لا وعي بلا ثقافة ولا ثقافة بلا قراءة ...

لا وعي بلا ثقافة ولا ثقافة بلا قراءة ...
السبت 26 نونبر 2016 - 19:07

في الأيام الماضية فقدت الرغبة في الكتابة، ليس لأن الحروب والنزاعات المستمرة أصابتني بالكآبة فهي لا تنفك تقتل الشيوخ والنساء والأطفال وتدمر بيوت الأبرياء وتهجرهم من أوطانهم فيصبحوا لاجئين أذلاء بعد أن كانوا بين ذويهم أعزاء، وليس لأن شبح الإرهاب أصبح يطاردنا في جزئيات حياتنا اليومية فما بالك بالعلاقات الاجتماعية والإنسانية بين الشعوب والمجتمعات، وليس كذلك لأن الحرية والكرامة والعدالة لا زالت حبيسة في بنود الاتفاقيات وشعارات الندوات وعناوين المقالات … فقدت الرغبة في الكتابة لأن مجتمعنا فقد الرغبة في القراءة. فمَن من بين الشباب يحمل بين يديه كتاب؟ أو يقرأ في جريدة؟ أو يبحث بين الرفوف عن رواية؟ المجتمعات لا تفنى من فقر أو من مجاعة… المجتمعات تفنى حين تفقد الرغبة في القراءة أو تحسبها مجرد هواية.

فيما مضى كانت القراءة ممارسة نخبوية وظلت حكرا على علية القوم من النبلاء والعلماء. وحتى وإن وُجدت الرغبة عند فئة من العامة كانت سرعان ما تصطدم بظروف الحياة الشاقة التي اعتمدت على السواعد وليس على العقول والأدمغة، ناهيك عن صعوبة الحصول على الكتاب وعلى المعلومة. أما اليوم، فالكتاب لم يعد تلك التحفة النادرة والقطعة الثمينة، فهو يملأ الرفوف والخزانات وأوراقه، عديمة القيمة، أصبحت تلُفُّ الحاجيات. ومع ظهور الحاسوب والتقنية الرقمية صارت الأفكار تدون وتحفظ في جزء من الثانية، كما أن المعلومة أصبحت في متناول الجميع وأصبحت المعرفة ملكاً لكل البشرية.

هذا التحول الفارق في تاريخ الإنسانية من الاعتماد على القوة الجسدية إلى الاعتماد على الفكر والتكنلوجيا قد أطلقته بلا شك قوى غيبية لا ندركها، ومهدت له شخصيات عظيمة تفانت في نقل المعرفة وتطويرها من حضارة لأخرى حتى جاءت الساعة التي انفجرت فيها العلوم كبراكين ثائرة، وزلزلت الخرافات البالية والعادات القديمة، وحدثت الأرض أخبارها وكأنها قرية صغيرة. البعض منا قد أدرك عظمة اليوم الذي نعيش فيه وشرع يأخذ نصيبه في عملية البناء المتعاظمة، والبعض الآخر لا زال يتساءل عما يحدث لنا ولا يستطيع استيعاب ومجاراة الأحداث المتسارعة. لكنها مرحلة انتقالية فقط، وسيعي الجميع لا محالة ضرورة تغيير نمط الفكر وأسلوب الحياة لضمان مقومات العيش الكريم.

لقد أصبح جليا أن الشعوب التي لا زالت تفتقد إلى الوعي والمعرفة هي التي تعيش ظروفا اقتصادية واجتماعية معقدة. فالتقدم في زماننا صار يعتمد على القراءة وتحصيل العلوم والبحث الذاتي عن حقيقة الأشياء وجوهرها. ولذلك أصبح التعليم ثروة قومية تفوق قيمتها كل المعادن الثمينة. والمجتمعات التي لا تستثمر جهودها في التعليم ونشر الوعي والمعرفة بين جميع المواطنين هي مجتمعات مهددة بالزوال والاندثار ولو بعد حين.

والمقصود من النهوض بالتعليم هو جعله وسيلة لبناء المقدرة والتشبع بالقيم الإنسانية حتى نتمكن من إطلاق القوى الكامنة في الأجيال الصاعدة ومحو التعصبات المتأصلة بكل أشكالها والسعي نحو الامتياز وتحقيق الرقي والازدهار لمجتمعنا وللإنسانية جمعاء. وليس المقصود منه توجيه الأجيال وبرمجتها على نوع محدد من المعرفة يزيد من حدة التعصبات ويؤجج الصراعات القائمة بين الشعوب المختلفة. كما يفترض في هذه العمليات التعليمية أن تكسبنا البصيرة الروحانية اللازمة لنشر قيم التسامح والمحبة والتعاون بين جميع البشر، وتدعيم أسس السلام والوحدة واحترام الحقوق والحريات.

قد نتساءل من يتحمل هذه المسؤولية؟ بالطبع نتحملها جميعا، أفرادا ومجتمعات ومؤسسات. فالآباء يتحملون مسؤولية تعليم أبنائهم وزرع بذور الوعي والمعرفة ورعاية ملكة البحث والقراءة بكل عناية وإفساح المجال لحرية الاختيار واتخاذ القرار، وعلى المجتمع ومؤسساته توفير الموارد والكفاءات وتطوير المناهج ومراجعتها باستمرار لكي تحقق أهدافها المنشودة. ويبقى الفرد مطالبا ببذل الجهد والمثابرة على اكتساب المعرفة وتحصيل العلوم المختلفة، ليس فقط لتحسين مستواه المادي والاجتماعي ولكن بالأحرى للسمو بكيانه الروحاني والتفكر في ماهيته وكل الأمور الوجودية التي تسمو بالروح وتذكرنا بالهدف من وجودنا في هذه الحياة الدنيا.

لقد كانت هذه الفترة مفيدة جداً للتأمل والتفكير، وكانت أحداثها ومجرياتها مصدرا للتعلم ومراجعة الأهداف والمواقف. وقد أصبحنا متيقنين أكثر من ذي قبل أن التغيير الحقيقي لا يتأتى إلا من خلال ازدياد الوعي وتطور الثقافة، فغياب الوعي يؤثر سلبا في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكل هذا يعتمد على سلامة العملية التعليمية واهتمامها بكل الفئات العمرية، كما يعتمد على انخراط المجتمع بكل فئاته في نشر الوعي وتطوير الفكر وترسيخ القيم … ولنتذكر دوما بأنه لا وعي بلا ثقافة ولا ثقافة بلا قراءة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • إبراهيم بومسهولي
    السبت 26 نونبر 2016 - 21:45

    أغلب الكوارث البشرية كانت القرائة والكتابة سببا مباشرا فيها إلى درجة أن أفلاطون ادان اختراع الحرف واعتبره مصيبة كبرى في كتابه فيدرا وتمنى روسو لو أن البشرية لم تعرف اصلا سبيلا للقراءة وقال إن الإنسان المثالي هو البدائي الطيب الذي لم يتلوث عقله بالخرافات الكتابية وكتب فلوبير رواية مدام بوفاري لكي يبين الأثر المدمر لفعل القراءة على الفتاة المسكينة التي صدقت وجود الحب العذري نتيجة قراءات الروايات الرومانسية وكانت النتيجة انتحار ها وقبله أظهر سرفانتس أن سبب جنون دون كيشوط هو قراءة روايات الفروسية وتسببت رواية كوخ العم طوم في اندلاع الحرب الاهلية في امريكا وهناك عشرات البحوث الفلسفية التي تبرهن على أن اختراع الأبجدية والقراءة والكتابة آفة أكثر منها نعمة، ولا حاجة للبرهنة اصلا على أن حالة الدم التي نعيش وظهور القتلة وداعش سببها أطنان الكاغيط التي يقبل على قراءتها الملايين ويكفي تأمل حالة الفلاح الأمي في طبيوبته وحالة من قرأ وشحن ضد الآخر وضد الحياة .من الأفضل للإنسان أن يستمتع بالنوم على أن يقرأ الاف الصفحات التي تتلاعب بدماغه. قراءة أقل يعني دما أقل.

  • كاره الضلام
    الأحد 27 نونبر 2016 - 00:20

    هدا الكلام قيل و اعيد و تم اجتراره اكثر من اللازم،نحن لا نقرا و يجب ان نقرا و لا تقدم دون قراءة الخ الخ، الكل يعيد هده اللازمة دون ان يتقدم الى الامام، و كانكم تقولون لمراهق اكتف للتو نشوة التدخين ان السيجارة مضرة و يجب التخلي عنها، ما ينبغي عليكم قوله للناس هو كيف يحبون القراءة و ما هي الوسيلة السيكولوجية التي تحبب الفرد في القراءة و تجعله يشعر انها في مصلحته و تخدمه،كيف نجعل الامي يشعر بالخجل و يكون نشازا و نجعل من القراءة و التعلم مبعث فخر،هده هي الامر\التي تتطلب اجوبة عليها و ليس اعادة توصيف المشكل الى ما لا نهاية، الان في بلدنا اصبح الجاهل الامي النزق الاجوف هو النمودج و من يمسك كتباب يصبح موضوع سخرية، و السؤال هو كيف نقلب الموازين و نجعل من المثقف هو النمودج المندمج و يكون الامي الجاهل هو النشاز،القراءة في الكتب الورقية مثلا لا يمكن ان تشجع اجيال اليوم على القراءة و هم تعودوا على الحواسيب و الهواتف الدكية،يجب ان نترك الحديث عن ضعف القراءة و ننكب على الاجابة على السؤال كيف نقويها و نحبب الشباب عليها؟هدا هو البحث و الابداع الحقيقيان

  • كاره الضلام
    الأحد 27 نونبر 2016 - 00:42

    كيف نجعل الراسمال الرمزي المعنوي لدى الفرد اهم من المكسب المادي، الآن لا يمكن لمن يملك اليسر المادي ان يشعر بالخجل امام متعلم فقير،و لكن المتعلم الفقير يشعر بالخجل امام الجاهل الميسور،المقياس لم يعد هو التعلم و انما المظهر المادي.
    هناك تلاث انماط من الامية:امية المدرسة و هي الجهل بالقراءة و الكتابة و امية المجتمع و هي الجهل بطبيعة الانماط المعيشية من سياسة و اقتصاد الخ ثم الامية الحضارية و هي الجهل بتطور التكنولوجيا و العلون و الموضة و مظاهر المدنية ، و اجيال اليوم تميل الى الوعي الحضاري دون بقية ميادين العلم،فيكفي الفرد ان يكون متابعا لتطور التكنولوجيا و الموضة في الملابس و السيارات و حتى بعض المجالات الثقافية كالموسيقى و السينما ليشعر بانه مندمج و دو معارف،حتى و هو دو امية تعليمية اي انه لا يقرا و لم يمسك كتابا في حياته و حتى و هو امي مجتمعيا اي لا يعرف طبيعة النظام السياسي و لا كيف تسير المؤسسات الخ الخ،فادن المسالة هي اولا كيف نعيد الامتياز لما هو معنوي على حساب ما هو مادي ثم تانيا كيف نعيد الاهتملم بالمعرفة الفكرية العميقة على المعارف الحضارية السطحية

  • كاره الضلام
    الأحد 27 نونبر 2016 - 00:56

    لجدب الناس للقراءة ينبغي الابتعاد عن خطاب القيم و مفردات الوعي و مخاطبة غريزة الانانية لدى الفرد و تصوير القراءة كمكسب قوي له طويل المدى،اكبر من المكسب المادي نفسه لان حتى ربط التعليم بالوظيفة مثلا لم يحبب الناس في القراءة و كان الفرد يقرا من اجل الامتحان و بمجرد ما ينال الوظيفة ينسى القراءة الى الابد، يجب ان نصور له القراءة مثلا كطريق للسعادة تعينه على حل مشاكله و الشعور بالهدوء في وقت الصعاب،هده هي طريقة الدين في جدب الناس،و هي طريقة الرياضة التي يتعاطاها الناس يهاجس اناني و هو تقوية الجسد و اتقاء الامراض،يجب ان تصبح القراءة لديه حصنا يعصمه من شيئ يرهبه، فان يقال للمرء مثلا ان القراءة تقوي الدكاء افضل من ان يقال له ان القراءة تقوي الوعي لان الدكاء مكسب فردي اناني يخصه اما الوعي فينعكس على محيطه اكثر مما ينعكس عليه كشخص، ان تقول للناس ان القراءة تجعلهم يربون اطفالهم احسن او ان الجهل يجعل الاب متجاوزا من طرف ابنه في المستقبل هي الطرق التي تحفز الناس على القراءة،و كما كان المعلم يحبب الطفل في القراءة عبر الرسوم يجب تحبيب الناس في القراءة عبر وسائل الاتصال التي عليها يدمنون

  • Salah
    الأحد 27 نونبر 2016 - 09:24

    القراءة تجعل الإنسان سعيدا يقطف من حدائق العالم ، ويطوف على عجائب الدنيا، ويطوي الزمان والمكان ، وتتجلى أمام عينيه أحوال الأمم الغابرة ، ويكون كمن عاش في عصرهم وقابل أفضل الأفراد والعباقرة والأتقياء ، وكأنما خلقت الدنيا له ومن أجله .

  • الأشعري
    الأحد 27 نونبر 2016 - 11:21

    مقال جميل

    الجواب عن سؤالك يوجد في ما كتب في علم النفس الثقافي منذ الستينيات من القرن المنصرم .
    ترجع أصول علم النفس إلى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، لكنها أصبحت أكثر شهرة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. ومن بين بعض النصوص الكلاسيكية التي تعزز علم النفس الثقافي تلك الخاصة بكل من شويدر وليفين (1984) وتريانديس (1989) وبرونر (1990) وشويدر (1991) وماركوس وكيتاياما (1991) وكول (1996) و غيرهم

    اليابانيون فهموا المسألة مبكرا
    ليس لأن الأفراد لا يرغبون في القراءة

    راجع مثلا ما كتبه العالم العلامة Shinobu Kitayama
    و العلامة David Matsumoto

  • adil
    الأحد 27 نونبر 2016 - 14:57

    Merci beaucoup pour l'artcle Merci beaucoup pour l'artcle Merci beaucoup pour l'artcle

  • المهدي
    الأحد 27 نونبر 2016 - 15:08

    في مقال رائع للدكتور فهمي هويدى بعنوان " دكتوراه للبيع " متوفر على محرك غوغل يرصد الكاتب نماذج لمثقفين مصريين فقراء يمتهنون حرفا تتراوح بين حارس ونادل وخلاف ذلك ، بشكل مواز يمارسون مهنا اخرى ترفع من شأن الميسورين الأميين بالقدر نفسه الذي تعمق جراح المثقفين الفقراء ، حالات عددها الكاتب لإنجاز اطروحات دكتوراه للأعيان الأميين ضمنهم وكيل وزارة بإحدى دول الخليج ، اثناء مناقشة الاطروحة كان معدها الحقيقي يتفق مع المزيف على طرق وحيل لانتشاله من ورطته ، هذه نماذج حية لتقاطع ثقافة الفقير مع أمية الغني وجشع هذا الاخير اللامحدود الذي يسترخص حتى الأذمغة ما دام المال هو مقياس الوجاهة والحضور الاجتماعيين .

  • كاره الضلام
    الأحد 27 نونبر 2016 - 17:15

    تحول المظهر المادي الى معيار وصل الى حد ان المجرمين يتباهون بما سرقوه على الانترنيت، يعرضون عل الانترنيت صور مسروقاتهم بزهو و اصبحت ساعة يدوية و هاتف و بضع اوراق نقدية كافية لتجعل احدهم يحس بوجوده و يفرض داته في المجتمع
    الانتماء لعصابة او احدى فصائل الالتراس يجعل المراهق مندمجا يفرض داته و لو ان احدا اتى بحديث ينم عن وعي و ثقافة داخل هده التجمعات لوجدوه غريبا نشازا بينهم
    القراءة اصبحت غريبة لدى المتعلمين فحتى بين رجال التعليم فان المثقف استثناء و بين الفنانين ايضا،و اما الصحفاة فقد اصبحنا نشعر بالرعب من الجهل المستشري فيها، فحينما تستهل الكتابة فسلام على الاقراءة، ادا اصبح الكتبة يكتبون دون ان يقرؤوا فكيف يقرا الدين لا يشتغلون بالكتابة؟الانترنيت انتج ظاهرة الفلاسفة الشعبيين او الشعبويين الدين يقومون بتقريب الامية و الجهل من الناس(مول التقشيرة و مول الصباط الخ) ممن يقدمون للقطيع منتوجا يساير مداركه المتخلفة، فعلى الغيورين على الثقافة و التعليم في بلدنا البحث عن كيفية لقلب الموازين و تحويل المعيار من مادي سطحي الى ثقافي

  • مواطن؟
    الأحد 27 نونبر 2016 - 21:11

    المسؤول عن تحبيب القراءة للعموم هي أجهزة الدولة بإمكانياتها و بخبرائها فهناك وزارات التعليم و الشباب و الثقافة ،لكن المتحكمين يخافون من إنبثاق مجتمع متنور حفاظا على مصالحهم ،و يرجعون سبب العزوف عن القراءة للمواطنين أنفسهم.يتصرفون كالنعامة و هو تصرف نافع في عدة مجالات أخرى.

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا