لا تمنحني سمكة..

لا تمنحني سمكة..
الجمعة 7 غشت 2026 - 13:30

قبل أسابيع معدودة، نشر موقع “هسبريس” الإلكتروني مضمون حوار جمع بين أحد صحافيي الجريدة وكاتب الدولة المكلف بالشغل. كان اللقاء مناسبة لتجاذب أطراف الحديث حول مجموعة من القضايا التي تحظى باهتمام المغاربة، إلا أن أهم ما احتفظت به ذاكرتي تصريح للمسؤول الحكومي جاء فيه ما معناه أن الدعم الاجتماعي ليس غاية، وأن نجاح المشروع رهين بتراجع عدد المستفيدين (رجاء وضع سطر تحت كلمة “تراجع”).

وفي وقت لاحق، أدلى الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية بتصريح مماثل إلى حد ما، جاء ضمن جواب كتابي موجه إلى نائبة برلمانية عن الفريق الحركي. في هذا التصريح، شدد معالي الوزير هو الآخر على أن “الدعم المباشر ليس غاية نهائية، بل آلية انتقالية تهدف إلى توفير شروط الإدماج المستدام للأسر المستفيدة في الدورة الاقتصادية وتمكينها من المساهمة الفعلية في خلق القيمة”.

مما لا شك فيه أن تصريحات بهذا المستوى لا “ينتجها” المسؤولون الحكوميون عندنا بالأطنان، إذ من النادر جداً أن يخرج وزير من الدرجة الأولى أو الثانية بكلام على هذا القدر من الرزانة والفصاحة والنضج والعمق. هذا الكلام ليس من خشب، والخطاب هنا بعيد كل البعد عن الشعبوية، وليس فيه ـ ونحن على مشارف محطة انتخابية جديدة ـ ما يؤشر على الترويج لأطروحات حزبية وسياسية معينة. الأمر هنا يتعلق بمشروع سوسيواقتصادي من المفروض نظرياً أن يجسد نبل الدولة، وأن تُوفَّر له كل أسباب الاستدامة مهما كانت ألوان أحزاب الأغلبية الحاكمة، وذلك حتى يعلم المعوزون الحقيقيون من أفراد الشعب أنهم على باب الله، لكن في وجود سند عمومي يضمن لهم حداً أدنى من مقومات الحياة، ويعفيهم من استجداء المحسنين، ويحفظ لهم ماء الوجه.

لكن، ما هو السبيل الأمثل لتحقيق مقاصد هذا المشروع النبيل؟ هل كل المغاربة مؤهلون لفهم المقصود بعبارة “تراجع عدد المستفيدين” الواردة في التصريح الأول؟ وهل الرصيد المعرفي واللغوي والثقافي للأسر المعنية يتيح لأفرادها استيعاب المقصود بفكرة “المساهمة الفعلية في خلق القيمة” الواردة في التصريح الثاني؟ وهل للمستهدفين المحتملين كامل الاستعداد للانخراط فيه بكل مسؤولية ودون وجود أدنى رغبة في الإضرار به، وبالتالي إفراغه من محتواه؟ هل من المعقول أن يواكب صرف الدعم ارتفاع ملحوظ في عدد المتسولين؟ هل من الأخلاق في شيء أن تضع يدك على مال عمومي بطرق مشبوهة أو بوثائق مزورة؟ هذه فقط أسئلة ضمن أخرى أصبحت تفرض نفسها في سياق تفعيل هذا الورش الإنساني المبتكر.

إن استيعاب كُنْه المشروع وإطاره العام أمر ضروري حتى تسير جهود الدولة في الاتجاه الصحيح، وحتى يكون للاستفادة ما يبررها. فالهدف من وجود الدعم ليس هو الاستجابة لحاجيات العمر كله (إلا في حالات محدودة)، بل الغاية هي الإسعاف في ظروف معينة وفي وقت معين (صعوبات اقتصادية استثنائية، أو ظرفية دولية خاصة، أو كوارث طبيعية أتت على الأخضر واليابس، أو عطالة قسرية).

للأسف الشديد، الحياة علمتنا أن من يمسك بـ”بزولة” مدَّخَرة ومضمونة ودائمة، من المستحيل تخليه عنها. حتى أعلى الدول وعياً، وأقواها تعليماً، وأشدها انضباطاً، تعاني فيها برامج المساعدة الاجتماعية الأمرَّين بسبب الانحرافات المسجلة، وغياب الحس المدني والوازع الأخلاقي عند الكثيرين، وارتفاع نسبة التجاوزات، وصعوبة إثبات الأهلية من عدمها. وعليه، فإن “الإدماج المستدام للأسر المستفيدة في الدورة الاقتصادية” سيظل مجرد حلم من أحلام اليقظة، و”التراجع” المنتظر لن يحدث أبداً داخل حدودنا ما دام أنه لم يحدث حتى في السويد وكندا. بهذه الطريقة، ستظل دولتنا تسكب الماء على الرمال، وستضيف إلى أمراضنا الاجتماعية الحالية أمراضاً مستحدثة، مع خلقها من حيث لا تدري لطبقة اجتماعية جديدة ستعيش على فتات، ضرره النفسي والمعنوي أكبر بكثير من نفعه الاقتصادي. الدعم فيه خدش لصورة الآباء والأسر، ويُولِّد حتماً الإحساس بالدونية، بما أن التعويل عليه هو ضرب من ضروب التسول المقنع. لهذا السبب بالذات، لا يجاهر الكثيرون بانخراطهم في برنامجه. ولهذا السبب أيضاً ـ علاوة على قيمة الدعم الهزيلة ـ من المضحك حقاً أن تعتبر الحكومة الحالية هذا الإنجاز بمثابة ثورة اجتماعية تستحق التطبيل.

هذا ليس تعبيراً عن تشاؤم دفين ومزمن، بل هو قراءة متأنية لواقع الحال، خاصة عندما نعلم أن شريحة جد واسعة من المستفيدين لا يكتفون بأموال الدعم ـ وهي على أية حال أموال زهيدة تعادل قيمتها بالكاد ثلث الحد الأدنى للأجور في أحسن الحالات ـ بل يواصلون الاجتهاد بشكل ملتوٍ وسريٍّ لغاية تحسين مداخيلهم بطريقة أو بأخرى… وعصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة.

هذه هي العقلية السائدة التي لا تعير أي اهتمام لا لتصريح هشام صابري الذي اعتبر فيه تراجع عدد المستفيدين شرطاً من شروط نجاح التجربة، ولا لمضمون رد فوزي لقجع على سؤال الفريق الحركي، الذي ركز فيه على ضرورة الانتقال من منطق المساعدة الاجتماعية إلى منطق التمكين الاقتصادي.

إن إطلاق الوعود بإرساء برنامج الدعم المباشر للأسر أو تطويره سلاح انتخابوي رهيب، من الطبيعي أن يضمن به مستعملوه من الهيئات السياسية استمالة ملايين الناخبين. لكن من ينظر إلى المسألة من زاوية أخلاقية، لا يمكن له إلا أن يصاب بالصدمة أمام هول هكذا وعود في بلد ينخره الفقر والجهل والفساد والهشاشة. العمل هو حجة وجودنا في هذه الحياة، وهذه حقيقة يقر بها حتى المعتوهون. الصين واليابان وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول العظيمة حققت نهضتها بسواعد أبنائها، وليس بطوابير متسوليها الإلكترونيين. ولقد صدق من قال: “إذا أردت إفساد شعب، فما عليك إلا أن تصرف له أجر عمل لم يقم به.”

نعم للدعم، للمعاقين وكبار السن والأرامل والمرضى المعوزين. أما من ما يزال يتمتع بكامل قواه الجسدية والنفسية والعقلية، فهو مطالب ببناء نفسه بنفسه، وتطوير مهاراته، والاستفادة من فرص التكوين المهني المتاحة، والجري وراء لقمة عيشه في حدود ما تسمح به الشرائع السماوية والقوانين الوضعية. والعاقل من الناس هو من يقول لك: لا تمنحني سمكة، بل علمني الصيد، أو ناولني قصبة صيد.

حبذا إذن لو استثمرت معظم أموال الدعم في تحسين الخدمات الاجتماعية، وفي تعزيز صندوق المقاصة حتى تبقى المواد الاستهلاكية الأساسية في متناول الجميع، وفي مساعدة الجمعيات العاملة في مجال التكوين والارتقاء بأوضاع الشرائح الهشة من المجتمع… وتظل “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” البرنامج الأكثر نجاعة، والأكثر واقعية، والأكثر قابلية للتطوير. القروض الصغرى لا تخلو هي الأخرى من أهمية. صحيح أنها تطوق المقترض بمسؤولية التسديد، لكنها تقوي عضده وتفيده في نهاية المطاف إن هو أحسن تدبيرها. الجماعات الترابية لها هي أيضاً القدرة على المساهمة في امتصاص الفقر، ولو فقط بتخصيص فضاء كبير ومفتوح ومنظم وآمن لـ”الفراشة” يمكنهم من ممارسة تجارتهم دون مضايقة أو خوف أو مطاردة.

مجمل القول، من الواجب ـ على غرار الكثير من الدول العصرية ـ توفُرنا نحن أيضاً على نظام للدعم الاجتماعي، شريطة ألا يخضع للتقلبات السياسية والحسابات الانتخابوية، وأن يكون بآليات مدروسة وشفافة حتى لا تسقط الدولة في فخ الإقصاء، وبشروط شبه تعجيزية حتى لا تُعطى للكسالى وعديمي الضمير فرصة التفنن في ابتكار الحيل للاستمرار في الرضاعة من ثدي الدولة، وبالتالي التلاعب بمقدرات البلاد، وحتى لا يصبح تتبع صعود المؤشر الاجتماعي ونزوله هو هم المستفيدين الأبرز… وحتى يظل العمل هو مصدر الرزق الأساسي.

كل من سولت له نفسه التلاعب بالمفاهيم الكبرى العابرة للزمن والحضارات، فإنما يسعى إلى خراب المجتمع. وعمارة الأرض لا تتحقق أبداً بالأجساد “الميتة” والأدمغة المعطلة، وبالنوايا الحسنة فقط يكون التعاضد والتعايش. لن أكون سعيداً إذا كنت أعلم بأن ما يتقاضاه جاري الغشاش من دعم عمومي ما هو في الواقع سوى جزء مما أؤديه من ضرائب.

نصيحة لوجه الله موجهة لمعظم فئات الشعب: إذا كانت أفضل طريقة للتوقف عن التدخين هي الامتناع في اليوم الأول عن تجريبه، فإن أنجع وسيلة للإفلات من فخ الدعم الاجتماعي هي عدم الانخراط فيه أصلاً.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • طرزان يستفيد من الدعم .
    السبت 8 غشت 2026 - 10:31

    ولكن عندما نتراجع عن تقديم الدعم لمجرد ثبوت التسجيل في اشتراك هاتفي منخفض التكلفة، أو شراء ثلاجة أو تسجيل عداد كهربائي باسم المستفيد، فهذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو أن الدولة لا تصنف الفقير فقيرا إلا إذا كان خارج حدود العصر، بلا هاتف يتواصل به، ولا كهرباء تضيء يومه، ولا ثلاجة تحفظ ما تبقى من قوته أو جرعة ماء باردة.

  • إلى "طرزان"
    السبت 8 غشت 2026 - 12:09

    لم أكن أعلم بهذا و ما كنت لأتصور وجوده، و هذا دليل إضافي يؤكد نزوع البرنامج إلى الحط من كرامة المستفيدين. تحياتي.

  • الى ثاني تعليق
    السبت 8 غشت 2026 - 21:02

    مع الأسف هذا هو واقع الحال هناك من استفاد ولمجرد أنه سجل عداد الكهرباء باسمه تم اقصاءه من الدعم … تحياتي .

  • غريب هذا المنطق .
    السبت 8 غشت 2026 - 23:03

    استفادت من الدعم اسر في البادية رغم أنها تتوفر على قطيع من الابقار والاغنام واراضي زواعية بينما حرم منه شاب من سكان المدينة يكتري بيتا مع الجيران لمجرد أنه منخرط في شبكة الاتصال بسومة لا تتجاوز الخمسين درهما تمنح ساعة من المكالمات وخدمة الوات ساب ويسفيد منها كل افراد العائلة بالتناوب .

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور