لماذا يستهدف "الطابور الخامس" المغرب؟

لماذا يستهدف "الطابور الخامس" المغرب؟
كاريكاتير: عماد السنوني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 17:45

تُعد المعارضة السياسية ركنا أساسيا في أي نسق ديمقراطي حديث، فهي المرآة التي تعكس مكامن الخلل، والصوت الذي يطرح البدائل تقويما لمسار الحكومات وتصحيحا لسياساتها.

غير أن ممارسة هذه المعارضة تخضع لأعراف وقواعد غير مكتوبة، وأسمى هذه القواعد أن الخلافات الداخلية، مهما بلغت حدتها، يجب أن تتلاشى بمجرد عبور الحدود الوطنية، فالأوطان تُبنى بالانتقاد الداخلي البناء، لكنها تُهدم حينما يتحول هذا الانتقاد إلى معول بيد الأجنبي لابتزاز الدولة وإضعاف مواقفها الدبلوماسية.

وفي هذا السياق، تبرز مفارقة صارخة عند إجراء مقارنة بين سلوك المعارضة في الدول التي تحترم سيادتها، وبين ممارسات بعض المحسوبين على المعارضة في المغرب، الذين ارتضوا لعب دور “الطابور الخامس” عبر منابر إعلامية إسبانية وفرنسية، مستغلين الأزمات السياسية العابرة لتوجيه “طعنات غادرة” لوطنهم.

ولعل استحضار موقف زعيم المعارضة الكندية الأخير، في مقابل التصريحات المتهافتة لبعض الناشطين المغاربة في الخارج، يقدم لنا دليلا ساطعا على البون الشاسع والهوة العميقة بين معارضة تبني الأوطان، وأخرى تقتات على استهدافها.

النموذج الكندي

في شهر شتنبر الجاري، قدم زعيم المعارضة الكندية ورئيس حزب المحافظين، بيير بولييفر، درسا بليغا في الأخلاق السياسية والوطنية خلال مقابلة له في برنامج “Squawk Box” على شبكة CNBC الأمريكية.

ففي خضم خلافات تجارية حساسة مع الولايات المتحدة، حاول المذيع الأمريكي استدراج بولييفر للهجوم على رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي كان موجودا حينها خارج البلاد، وسؤاله عما إذا كان يتفاوض “بحسن نية”.

وكان بإمكان زعيم المعارضة استغلال هذه المنصة الأمريكية ذات الانتشار الواسع لتصفية حسابات سياسية داخلية وتوجيه ضربة قاضية لخصمه السياسي.

إلا أن رده جاء حاسما وصارما ليؤسس لمبدأ لا يقبل المساومة، “السيادة الوطنية أولا”، حيث صرح بولييفر بشجاعة: “مهمتي هنا هي الدفاع عن بلدي، وليس تسجيل نقاط سياسية في الداخل.. السياسة تنتهي عند الحدود”.

وهذا الموقف لا يعكس فقط نضجا سياسيا، وإنما يترجم عقيدة راسخة بأن إضعاف المفاوض في الخارج هو إضعاف للدولة بأكملها، وأن الاستقواء بالإعلام الأجنبي لضرب مؤسسات الدولة هو خيانة لثقة الناخبين وللمصالح العليا للوطن، فالمعارضة تدرك أن الساحة الحقيقية للمحاسبة هي البرلمان والصناديق، وليس استوديوهات القنوات الأجنبية.

السياق المغربي

على النقيض تماما من هذا الرقي السياسي، نجد في الحالة المغربية ظاهرة مرضية تمثلها أصوات تدعي النضال وتتخذ من قناع “المعارضة” غطاء لممارسة أدوار وظيفية تخدم أجندات خارجية، وهذا “الطابور الخامس” يختار بعناية توقيت هجماته، وعادة ما يتزامن ذلك مع فترات التوتر أو التدافع الدبلوماسي بين المغرب وبعض العواصم الأوروبية، وتحديدا في المحور الفرنسي-الإسباني.

فعوض أن يصطف هؤلاء مع مصالح بلادهم في فترات الأزمات، نجدهم يهرولون نحو المنابر الإعلامية ذات التوجهات المعادية للمغرب، ليقدموا مادة دسمة تُستغل في حملات الابتزاز الممنهج ضد الرباط، حيث إنهم لا يطرحون برامج بديلة ولا يساهمون في النقاش العمومي الداخلي.

وإنما يكتفون بتقديم صورة سوداوية ومقيتة عن بلادهم، متماهين بشكل مريب مع السرديات التي تحاول دوائر استعمارية قديمة فرضها على دولة صاعدة اختارت تنويع شراكاتها وفرض سيادتها.

نموذج صارخ لهذا الانحراف يمثله الناشط المغربي رضا بنشمسي في مقابلته مع الصحيفة الإسبانية “El Independiente”، المعروفة بعدائها العلني للمغرب ودفاعها الدائم عن أعدائه، والذي لم يتوان عن تلطيخ صورة بلاده بخطاب يعج بالمغالطات والتناقضات.

بنشمسي، الذي يعيش على أمجاد تجارب صحافية سابقة، “نيشان” و”تيل كيل”، والتي أنهى دوره فيها بسبب خياراته التحريرية وليس بقرار إداري، يحاول اليوم تصوير المغرب كـ”سجن كبير” تُقمع فيه الحريات وتغيب فيه حرية التعبير.

والأخطر في تصريحات بنشمسي ليس فقط ادعاءاته المبالغ فيها حول تراجع هوامش الحرية التي أطلقها العهد الجديد للملك محمد السادس، وإنما دعوته الصريحة والمبطنة لاستمرار “الضغط الدولي” والتدخل الأجنبي في الشأن القضائي المغربي، مستشهدا بأسماء محددة، مثل الصحافيين توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني وعمر الراضي وعلي لمرابط.

هذا الاستقواء السافر بالخارج يعتبر إهانة لسيادة القانون وللمؤسسات القضائية الوطنية، وهو تبن واضح لمنطق الوصاية الغربية، حيث لم يقف بنشمسي عند هذا الحد، وإنما حاول استغلال مآسي الشباب و”الجيل Z” لتبرير الهجرة غير النظامية نحو سبتة المحتلة، رابطا إياها زيفا بنقص الآفاق والسياسات “القمعية”.

وذهب إلى حد تبخيس الإنجازات الوطنية الكبرى، مقللا من أهمية استعدادات المغرب لاستضافة كأس العالم 2030، وواضعا البنية التحتية الرياضية في تعارض مفتعل مع قطاعات الصحة والتعليم، في محاولة يائسة لتأليب الرأي العام وتأجيج السخط الاجتماعي.

وفي السياق نفسه، يطل الصحافي عمر الراضي عبر إذاعة “Radio 5” الإسبانية في حوار مع الصحافي فرانسيسكو كاريون، المعروف بمواقفه الداعمة لأطروحات البوليساريو، ليقدم مرافعة عدائية تفتقر لأدنى شروط الموضوعية ضد مؤسسات بلاده.

ويتحدث الراضي “شلل سياسي ومؤسساتي” وحكومة تعيش في “حالة جمود”، مبخسا بذلك إرادة الملايين من المغاربة الذين شاركوا في الانتخابات، وواصفا المؤسسات الدستورية بـ”التجميلية”.

لكن السقطة الكبرى للراضي تكمن في طريقة تناوله لملف الهجرة الحساس، فبدلا من التنديد بالسياسات الأوروبية أو مقاربة الموضوع من زاوية تنموية شاملة، تبنى حرفيا سردية اليمين المتطرف الأوروبي والدوائر المعادية للمغرب، متهما الرباط بـ”الاستخدام المتعمد لموقعها الجغرافي وتدفقات المهاجرين كورقة ضغط ومساومة ضد إسبانيا وأوروبا”.

إن هذا التصريح هو بمثابة رصاصة في ظهر الدبلوماسية المغربية، وتبرئة مجانية لأوروبا من مسؤولياتها التاريخية في أزمات الجنوب.

ولم يسلم مشروع مونديال 2030 من سهام الراضي، حيث اتهم الدولة ببتنفيذ عمليات هدم واسعة لصالح ما سماه مصالح اقتصادية “شبه مافياوية”، متجاهلا التنمية الحضرية غير المسبوقة التي تشهدها المدن المغربية، ثم يختم خطابه بدعوة مفتوحة إلى “رد جماعي”، بعد أن زعم أن النظام فكك الأحزاب والنقابات وقضى على المعارضة.

التباين الأخلاقي

عند وضع الموقف الكندي في كفة، وتصريحات بنشمسي والراضي في الكفة الأخرى، تتضح بجلاء الفوارق الجوهرية بين الانتماء الوطني و”الارتزاق السياسي”.

المعارض الكندي بولييفر يرى في رئيس وزراء بلاده خصما سياسيا في الداخل، لكنه يعتبره ممثلا شرعيا للأمة ومدافعا عن مصالحها بمجرد أن يغادر الحدود للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع دولة أجنبية، حيث إنه يفهم أن إضعاف المفاوض هو إجهاض لمصالح الدولة.

أما “الطابور الخامس” في المغرب، فيرى في الأزمات الدبلوماسية فرصة سانحة للانقضاض على وطنه، فبنشمسي والراضي لا يتحدثان إلى الرأي العام المغربي بلغة العقل لاقتراح حلول، وإنما يتوجهان إلى الإسبان والفرنسيين بلغة الوشاية والتحريض.

ويقدمان الذرائع للصحافة الأجنبية لتشويه صورة المؤسسات المغربية، ويغذيان السردية التي تحاول تصوير المغرب كدولة مارقة تستخدم المهاجرين كسلاح، وتفتقر لأبسط مقومات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهذا ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما هو انحراف خطير نحو التبعية، فعندما يعلن بنشمسي أن “الضغط الدولي” هو الحل، وعندما يتبنى الراضي أطروحة الخصوم في ملف الهجرة، فهما يتنازلان طوعا عن سيادة وطنهما لصالح أجندات لا تكن أي ود للمغرب ولا تسعى إلى استقراره.

لا شك أن استهداف المغرب في مراحل حاسمة من تاريخه ليس أمرا جديدا، وتوظيف بعض الأسماء التي تطلق على نفسها لقب “مدافعين عن حقوق الإنسان” أو “صحافيين مستقلين” للعب دور “الطابور الخامس” في الصحافة الأجنبية هو تكتيك مكشوف.

أما الدرس المستخلص من الممارسة الديمقراطية العريقة، كما عبر عنها بولييفر في كندا، هو أن السياسة والخصومات الحزبية يجب أن تصمت احتراما للوطن ومصالحه الاستراتيجية أمام الأجنبي.

أما أولئك الذين يقتاتون على إهانة وطنهم في إذاعات وصحف إسبانيا وفرنسا، فإن التاريخ سيكتب أنهم اختاروا الوقوف في صف من يسعى إلى فرملة نهضة المغرب وإجهاض طموحاته.

ورغم ضجيجهم، فإن الشعب المغربي يمتلك من الوعي والذكاء ما يكفي للتمييز بوضوح بين من يرفع صوته لإصلاح بيته الداخلي، وبين من يفتح أبواب هذا البيت للغرباء والمتربصين بغية هدمه وتقويضه.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • عبد الحميد
    الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:01

    أرجو اخد بالاعتبار الناس اللدين لادخل لهم واللذين راتبهم اقل من 1000درهم علما ان هولاء كبار في السن وتوالي الأمراض. فلله الأمر من بعد ومن قبل ولا خير في أمه لا تفكر في اباءها

  • مولاي عبد الله امغار
    الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:13

    المثال الكندي رائع لكن هل فعلا نحن في المغرب لدينا حرية التعبير او ديموقراطية؟ اولا يجب تعريف الديموقراطية في المغرب ثم تعريف الحرية و اين تنتهي و اخيرا تعريف المعارضة و مايجب معارضته حتى نعتبرها معارضة ام شيء يزعزع استقرار البلاد ثم هل من يعارضون المغرب في الخارج يستطيعون المعارضة من الداخل ؟ اي هل يمكن قول ما يقولونه في الخارج هنا في الداخل ؟

  • GALA
    الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:17

    لا أدري لماذا بعض المغاربة الخونة يضعفون أمام الأجنبي وخصوصا الأوربي

  • غطي الشمس بالغربال
    الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:20

    اذا كتهمكوم الشوهة فخدمو البلاد بلا فساد، وموراها مايلقاو مايقولو، اما لي كاكذب باش يبني الحملة الانتخابية فالقضاء في الواجهة.
    تكذب وتقول البلاد زينة باس البراني يقول عليك بلاد زينة، والناس لي عايشين غيها يبقاو فالقهرة ماشي عادي الهضرة على اي دولة.

  • غطي الشمس بالغربال
    الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:31

    اضافة فقط، اما اذا كانت عبر منابر غير رسمية او منابر خارج الدولة، فهذه قد تعتبر خيانة خصوصا في توقيت الحرب أو العداء الخارجي من اي دولة.

  • jijiboum
    الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:36

    من فضل الاستقرار خارج وطنه لأنه خائن فليس له الحق أن يتلفظ باسمه لأنه لم يعد ينتمي إليه. فهو بدون هوية و لا وطن. ولا نرضى به كمواطن مغربي.

  • عابر
    الإثنين 21 شتنبر 2026 - 19:03

    يمكن المقارنة في الاخلاق السياسية للدول المتقدمة والدول المتخلفة عندما يكون هناك تعليم جيد صحة مرافق عمومية ممتازة اقتصاد قوي حرية التعبير وحرية القضاء واخفاض نسبة الفساد التي تنخر في جسد الدول المتخلفة فاهذه الدول ليست متخلفة لتخلف شعبها او مسؤوليها او عدم توفرها على الامكانات الازمة للتقدم بل لفساد نخبتها ومسييرها وعدم قيامهم بما يلزم لفائدة اوطانهم وشعبهم وذلك لنهبها والاستفادة من وضعها لهم ولمن حولهم فلا يجب المقارنة بين هذا وذاك حتى تكون النشئة واحدة والظروف واحدة ويبقى التقيم للاخلاق فلكل شخصيته وطابعه وهما اذا حدث ما قيل عنه فيمكن القول ان الشخص هو الملام وانه سيء ولا يمثل الدولة ولا المعارضة ولا الشعب بل نفسه ما املت عليه لكن في ضل ما نحن فيه فلا يمكن الحكم ولا اعطاء رأي صحيح وشكرا

صوت وصورة
لقاء خاص | هشام رحيل
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 19:30

لقاء خاص | هشام رحيل

صوت وصورة
مباشر | الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:51

مباشر | الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني

صوت وصورة
الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 14:45 4

الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 4

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 10

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين