الشعبوية والديمقراطية في زمن الأزمات
مع تصاعد وتمدد التيارات الشعبوية عبر العالم، يتجدد طرح السؤال حول: ما إذا كان ذلك يشكل مؤشرا وتعبيرا عن أزمة الديمقراطية بصورها المختلفة، أم مجرد ردود فعل مرحلية تفرضها الممارسات الديمقراطية باعتبارها آلية لتدبير التنوع المجتمعي والتداول على السلطة بشكل سلمي.
تحيل الشعبوية إلى تيارات واتجاهات فكرية وممارسات اجتماعية وخطابات غالبا ما تحيل إلى الديماغوجية، وهي تقوم على الانتقاص من قيمة الفكر والعلم داخل المجتمع، في مقابل التركيز على الخطابات السطحية والأفكار الخرافية، في سياق حشد الجماهير بناء على ثنائية الخير والشر، والنقاوة والفساد.. حيث يقدم “الشعبويون” أنفسهم كمنقذين من الأزمات والمعضلات المختلفة. وعلى عكس بعض التيارات كالليبرالية والاشتراكية، تفتقر الشعبوية إلى أساس نظري متجانس فكريا وسياسيا واقتصاديا.
وفي الوقت الذي يعتبرها البعض بمثابة حركات احتجاجية ضد الإكراهات والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تدعم توسيع دائرة المشاركة السياسية وتعزّز التواصل بأساليب بسيطة، يرى فيها آخرون مجرد أصوات مرحلية تحركها ردود الفعل، تبرز إبان الأزمات، وتكرس شخصنة الأحزاب السياسية وتفرغ العمل المؤسساتي من أهميته.
تعتمد القيادات الشعبوية على فن الخطابة في تمرير أفكارها، بعدما أصبحت تستثمر تقنيات التواصل الحديثة بشكل مكثف. وعلى المستوى السياسي، تعتمد الشعبوية على شعارات مثيرة وخطابات تبسيطية، لتعبئة الجماهير، وكذا المراهنة على الزعيم المنقذ الذي يحمل الحلول السحرية والخلاص، في مقابل التشكيك في الواقع واعتماد نظرية المؤامرة ونزع الشرعية عن العلماء ورفض المؤسسات والقنوات الوسيطة مع الشعب، علاوة على زرع الفتن وتكريس الهلع وإطلاق الإشاعات والوعود البراقة.
يمتد ظهور الشعبوية إلى عصور قديمة؛ مع صعود الديماغوجيين بعد انتكاس الديمقراطية اليونانية، ومع حزب الشعب الأمريكي 1892 الذي برز مع تطور الرأسمالية وتراجع الحزبين الديمقراطي والجمهوري آنذاك، وبعد الحرب العالمية الأولى، وأجوائها المحبطة التي مهدت المناخ لبروز قيادات شعبوية ديكتاتورية كهتلر في ألمانيا، وموسوليني في إيطاليا، وفرانكو في إسبانيا..، قبل أن تظهر في دول أمريكا اللاتينية خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، مع الزعيمين خوان بيرون في الأرجنتين، وجيتوليو فارجاس بالبرازيل.
وفي العقود الثلاثة الأخيرة، تنامى ظهور وانتشار الشعبوية في أوروبا وأمريكا، مع عجز الأحزاب التقليدية عن تقديم حلول مقنعة لعدد من المشاكل المطروحة كالهجرة والأزمات المالية المتلاحقة وتوحش الليبرالية..، أو بلورة تواصل سياسي مواكب للتحولات الثقافية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها هذه المجتمعات.
إن تمدد هذه التيارات على المستويات الوطنية والدولية يعكس تراجع الثقة في أداء النخب السياسية التقليدية، حيث فسر البعض التصويت المكثف على هذه التيارات بمثابة ردّة فعل عقابية ضد الأحزاب التقليدية التي لم تجدّد نفسها ولم تواكب انتظارات المجتمع ولم تطور خطاباتها.
على المستوى العربي، برزت خطابات شعبوية خلال العقدين الأخيرين مستثمرة الإمكانيات التي يوفرها التطور الرقمي، وكذا هامش الحرية التي أتاحته شبكات التواصل الاجتماعي، والحراك الذي تفجر في عدد من دول المنطقة؛ وهو ما فتح الفرص لإطلاق خطابات دينية وأخلاقية لكسب تعاطف الجماهير وصلت أحيانا إلى حدّ طرح حلول أخلاقية وسطحية لمعضلات وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية.
لا تخفى الانعكاسات السلبية لهذه التيارات، خاصة مع اقتران وتحالف الخطابات الشعبوية مع التحول الرقمي وتوظيفه بسبل ذكية في تكريس تهميش وإضعاف المؤسسات السياسية وتحويل النقاشات السياسية إلى مجرد فرجة وتفريغ الممارسة الديمقراطية والتعددية السياسية من مفهومهما البناء إلى طرح خطابات الكراهية، بدل ترسيخ الحوار والنقاش البناء.
إن التجييش الذي تعتمده التيارات الشعبوية يمكن أن يدفع الجماهير إلى اتخاذ مواقف وخيارات ضد مصالحها أحيانا، وتساهم في ضياع الكثير من المكتسبات المحققة في هذا الخصوص. ولذلك، فهي تمثل خطرا على الممارسة الديمقراطية؛ بما تنطوي عليه من تشاركية وتدبير للاختلافات، من حيث تكريسها لتوجهات “ديكتاتورية” تقوم على طرح الحلول الجاهزة وعلى تبنّي الرأي الأوحد ورفض الآخر المخالف وتهميش الكفاءات في مختلف المجالات والميادين.
وفي السياق المغربي، يصعب القول بوجود أحزاب شعبوية بالمفهوم الإيديولوجي؛ غير أن المشهد السياسي لا يخلو من خطابات شعبوية تقودها نخب حزبية توظّف اللغة العامية والعفوية والتموقع الأخلاقي كسبيل لمواجهة “الفساد والتحكم”؛ وهي الخطابات التي تكسّرت تحت محكّ العمل الحكومي، أو عبر “شعبوية تكنوقراطية” مبنية على إطلاق وعود اقتصادية واجتماعية “وردية” مستندة إلى أرقام ضخمة تحطمت بدورها أمام موجة الغلاء التي طالت أسعار المحروقات وعدد من المواد الأساسية وتفشي الفساد.
اعتبارا للمكانة الدستورية والسياسية والدينية التي تحظى بها المؤسسة الملكية والتي تجعلها فوق الصراعات السياسية والحزبية الضيقة، واستحضارا لمهامها في مجال التحكيم (الفصل 42 من الدستور) وتدبير الأزمات بأساليب استراتيجية، فهي تلعب أدوارا مهمة في الحد من هامش ومخاطر خطابات “الشعبويين” الذين يقدمون أنفسهم كـ”منقذين” من الأزمات المختلفة.
لكن تصاعد هذه الخطابات التي تقودها نخب حزبية أو مؤثرون عبر شبكات التواصل الاجتماعي خلال فترات الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الكوارث الطبيعة، عبر إطلاق خطابات حماسية تخاطب العواطف دون القدرة على تقديم حلول واقعية، هو تجسيد عملي لأزمة الوساطة التقليدية بسبب تراجع الأدوار التي تستأثر بها الأحزاب السياسية والنقابات داخل المجتمع، وما نجم عن ذلك من تعميق لأزمة الثقة بين المواطن والأحزاب السياسية والهيئات المنتخبة، التي تجعل المؤسسات الإدارية في مواجهة مباشرة مع احتجاجات المواطن إبان الأزمات.
إن محاصرة الخطابات الشعبوية هي مهمة جماعية، تتحمل فيها الأحزاب السياسية مسؤولية مهمة، فيما يتعلق بإعادة الاعتبار للعمل الحزبي وتبني الديمقراطية الداخلية التي تتيح الحضور المستمر في عمق المجتمع وتبني تجدد النخب اعتمادا على الكفاءة وإرساء برامج عقلانية.
وهي مهمة تسائل الدولة أيضا، وخاصة فيما يتعلق بتطوير المشهد الإعلامي (العمومي والمستقل) وإرساء تواصل بنّاء يضيق الخناق على التيارات الشعبوية، ومواجهة الفساد في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، واعتماد الصرامة في مواجهة الجرائم الرقمية التي تكرس الابتذال والتفاهة وتسطح الوعي وتنشر الإشاعات والأخبار الزائفة، علاوة على برمجة التربية الرقمية ضمن المقررات التعليمية لتحصين الأجيال. كما يفرض الأمر انخراط النخب المثقفة في إطلاق نقاشات مجتمعية حقيقية، إلى جانب دور المجتمع المدني في تبني أداء احترافي ومنفتح على قضايا المجتمع.
إن هذه التيارات وإن تمددت، فهي تمثل “حركات” مرحلية، تبرز كردّ فعل آني على أوضاع مأزومة، وليس نتاج تطور مجتمعي طبيعي، وبقدر ما توفره الأزمات من فرص لصعود هذه التيارات، فهي غالبا ما تصبح مع مرور الوقت بمثابة فخّ لكشف هشاشة بنائها وعامل لسقوطها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.