لست حيوانا سياسيا

لست حيوانا سياسيا
الأحد 8 يوليوز 2018 - 16:01

منذ عقود من الزمن، ونحن نتابع ما يدور من نقاشات حول المصطلح الشهير لأشهر الفلاسفة الإغريق أرسطو: “الإنسان حيوان سياسي (Zoonpolitikon)”، المنشور في كتاب “السياسة”، باعتباره/الإنسان، لا يتقدم ولا تتاح أمامه فرصة الازدهار والرقي إلا في مجتمع سياسي.

ورغم عمق التفكير الفلسفي الذي خرج من رحمه هذا المصطلح، عاكس الفيلسوف الإنكليزي هوبز الفيلسوف الإغريقي أرسطو، معتبرا أن الإنسان لا يمكن أن يكون سياسيا بطبعه، لأن السياسة بالنسبة إليه تأتي في مرحلة ثانية، أي تأتي بعد القرار الذي يتخذه الإنسان بشأن الوضع القائم في حالة الطبيعة.

لكن، للأسف، عند معاينة أحوال “الإنسان السياسي” و”السياسة” ببلادنا، وأمام ما نتابعه ونسمعه من تصريحات وردود أفعال القادة السياسيين والمهتمين بالشأن السياسي، والمدافعين عن حقوق الإنسان، بل “حقوق الجماعات”، والناشطات والناشطين في حقول اجتماعية مختلفة، نستحضر تراث أرسطو، لنقول إن ما حصل ويحصل عندنا لا تنطبق عليه نظريات العلوم السياسية وعلوم الدولة، ولا تنطبق عليه مقولة “الإنسان حيوان سياسي”. وربما وصلنا الآن، على ما أعتقد، إلى ضرورة تحديد الملامح العامة للفعل السياسي في حركة التحرير الاجتماعي ببلادنا.

فبعد هذه التجربة القصيرة من وجودنا في الفضاء العمومي، يبدو أن المنطق الموضوعي لحركتنا “قادمون وقادرون-مغرب المستقبل”، يقضي بضرورة وضعها في خط الثورة الهادئة إلى جانب الحركات الاجتماعية التواقة إلى ترسيخ الثوابت الوطنية بمضمون ديمقراطي، وتثبيت السلم العام بمضمون اجتماعي، وإرساء دولة الحق والقانون بمضمون سياسي توافقي وتعاقدي، واستحضار دستور 2011 في إطاره التاريخي.

ولكن كلما فحصنا الواقع التجريبي في بلادنا، وجدنا:

– أن القوى التي احتلت، وتحتل، موقع الأغلبية أو المعارضة، هي قوى تحتاج إلى التفكيك، وإلى بحث ميداني عميق لمعرفة ماهية وجودها، وعناصر مقوماتها، وأفق استمراريتها.

– أن الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات المركزية عجزت، ولا تزال، عن تسلم موقع القيادة وتمثيلية الشعب.

– أن البورجوازية اللقيطة تحولت إلى “حيوان سياسي مفترس”، وهي اليوم في موقع ليس هو موقعها المنطقي في سياق النظريات العلمية.

– أن تحول البورجوازية اللقيطة إلى “حيوان سياسي مفترس”، وإلى موقع القيادة السياسية ببلادنا، هو تحول لا منطقي، وخارج التاريخ.

– أن البورجوازية النيو- كولونيالية، والطبقة المتوسطة، والبورجوازية الصغيرة، فشلت في الوصول إلى أهدافها، ولم يعد فشلها عارضا، بل أصبح بنيويا، كما لم تعد لها علاقة بمنطق التحرر الوطني.

وبناء عليه، كنا نود أن نرى الفعل السياسي الوطني “التقليدي منه والحداثي” في علاقة مفصلية بالتحرر الوطني، يشق طريقه نحو الانتقال ببلدنا إلى نظام شعبي وديمقراطي، وإلى فعل سياسي حقيقي متعلق بالدور التاريخي للمثقفين الأحرار، وبالطاقات والكفاءات الوطنية، وانتهاج خط سياسي مستقل في قراراته، ومنفصل عن الحيوانات السياسية المفترسة والمتوحشة، إلا أن “التكوين الطبقي” والسياسي المتناقض لبنياتها يبدو أنه نجح في الاستيلاء على الفضاء العام، إعلاميا واقتصاديا وثقافيا، واستطاع ولوج السلطة السياسية، وخلق الوجود الأساسي والموضوعي لعرقلة ثورة الإصلاح والإنصاف والمصالحة والتنمية البشرية والحقوق اللغوية والعدالة المجالية..

فرغم تجربتنا القصيرة والمتواضعة في حركة “قادمون وقادرون- مغرب المستقبل”، نستخلص من التجارب والعبر أنه بعد مرحلة النضال من أجل التحرر من النير الاستعماري المباشر، ومن أجل التحرر من التبعية الإمبريالية ونظامها العالمي، وبعد مرحلة النضال الديمقراطي من أجل تثبيت دول المؤسسات والحق والقانون من أجل التحرر الوطني والاجتماعي، أي من أجل التغيير الديمقراطي، آن الأوان لإعلان اقتناعنا بالحوار والدعوة إليه حول موضوع “الأزمة” في حركة التحرر الوطني المغربية. فقد كنا، وما زلنا، منذ مطلع السبعينيات، نؤمن بقضايا التحرر الوطني ومعضلات تطورها، وما زلنا نعترف بالدور الرائد، الذي لعبه شرفاء الوطن في هذا الموضوع ضمن إشكاليات جديدة لواقعنا.

إن تحصين مجتمعنا من الحيوانات السياسية المفترسة يمر بالضرورة، في اعتقادنا، عبر الدفاع عن “بورجوازية وطنية ديمقراطية” بتياراتها التحررية المتنورة، وكل مكونات الحركة التقدمية المتأخرة، وإدراك واجبات النضال ضد كل أشكال النكوصية والتبعية المخزنية التقليدية، وضد أي مساس بالتراكمات في الوحدة الوطنية، وفي مجال حقوق الإنسان والرأي والتعبير.

وأخيرا، وبعيدا عن أي تحديد إيديولوجي أو سياسي صرف، نحن مؤمنون بأن وجودنا في الحقل العام لا يحكمه العداء لأي كان، وما نطمح إليه هو أن يفتح لنا التاريخ، بفضل مجهودات وتضحيات الجميع، أفق التغيير الديمقراطي الوطني السلمي، وإسقاط هيمنة الحيوانات السياسية المتوحشة على المشاريع الكبرى للبلاد، وإسقاط هيمنة الريع على الاقتصاد الوطني، وتحرير المغاربة من الخنوع والخوف، وتحرير طاقات الشباب، وتكوينه تكوينا صلبا يؤهله للشغل وتحمل المسؤولية في بناء مغرب المستقبل، ونصرة المرأة المغربية، وتحريرها من القيود التقليدية، وتمتيعها بالحق في المساواة، وفي الاستقلالية الاجتماعية، ومناهضة الكراهية والعنف والإرهاب المادي والفكري، وتعميم التربية الإجبارية على المواطنة، وتمتيع كل المغاربة بحقهم في الثروة الوطنية، والعدالة المجالية، والبنيات الأساسية (التعليم، الصحة، الشغل والسكن). ولهذا أعلن أني لست حيوانا سياسيا..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • موحند
    الأحد 8 يوليوز 2018 - 19:21

    "قادمون وقادرون-مغرب المستقبل".
    من اين انتم قادمون?
    وهل انتم قادرون فعلا?
    وماذا انتم فاعلون في الحاضر لاجل المستقبل?
    انتم في حزب البام حزب علي الهمة. حزب المخزن بامتياز. وكما تعلمون بان المخزن يتبنى العبودية والاستبداد والفساد ومختلف اشكال الريع والنهب والافتراس كزكاءز للتحكم والتسييروالحكم وهو يملك السلطة والمال والنفوذ والاعلام والعسكر والقضاء والعبيد . لهذا فالمخزن يسخر احزابه المخزنية الادارية لاجل التصدي لكل القوى التحررية التي تطالب بالحرية والكرامة والعدالة ودولة الحق والقانون. وعلى اساس هذا بانكم متناقضون مع انفسكم لانكم تشاركون في منظومة المخزن التي هي في الجوهر ضد قوى التحرر. اضافة الى هذا فانتم في حزب البام تسيرون اغلب البلديات في الريف وانتم في المعارضة وولد الريف بن شماش رءيس مجلس المستشارين ورءيس حزب البام ومع كل هذه الوظاءق لم تقدموا شيءا جميلا يعيد بالنفع على ساكنة الريف ولكن بالعكس انتم السبب المباشر لتعقيد الامور في الريف الذي ادى الى سجن نشطاء حراك الريف والحقوقييون والصحفيون والمحامنون. وهل انتم قادرون فعلا لاطلاق سراحهم لتخخففوا معانات عاءلاتهم الصغيرة والكبيرة?

  • احمد
    الإثنين 9 يوليوز 2018 - 00:30

    هم قادمون من الجامعات التي دمروها و خربوها
    وقادرون على تدمير البلاد وتخريبها

  • زينون الرواقي
    الإثنين 9 يوليوز 2018 - 11:48

    لا يوجد في المغرب حيوان سياسي بل سياسي حيوان وهذا السياسي الحيوان أصناف يلزمها ابن المقفع لإعادة ترتيبها كل في الخانة التي تليق به .. لدينا الأليف الوديع الذي استأنس جنبات دار المخزن يأكل وينام ويحرك ذيله فرحا متى ربَّت صاحب الدار على فروته .. ولدينا الثعلب الماكر الذي يتربص بدجاج الأخرين ويتسلق في مكر الى ان يفرّ بطريدته ولدينا الحيّة الرقطاء التي تغير جلدها كل موسم فتنتقل من هذا الحزب الى ذاك حسب مائدة كل حزب ولدينا ايضا الضبع السياسي الذي يتربص من بعيد قبل ان يقرر متى سنحت الفرصة ركوب موجة الأحداث ليقتات من جثت من سقطوا في الساحة فيصبح تارة من أهل الحسيمة وأخرى مع جرادة ومع المقاطعة وعاملات الفراولة إلخ .. أعيد : يلزمنا انبعاث ابن المقفع لإتمام كليلة ودمنة ..

  • يا صاح...
    الإثنين 9 يوليوز 2018 - 18:07

    …لستم ضد احد ….ولكنكم تسعون لسحق الحيوانات السياسية…..) تعارض او تناقض واضح رغم قصر (المقال). القطار غير اتجاهه وصدم (الوصوليين في طور التدريب).قادمون …(ظ؟) …من اين والى اين…(؟). وتعلنون عن ذلك لمن ..؟…الزروالية بعيدة عن الانتهازية.

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 2

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور

صوت وصورة
لقاء خاص | هشام رحيل
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 19:30 3

لقاء خاص | هشام رحيل

صوت وصورة
الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:51 1

الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني

صوت وصورة
الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 14:45 4

الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 4

ذكرى رحيل الحسن الثاني