ليس بالطلاء تنهض الدار البيضاء!

ليس بالطلاء تنهض الدار البيضاء!
الإثنين 13 دجنبر 2021 - 14:59

جميل جدا أن تفكر وتدبر نبيلة الرميلي القيادية البارزة بحزب التجمع الوطني للأحرار قائد الائتلاف الحكومي الثلاثي وعمدة مدينة الدار البيضاء، ويستقر رأيها على أن تدشن ولايتها على رأس مجلسها الجماعي بإطلاق حملة واسعة تحت شعار: “لنتحرك جميعا لإعادة البهاء لمدينة الدار البيضاء”، تستهدف في مرحلة أولى إعادة صباغة واجهات أزيد من 1400 بناية، مع إعطاء الأسبقية للمباني والمنشآت العمرانية والمؤسسات العمومية بالشوارع الرئيسية والفضاءات السياحية والتاريخية والأسواق العصرية والشعبية وغيرها باللون الأبيض المفتوح، انسجاما مع الإسم الذي تحمله المدينة.

وهي مبادرة طيبة لا يمكن إلا أن نثمنها ونصفق لها بحرارة، لاسيما أنها تهدف إلى إعادة الاعتبار للطابع الجمالي للمعمار المغربي والتراث اللامادي، من خلال توحيد اللون الأبيض الذي يرمز إلى النقاء والصفاء، وذلك على غرار مدينة مراكش الحمراء ومدينة شفشاون الزرقاء، اللتين اختير لهما اللونان الأحمر والأزرق طلاء رسميا، في انتظار أن تعم المبادرة جميع مدننا المغربية وتليها مبادرات أخرى على جميع المستويات وخاصة الثقافية والرياضية…

بيد أنه حتى وإن كان لمدينة الدار البيضاء عاصمة المغرب الاقتصادية وقلبه النابض من المؤهلات ما يجعلها ترقى إلى مصاف كبريات المدن العالمية، فهي في المقابل تشكو من عدة اختلالات وتتخبط في الكثير من المشاكل وخاصة على المستوى البيئي. وبالإضافة إلى مكانتها التجارية والصناعية، تعد مركزا أساسيا للأنشطة المالية، حيث تتمركز فيها أزيد من 55 في المائة من وحدات الإنتاج الوطني وأكثر من 30 في المائة من شبكة الوكالات البنكية، فضلا عن مؤسسات التأمين والفنادق السياحية وغيرها، وتشغل ما لا يقل عن 40 في المائة من الساكنة النشيطة. لكنها مازالت عاجزة عن توفير الشروط الأساسية للساكنة من حيث التوازن البيئي، في ظل تحديات بيئية كبيرة تنعكس سلبا على صحة المواطنين وجودة الحياة وقيم العيش المشترك، من قبيل المرافق الحيوية للقرب والنقل المريح والمساحات الخضراء ونظافة الهواء…

فالدار البيضاء ليست بتلك الحاجة الملحة إلى تزيين الواجهات الخارجية، بقدر ما هي أحوج ما تكون إلى معالجة ملفاتها الثقيلة على مستوى استشراء الفساد والصفقات المشبوهة، وإسناد مهام تدبير شؤونها لمن يستحقها من النزهاء وذوي الكفاءة، ومبادئ الشفافية والحكامة الجيدة والمراقبة الصارمة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وأن تحظى بتدبير جيد يرقى إلى مستوى أهميتها ويستجيب لانتظارات الساكنة، ويساهم في حسن تهيئتها وتحويلها إلى قطب مالي حقيقي، ينافس المدن الكبرى في مختلف بقاع الأرض. ولا يمكن لها أن تصبح مدينة ذكية إلا إذا ما توفرت لها مجموعة من الخدمات التكنولوجية المتطورة، ومن ثم الانتقال إلى مدينة التنمية الإدارية والرقمية المرجوة…

إذ طالما استاءت ساكنتها من سوء التدبير وما تعيش على إيقاعه من تدهور الأوضاع وأزمات متلاحقة، من حيث تراكم الأزبال وهشاشة البنية التحتية، التي تكشف عنها القطرات المطرية الأولى كلما حل فصل الشتاء وكانت الأجواء ماطرة، من خلال انسداد مجاري الصرف الصحي وعدم القدرة على استيعاب منسوب المياه المطرية، التي تغمر سريعا الأحياء والشوارع وتلحق أضرارا بليغة بالبيوت السكنية والمحلات التجارية، وما يحدث أحيانا من فيضانات تغرق السيارات والدراجات والعربات المجرورة، وتعرقل حركة السير والجولان…

كما أنه كثيرا ما تتحرك بعض جمعيات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية ونشطاء الفضاء الأزرق في اتجاه المطالبة بإنقاذ المدينة مما باتت ترزح تحت وطأته من مشاكل وتحديات تحول دون تحقيق تنمية المدينة وتطويرها، سواء على مستوى التدبير المحلي في مختلف المجالات، وخاصة تلك التي تهم استغلال الأماكن العامة والطرق والنقل والمساحات الخضراء ومناطق الترفيه وغيره، أو على مستوى عدم اكتمال إنجاز المشاريع التي ظلت حبيسة الرفوف، ومنها تلك المرتبطة بتطوير البنية التحتية والنهوض بالمراكز الثقافية والرياضية والترفيهية، أو على المستوى البيئي…

فقلب المغرب أضحى على وشك التوقف عن النبض بفعل التلوث البيئي، بسبب التوسع العمراني واحتضان المدينة لنسيج من الصناعات والأنشطة التجارية والخدماتية، التي تشكل جميعها معيقات أساسية أمام مسار التنمية. وفي هذا الصدد تشير إحدى الدراسات العلمية المنجزة من قبل مجموعة من الأطباء بكلية الطب والصيدلة خلال سنة 1995 إلى أن هناك 12 في المائة من أطفال المدينة يعانون من الربو، لانعدام المساحات الخضراء الكافية والمتلائمة مع المعايير الدولية، إلى جانب الاختناق الذي تعرفه الشوارع والطرقات، بفعل ارتفاع عدد المركبات وما تخلفه من أدخنة، والوضع السيء للعديد من وسائل النقل العمومي والخاص. ناهيكم عن التمدد العمراني والحضري العشوائي، والإكراهات المتعلقة بتدبير النفايات والصرف الصحي وانتشار الوحدات الصناعية داخل التجمعات السكنية وما إلى ذلك من الاختلالات…

إن نبيلة الرميلي التي أبت إلا أن تضحي بمنصبها الوزاري في وزارة الصحة مقابل التفرغ لمهامها في رئاسة المجلس الجماعي لمدينة الدار البيضاء وخدمة ساكنتها، مطالبة بتكريس جهودها في اتجاه بلورة استراتيجية استقطابية واضحة وشفافة، العمل الجاد والمسؤول على تنمية المدينة وتطويرها، والحرص الشديد على تجاوز المعيقات التي تواجهها، مثل تداخل الاختصاصات وغياب الالتقائية في سياسة تدبير قطاع البيئة وغيره من القطاعات الأخرى، الاهتمام بالبنية التحتية واعتماد الحكامة الجيدة في التسيير ومحاربة مختلف مظاهر الفساد… فالدار البيضاء ليست بحاجة فقط إلى إعادة صباغتها باللون الأبيض، بل هي بأمس الحاجة إلى قلوب بيضاء وأيادي نظيفة من أجل إعادة تأهيلها على مختلف الواجهات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • مغربي
    الثلاثاء 14 دجنبر 2021 - 12:29

    بادرة جيدة وبالقطرات تملأ الاودية العقبى لمدن اخرى القنيطرة مثلا

  • مبادرة جميلة
    الأربعاء 15 دجنبر 2021 - 16:04

    مبادرة جيدة جدا كأول خطوة، ولكن يجب ان تتبعها خطوات أخرى أهم يمكن تلخيصها في ما يلي
    – تحرير الأرصفة و الشوارع من إحتلال الملك العمومي
    – توحيد شكل الرصيف و نزع العراقيل امام المارة
    – تشجيع السكان على عدم إستعمال السيارات بكثرة وذالك بتوفير النقل العمومي بكثرة
    – القضاء على الاسواق العشوائية والعربات المجرورة
    – منع ركن الشاحنات في المدينة و الأحياء السكنية
    – تعزيز الأمن بوضع كاميرات المراقبة في كل مكان
    – تبديل المصابيح الصفراء بمصابيح ليد
    – احداث شرطة بلدية لتغريم المخالفات ، كرمي الأزبال، او نشر الغسيل في النوافذ، او تربية الكلابفي الأسطح…..
    – بالنسبة للاحياء الجديدة يجب بناء شوارع اوسع

  • Wiseman
    الجمعة 17 دجنبر 2021 - 05:22

    Casablanca has all the bad things of a big city and lacks all the good things of a big city. That is a statement from a spanish artist who visited Casablanca. The city has also many closed stores and run down buildings because the inheritance laws and justice system in Morocco has no clear laws to solve them. Generation after generation inheritance cases keep growing and buildings keep getting neglected because the justice system has created a legacy of problems, not one of solutions. Sharia law made things more complicated for example the Shiaa law is rediculous. Each meter, is divided by the number of people who inherited. Try to solve that. A nation in chaos, not because of Algeria but because its own mismanagement.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام