ليبيا تعيد فتح أبواب "المتحف الوطني"

ليبيا تعيد فتح أبواب "المتحف الوطني"
صور: المتحف الوطني الليبي
السبت 13 دجنبر 2025 - 16:41

تنفض ليبيا عن ظهرها ثقل أربع عشرة سنة من التقلبات، معيدة تملّك صورتها بإعادة افتتاح متحفها الوطني بعد ترميم وإصلاح واستعادة لآثار نهبت وهرّبت خلال الفترة الأمنية الصعبة السابقة، لتحكي تاريخ آلاف السنين منذ النقوش الصباغية الأولى الموثقة في صخور ليبيا، والمومياء التي وجدت بها وتعود إلى فترة سابقة على المومياوات المصرية، فضلا عن التاريخ الليبي الأمازيغي، والآثار الفينيقية واليونانية، وحكمِ ليبيٍّ الإمبراطورية الرومانية، وصولا إلى الفترة الإسلامية، وأول اتفاقية سلام مع أمريكا في العهد العثماني، لا تزال الباخرة فيلاديلفيا شاهدة عليها، معتلية أسوار المتحف الليبي بالمدينة العتيقة للعاصمة طرابلس.

بالعروض الأدائية الممسرحة، والتاريخ المسرود، والشهب الصناعية، والأوركسترا التي تمزج أنغام وآلات ليبيا والعالم الواسع، افتتحت ليبيا متحفها الوطني بعد إغلاق استمر 14 سنة، منذ حراك المواطنين ضد القائد الليبي السابق، وما تلاه من احتِراب وتدخل دولي، تضعه طرابلس اليوم خلف ظهرها، مقدّمة البلد في صورة جديدة؛ حاضر يسمح وضعه الأمني بتنظيم أنشطة كبرى، مع تمسّك بالتاريخ وتطلّع للمستقبل، بشعار “عودة الحياة”.

وحكى عرض الافتتاح “أنا الليبي” قصة ليبيا الممتدة منذ عصور ما قبل التاريخ، مرورا بمختلف الحضارات والثقافات واللغات التي وجدت فيها موئلا وصارت منها أو على الأقل صار شيء منها كذلك، كما قدّم الآثار المادية والثقافية العريقة، دون أن يكون هدف ذلك ثقافيا فقط، بل هو وفق كلمة افتتاح عبد الحميد الدبيبة، رئيس الوزراء الليبي: “شهادة حية على أن ليبيا تبني مؤسساتها بكل ثقة، وتحفظ ذاكرة الأمة، عبر الأزمان والتاريخ، وإطلالة على العالم بوجه ليبيا الحقيقي، وجه الحضارة والتاريخ”.

ووصف الدبيبة افتتاح المتحف الوطني الليبي بأنه “نشاط وطني كبير، وشهادة جماعية على حضارة استمرت آلاف السنين (…) وصرح شاهد على أنه رغم ما مرت به ليبيا من عواصف، ظلت أرضا تتنفس بالعمران، وجزءا حيا لمسيرة الإنسان”.

ويستقبل المتحف زواره بالآثار التاريخية التي استعادها من دول متعددة، وتحيط بقاعته التي تؤدي إلى ثلاثة طوابق، تغطي آلاف السنين، آية من القرآن الكريم: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ، ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَة، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.

يقدّم المتحف الوطني الليبي تاريخا فريدا، عارضا مومياء ليبية أقدَم، وفق التحليلات المخبرية، من المومياوات المصرية، مع رسوم صباغية ونقوش كبيرة الحجم تعود إلى بدايات رسم الإنسان على الجدران، لتوثيق تجربة العيش، مع قاعات عروض ممتلئة بالآثار من مختلف الفترات، الأمازيغية الليبية القديمة، والفينيقية، والإغريقية، فضلا عن الآثار الرومانية الممتدة عبر أكثر من قاعة شاسعة، مع تسليط للضوء على الإمبراطور الليبي الذي حكم روما سبتيموس سيفيروس.

وليس “المتحف الوطني الليبي” متحفا للمنحوتات والمرسومات فحسب، بل يخصّص شقا للعملات التي تداولتها هذه البقعة المغاربية، ولتاريخ الإسلام فيها، بعد الاهتمام في المعارض الأخرى بالأديان والمعتقدات التي عرفتها. ومن المعارض، معرض خاص بالموسيقى الليبية، وآخر باللباس والحِرف، ثم عرض للتاريخ الطبيعي، مع تجارب عرض تفاعلي، ووقوف لدى “تاريخ الجهاد الليبي”، ورموزه البارزين وأشهرهم عمر المختار الذي يعرض سيفه الخاص، وأسلحة امتلكها، وأدوات أخرى.

لكن، لا يحكي المتحف التاريخ القديم فحسب، بل يحكي تاريخ الراهن أيضا، بسردية جديدة، تنصف الفترة الملكية، وخاصة دور الملك السنوسي في نيل بلده ليبيا الاستقلال، قبل انقلابِ العسكري معمر القذافي عليه، دون محو ذكر عقود من حكم هذا الأخير من سجل ليبيا المعاصر الذي يوثّقه المتحف.

وينتهي المتحف بقاعة “عودة الحياة” التي تحكي حاضرا متطلعا للمستقبل، مرتبطا بدروس الماضي التي تسردها قاعتا “الجهاد الليبي” و”التاريخ السياسي”، ومن بينها دعوة الملك محمد إدريس السنوسي بعد الاستقلال لإدراك ثمن حرية ليبيا للحفاظ عليه.

وبهذه القاعة، تتمّ الرسالة: ليبيا تقدّم للعالم قصتها، بسردية بعيدة عن التاريخ المتمحور حول الشخص الواحد، أو الثقافة الواحدة، أو القراءة الفردية؛ هو تاريخ جماعي لليبيا، يحكي ذاته بكل تعددها وغناها، لا ماضيا فحسب بل حاضرا للاستيعاب، والتملّك، واستعادة الحياة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح