“كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ” سورة الجمعة
رغم أنني اشتغلت كمدير أو كرئيس تحرير في قلب صحف عديدة وبعدها ككاتب ثم كمدير لمنشورات النورس، أي أنني منذ أكثر من 35 سنة وأنا في القلب النابض لاستهلاك الورق ولي احتكاك مباشر بمجال المقروئية وانتشار الكتب والجرائد، ومع ذلك صدمت بالمعطيات التي أدلت بها ليلى الشاوني مديرة منشورات “الفنيك” حول القراءة واستهلاك الكتب في الجلسة التي احتضنها رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمعرض الدولي للكتاب في ندوة “الثقافة ورهان التنمية”.
الحقيقة أن المغاربة يدهشونني كثيرا فيما يخص علاقتهم بالكتاب.. وأجد أنهم لا يقرأون ليس بسبب ضعف قدرتهم الشرائية، ولا بسبب غلاء الكتب، ولكن بسبب أميتهم وجهل حتى المتعلمين منهم.. إننا في الدرك الأسفل من موريتانيا وليبيا ونيجيريا في مجال القراءة واستهلاك الكتب.
في المغرب، يمكن أن تجد طبيبًا يفتح صدر إنسان ولا يفتح كتابًا ولا مجلة حتى في مجال اختصاصه، وتعثر على محامي يحفظ مواد القانون كما يحفظ الببغاء الشتائم، لكنه لا يقتني رواية ولم يقرأ في حياته صفحة من كتاب فلسفي، وأستاذًا يا حسرة يشرح الأدب مثل موظف يطبع الطوابع لم يقرأ ديوان شعر، وقاضيًا يوزّع الأحكام بوجه رخامي بينما لم تهزّه رواية واحدة في حياته، وسياسيا يحلل أوضاع أمّة وليس في منزله كتاب واحد.
لا يعاني المغاربة من أزمة قراءة.. لا أزمتهم أكبر، إنهم يعانون من مجاعة روحية كاملة.
بلدٌ يعتبر الأول إفريقيا في تجديد وتعميم الهواتف في الوقت الذي تبدو فيه المكتبات كعيادات مهجورة لمرضٍ انقرض منذ قرون. لا يخاف المغاربة الجهل، أحس أنهم يخافون أن يبدوا مختلفين إذا قرأوا. لم تكن القراءة منذ عقود في المخيال العام للمغاربة ضرورة، بل شبهة.. شيء قريب من الجنون أو التعالي أو البطالة المقنّعة. كنا صغارا وكان آباؤنا يعتبرون القراءة لعبا لا جدا، ومضيعة للوقت…
أما النخبة، فتلك نكتة سوداء طويلة.
الكثير من رموز زبدة النخبة المغربية يضعون الكتب خلفهم في الصور كما يضع بعض الأثرياء حوض سمك في الصالون: للزينة فقط. يتحدثون عن الفكر كما يتحدث السائح عن مدينة مرّ بها نصف ساعة. يقتبسون الأسماء الكبيرة للتظاهر بأنهم قرأوا لها، ماركس، فرويد، سارتر، فريدريك نيتشه، ميشيل فوكو، ابن رشد، النفري، ابن عربي وأدونيس… أسماء تُستعمل أحيانًا مثل عطور ثقافية رخيصة لإخفاء عرق الفراغ ونتانة الجهل والأمية.
قد تسمع في المقاهي، نقاشًا طويلًا عن كرة القدم أو الفضائح أو المؤامرات الكونية، لكنك نادرًا ما ترى شخصين يتشاجران حول رواية أو فكرة أو قصيدة. حتى الذين يكتبون في معظم الأحيان، يكتبون دون أن يقرأوا، كأن الأدب صار نوعًا من إنتاج الضجيج أو موضة مثلها مثل العمرة والرياضة والتغذية النباتية والماستر في الجامعة.
وفقاً لإحصائيات الموسم الدراسي 2026/2025، تجاوز عدد أطر التدريس في التعليم العمومي بالمغرب 299 ألف أستاذة وأستاذ.. ويبلغ عدد الأساتذة الجامعيين (الأساتذة الباحثين) في المغرب حوالي 14 ألف أستاذ وأستاذة. 314 ألف من ممتهني التعليم، ممن يوجدون في علاقة مفترضة بالكتاب، رغم أنه لا توجد أرقام رسمية دقيقة لعدد مبيعات الكتب السنوية في المغرب، نظراً لضعف الدراسات الميدانية وتداخل السوق بين الكتب الورقية، الرقمية، والمستعملة. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن سوق النشر المغربي ينتج أقل من 1800 عنوان سنوياً، بينما كشفت تقارير أن 64.3% من المغاربة لم يشتروا أي كتاب منذ عام 2016، ويقدر متوسط ما يقرأه الفرد بالمغرب نحو 2.97 كتاباً سنوياً. بمعدل أقل من كتاب كل أربعة أشهر. في الوقت الذي لا يطبع الكاتب أكثر من 500 نسخة من عمله ولا يبيع منها سوى مائة نسخة في المتوسط خلال ثلاث سنوات من عرض الكتاب؟ كيف؟ من أصل 314 ألف مدرسة ومدرس، لكي لا نتجاوز النخبة إلى القضاة والمحامين والأطباء والمهندسين… مجموع المبيعات السنوية للكتب بالمغرب لا تتجاوز سقف خمسة عشر ألف كتاب كنسبة متفائلة؟ نحن نتحدث عن اقتناء الكتاب لا قراءته بالضرورة، أي جحيم هذا؟ أي شعب أمي هذا؟ أي نخبة هاته التي لا تقرأ؟
ثمة شيء متصدّع في العمق، أعمق من أزمة كتاب، وأقذر من مجرد عزوف عن القراءة.
المسألة أن مجتمعًا كاملًا تعلّم كيف يعيش دون أن يفكّر، وكيف يكرّر نفسه بلا خجل، وكيف يخاف من كل ما قد يوقظه من سباته الطويل. لأن القراءة حقا فعل تهديد.
الكتاب ليس شيئًا بريئًا؛ إنه أداة لخلخلة الطاعة، لإفساد اليقين المعلّب، لإدخال الشك إلى العقول التي تربّت على الامتثال أكثر مما تربّت على السؤال.
لهذا لا يقرأ الناس. وليس صحيحًا أنهم لا يملكون المال أو الوقت. الإنسان يجد دائمًا وقتًا لما يشبهه. والمغاربة وجدوا في الجهل ملاذًا أسهل من مواجهة ذواتهم. لأن القراءة الحقيقية محكمة سرية يُستدعى إليها القارئ مكبّلًا بأسئلته القديمة. والمغاربة، في الغالب، لا يريدون أن يعرفوا أنفسهم أكثر مما ينبغي. يخافون من تلك اللحظة التي يكتشفون فيها أن حياتهم كلها قد تكون نسخة باهتة من حياة لم يختاروها أصلًا.
لهذا يبدو العنف عاديًا، والقبح عاديًا، والتفاهة عادية. فمجتمع لا يقرأ هو مجتمع يسهل قيادته بالخوف، بالشائعة، بالقطيع، بالهستيريا الجماعية. مجتمع يصفّق بسرعة، ويكره بسرعة، وينسى بسرعة، لأنه لا يملك ذاكرة فكرية تحميه من التحول إلى جمهور دائم الانفعال وقليل التأمل. دعكم من مشاريع القراءة وبرامج تقوية القراءة كما تتردد في أروقة الوزارات والمكاتب الفخمة، فالأمر مجرد تجارة وهميزات ودعم وفساد مالي وزبونية وفرجة بلا رؤيا ولا تخطيط، وبهرجة إعلامية إلا من رحم ربك من المؤسسات الجادة حقا ومن فاعلين مدنيين لا يصلهم إلا الفتات من الدعم ومع ذلك يعملون مثل جنود الظل بالكثير من نكران الذات والتطوع المدني ويكرهون الآضواء.
وربما الحقيقة الأكثر مرارة هي أن البعض منا لا يكره القراءة لأنها صعبة، بل لأنها تفضحه. فالكتاب الجيد مرآة قاسية. يريك حجم الفراغ الذي تعيش فيه، حجم الأكاذيب التي سكنت لغتك، حجم الحياة التي ضيّعتها وأنت تعتقد أنك تعيش. ولذلك يفضّل الكثير من المغاربة البقاء داخل الأمية الهادئة؛ فالجهل أرحم من المعرفة وأقل تكلفة من مواجهة الذات.
“When I have a little money, I buy books; and if any is left, I buy food and clothes”
“عندما أحصل على القليل من المال، أشتري كتباً؛ وإذا تبقى شيء، أشتري الطعام والملابس”
(Erasmus)
“No solo de pan vive el hombre. Yo, si tuviera hambre y estuviera en la calle no pediría un pan; sino que pediría medio pan y un libro”
“ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. أنا لو كنت جائعاً في الشارع لن أطلب رغيف خبز، بل سأطلب نصف رغيف وكتاباً”
( García Lorca)
“Je n’ai jamais eu de chagrin qu’une heure de lecture n’ait dissipé”
“لم يسبق أن مررت بحزن إلا وبددته ساعة من القراءة”
(Montesquieu)
“الكتاب ليس مجرد حبر على ورق، بل هو الفأس التي تكسر البحر المتجمد في أعماقنا. ”
أستاذي،
خطابك يعري بشجاعة تلك “المجاعة الروحية” التي استبدلت جوهر الوعي بقشور المظاهر، حيث أصبح التباهي باقتناء الهواتف يفوق الشغف باقتناء الأفكار. إن هذا العزوف ليس نقصاً في الموارد بل هو استقالة جماعية من التفكير، مما يستوجب علينا تحويل القراءة من واجب مدرسي ثقيل إلى فعل تمرد يومي يعيد صياغة هويتنا بعيداً عن التبعية والجهل.
ALHOCEIMA
هي صرخة حقيقية عن معضلة القراءة البلد الذي يبرمج إعلامه الترفيه و إعطاء قيمة لفنان قيمة أكبر منه بكثير البلد الذي يستثمر إعلامه في التفاهة و الرداءة و إعطاء قيمة للمجال الكروي رغم وجود قناة متخصصة طبعا لن يفرز لنا جيلا مولوعا بالقراءة طبعا هناك أسباب التكنولوجيا الرقمية و تبدل عادات القراءة لكن ذلك لا يمنع من قراءة كتاب واحد كما يقال هناك قناة الرابعة التي نشاهدها بين الفيمة و الأخرى لكن سياسة الاستقطاب تقع على عاتق الأولى و الثانية التي تروج للبرامج التجارية والمسلسلات الترفيهية و لا يعتقد المرء بتغيير الوضع الراهن قريبا
أين نحن من نص يوقظ الأرواح الجائعة للتغدية؟
مجتمع أعار قيمه لمحتوى تافه، وزوى الكتاب بعيدا عن عينه .لو أدرك أن الكتاب تهذيب للروح وتوسيع المدارك لصناعة الفن والادب لما لعبت به التفاهات يمينا ويسارا .
صدق الجاحظ لما قال” نعم الذخر انت ونعم العمدة …”
يقول المثل “الشيئ اذا زاد عن حده انقلب الى ضده” بمعنى اصبحت اليوم الكتب منتشرة ولكن أغلبها غثاء كغثاء السيل لان كل من هب ودب أصبح يكتب ويفتش عن عنوان براق يصيد به القراء حتى اصبحت هذه الكتب اليوم مضيعة للمال والوقت الثمين الذي هو أهم من المال,والله هنا في المانيا تجد مكتبات صغيرة عبارة عن خزانات علوها مترين او ثلاثة وعرضها متر واحد مملوءة بالكتب المتنوعة الكبيرة الحجم والصغيرة بجميع اللغات الكبرى ولا يخلو اي حي من احياء مدينة فرانكفورت الى وفيه مكتبة او مكتبتين يضع فيها الالمان كتبهم التي قرأوها ولا مكان لها في بيوتهم حتى اصبحت هذه الكتب تملأ هذه الخزانات الى درجة التخمة بحيث تتساقط على الارض نظرا لكثرتها وطالما أخذت منها كتابا براقا وحينما أبدأ في قراءته لا اتعدى 6 أو7 صفحات وأرميه في مزبلة البيت ولا أرجعه الى تلك الخزانة لانني لا أريد أن يضيع فيه وقت قارئ أخر.اليوم سيدي يصعب ان يختار القارئ ما يقرأ واعني القارئ العادي وضالته يجده في الحاج جوجل بحيث يمكن أن تقرأ وتختار ما تقرأ لان علوم العالم الدنيوية والاخروية مجودة في جوجل
شكراً جزيلاً، الأستاذ عبد العزيز كوكاس الفاضل المحترم، على المقال/ الدرس الرائع كما هو طبعك وكما هي عادتك.
شكراً جزيلاً على الإيقاظ، وشكراً جزيلاً على الأسلوب الأدبي الوهاج..
لكَ من ذات المغرب، ومن بعض المغرب الذي نحب والذي نتطلع إليه جميعاً مميزاً و”مفرداً”، وقبل ذلك موحداً بوحدته وسموه ورفعة أخلاقِ أبنائه – ظاهرة وباطنة – غير مُنكِرين ولا متنكرين لقيمه ولا لأعرافه وأصوله من طنجة العالية إلى تخوم لكويرة الغالية.
شكراً جزيلاً لكم، الأستاذ عبد العزيز، بكل صيغ القول، وكل لغات الكلام.
نحن المغاربة نَكره القراءة لأنها “تُخَدّمُ” دماغنا،ونُفضل العيش بإستعمال حاسة السمع والبصر في تَبَادُلاتِنا اليومية:سأقول وستقول،سأرى وسترى…ربما سأقرأ ما كتبته لكنني سأبدل مجهودا لفهمه،أي علي إستخدام دماغي للفهم وعلميا إستعمال الدماغ يحتاج إلى طاقات عظيمة.المغربي لايستعمل دماغه للتحليل،بل بنى ثقافة مجتمعه على ما سمع أو رأى. الكتب والمنشورات أصبحت “تقريبا” مجانية لكن لا أحد يهمه الأمر،أي أن عدم القراءة ليس بسبب مادي: لا أقرأ لأني غير قادر على شراء ما أريد قرأته،بل هو نهج سياسي لازال مستمرا كان ولازال أساسه التربية(التطويع) قبل التعليم…لتبقى الكتب والقراءة والثقافة بما فيها السينما والمسرح والرسم والتشكيل مجرد “لوكس”.
أظن أن أعظم كابح القراءة هو اللغة . لغات الكتب محصورة في المؤسسات التعليمية خارجها نتواصل بلغات محلية دارجة و اكبر مثال كتاب المرحوم شكري الخبز الحافي . جل الكتاب في الدول الاخرى يكتبون بلغة يتحدثون بها في البيت و الشارع و المدرسة .