لماذا يزعجهم فوز المغرب؟

لماذا يزعجهم فوز المغرب؟
الأحد 21 يونيو 2026 - 10:45

منذ سنوات وأنا أتابع هذه الظاهرة بشيء من الدهشة والحيرة معاً. ففي بعض المنابر الإعلامية الجزائرية، لم يعد الأمر يتعلق بالسياسة وحدها، ولا بالملفات الدبلوماسية العالقة بين البلدين، بل امتد العداء ليطال فضاءً كان يُفترض فيه أن يكون أكثر نقاءً وبراءةً من كل هذا: فضاء كرة القدم. تلك اللعبة الجميلة التي أُبدعت في الأصل لتجمع الشعوب وتُقرّب بين القلوب، باتت في بعض الخطابات الإعلامية مناسبةً دورية لإعادة إنتاج الخصومة من جديد، وتغذيتها بكل ما يجعلها تحيا وتتجدد، وتحويلها في نهاية المطاف إلى مادة يومية جاهزة للاستهلاك الجماهيري. وما يزيد الأمر غرابةً على غرابة أن هذا لا يحدث فقط حين يواجه المنتخبان المغربي والجزائري بعضهما، بل يحدث أيضاً حين يلعب المغرب أمام منتخبات لا ناقة لها ولا جمل في الخصومة السياسية القائمة بين الجارتين.

في كأس العالم الجارية، تجلّى هذا المشهد بصورة لافتة لا يمكن لمن يتابع أن يتجاهلها. فحين قدّم المنتخب المغربي أداءً متميزاً أمام البرازيل، وأمطرته وسائل الإعلام العالمية بالإشادة والتقدير، وجدتَ جزءاً لا يُستهان به من الخطاب الإعلامي والافتراضي الجزائري يتعامل مع الحدث لا باعتباره إنجازاً عربياً ومغاربياً يستحق الاحتفاء والفخر، بل باعتباره مصدراً للانزعاج، مصدراً يستوجب البحث المحموم عن أي تعثر مغربي آتٍ لا محالة. وفجأة، دون سابق إنذار، تحولت اسكتلندا في نظر بعض الأصوات إلى “أشقاء” مؤقتين، ثم صارت البرازيل حليفاً ظرفياً، ثم هايتي بعد ذلك، لا لشيء ولا لسبب سوى أن هؤلاء جميعاً يواجهون المغرب. التشجيع هنا ليس نابعاً من محبة هذه المنتخبات ولا من إعجاب بأدائها، بل هو مجرد تشجيع بالوكالة، تشجيع لكل من يقف في وجه الأسود.

وأنا أتأمل هذا السلوك، أجد أنه لا يمكن تفسيره من بوابة كرة القدم وحدها. المباريات هنا لم تعد مجرد مباريات، بل تحولت إلى رموز سياسية ونفسية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر بكثير. الفوز المغربي لم يعد مجرد ثلاث نقاط تُضاف إلى رصيد الفريق، والخسارة المغربية لم تعد مجرد نتيجة رياضية تُقرأ في الجرائد وتُنسى. ولهذا بالذات نجد بعض المنابر تتعامل مع المنتخب المغربي وكأنه جيش دولة منافسة في حرب مفتوحة، لا كأنه فريق كرة قدم جاء ليتنافس في بطولة رياضية عالمية.

واللافت حقاً في هذا كله أن هذا العداء الكروي لا يمتد ليطال منتخبات أخرى حققت نجاحات تفوق نجاحات المغرب بمراحل، أو تمتلك من الألقاب والتاريخ ما لا يُقارن. التركيز يكاد يكون حصرياً على المغرب، وكأن المعضلة ليست في كرة القدم كرياضة، بل في تلك الرمزية الخاصة التي اكتسبها المنتخب المغربي في السنوات الأخيرة. منذ أن كتب المغاربة أروع صفحات التاريخ في مونديال قطر، لم يعد المنتخب مجرد فريق وطني يخوض تصفيات ومباريات، بل غدا قصة نجاح حقيقية تستقطب الاهتمام العالمي وتُعيد رسم الخريطة الكروية الأفريقية والعربية. وعند هذه النقطة بالذات يبدأ شعور المقارنة في الزحف، وتبدأ معه حساسية الإنجازات المتبادلة في الظهور.

لكن الأشد خطورةً من كل ما سبق ليس مجرد تشجيع منافسي المغرب، فذاك حق طبيعي ومشروع لأي متابع كروي، بل الخطورة في أن بعض هذا الخطاب يتجاوز حدود التنافس الرياضي المشروع ليصل إلى ما هو أبشع: التمني العلني للفشل، والاحتفاء المسبق بالهزيمة قبل أن تقع، والتربص الدائم بأي فرصة تُمكّن من التقليل من الإنجازات أو التشكيك في قيمتها. وحين تصبح الهزيمة المنتظرة أهم في ذهن البعض من المباراة ذاتها، فنحن بلا شك قد غادرنا عالم الرياضة بكل ما فيه من متعة ونبل، ودخلنا عالماً آخر اسمه العداء الرمزي، وهو عالم لا يصنع فيه أحد أي شيء جميل.

والمفارقة المضحكة المبكية في كل هذا أن كرة القدم نفسها تقدم لنا درساً مختلفاً تماماً. اسكتلندا دخلت مواجهتها أمام المغرب وهي تعلم علم اليقين أنها تواجه منتخباً متوهجاً عاد للتو من معركة البرازيل بوجهه مرفوعاً، فقدمت مباراة محترمة ومنضبطة في مستواها، لكنها خسرت في نهاية المطاف كما تخسر الفرق التي تواجه من هو أفضل منها. في الرياضة الحقيقية، قوة الخصم تدفعك إلى استنهاض أقصى ما تملك من طاقة وإمكانيات. أما في بعض الخطابات الإعلامية التي نتحدث عنها، فإن قوة الخصم لا تدفع إلى شيء سوى الانشغال المرضي به، والتربص به صباح مساء. والفارق بين الموقفين هائل: أن تنافس خصمك فتستحث نفسك لتكون أفضل منه، أو أن تعيش حياتك في انتظار أن يسقط.

وأعتقد أن هذا تحديداً هو السر في الحضور الطاغي للمنتخب المغربي في جزء من المشهد الإعلامي الجزائري. المنتخب لم يهاجم أحداً، ولم يستفز أحداً، ولم يفعل شيئاً سوى أنه نجح وفرض نفسه بقوة على خريطة كرة القدم العالمية. والنجاح بطبيعته جاذب للأنظار، لكنه أحياناً وللأسف يستجلب أيضاً مشاعر أقل نبلاً من الإعجاب والتقدير. وحين يتحول إنجاز الآخر من دافع للمنافسة والتطوير إلى مصدر للضيق والاكتئاب، فالمشكلة عندئذٍ لم تعد في الملعب ولا في حسابات الفريق، بل في الطريقة التي ينظر بها البعض إلى الملعب وإلى ما يجري فيه.

في الختام، ستنقضي البطولة وتُطوى صفحاتها، وستختفي من الذاكرة أسماء المنتخبات التي نالت تشجيعاً مؤقتاً وظرفياً لمجرد أنها كانت تواجه المغرب. لكن السؤال الجوهري الذي سيبقى معلقاً في الهواء هو: هل يمكن لكرة القدم في المنطقة المغاربية أن تسترجع معناها الأصيل وتعود إلى ما أُنشئت من أجله؟ أن تكون مساحة للتنافس الرياضي الصحي والمثمر، لا ساحةً لتصفية الحسابات الرمزية وإطالة عمر الضغائن؟ لأن الأمم التي تستحق هذا الاسم تُعرف بقدرتها على الاحتفاء بإنجازاتها الحقيقية، وببنائها على ما أنتجته من نجاحات، لا بمدى انشغالها وانهماكها في انتظار تعثر الآخرين وانتظار سقوطهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 2

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 6

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 5

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق