لفضح وتعرية الممارسات اللاإنسانية التي باشرتها الأنظمة الدكتاتورية “التوليتارية”، خاصة في أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وآسيا.
درس حقوق الإنسان درس معقد للغاية، لارتباطه بنظم الحكم وطبيعتها في العالم، فضلا عن النظام العالمي الجديد غير المتكافئ فيما يخص مصالح الدول والتكتلات الاقتصادية، لم يعد يرحم أحدا، بسبب منزعه الليبرالي المتوحش، ناهيك عن البون الشاسع الذي يحكم العلاقات بين هذه الدول والتكتلات الاقتصادية في مجال تملك ناصية العلوم والتكنولوجيا والأمن السيبراني وغيره.
نحن أمام تحديات بشأن موضوع حقوق الإنسان وثقافة حقوق الإنسان، المرتبط أساسا بالديمقراطية وبناء دولة المؤسسات والعمل على وقف نزيف الفساد الذي ينخر الإدارة المغربية.
هذا لعمري، هو السبيل لبناء خطاب حقوقي متقدم ومنسجم مع تطلعات الشعب المغربي وأفق انتظاره، بكل فئاته وشرائحه، في ارتباط عضوي بمسألة الديمقراطية وبناء دولة المؤسسات. لعل المعادلة الصعبة التي ينبغي الاشتغال عليها حقوقيا، رغم كل الظروف المعقدة التي يعرفها العالم اليوم (حرب أوكرانيا وجرائم إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني الأعزل وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا بالإضافة إلى عودة ترامب إلى البيت الأبيض) هي كيف نمضي بمجتمعنا إلى بر الأمان في أفق تكريس المصالحة الوطنية الشاملة، بما في ذلك تسوية ملف معتقلي حراك الريف، ضمانا لحالة الاستقرار السياسي في البلاد.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.