ما بعد نهاية الأخلاق .. تشكل وعي لا أخلاقي جديد

ما بعد نهاية الأخلاق .. تشكل وعي لا أخلاقي جديد
الأربعاء 2 يناير 2019 - 05:22

في الأخلاق والميتافيزيقا هناك ما لا يستحيل تجاوزه أو تعليق أطرافه على مدار التفكير والتفكيك والمحاورة. فالثنائية الفلسفية ” الأخلاق والميتافيزيقا” قائمة ما قامت أجزاؤها وما انكشفت أسئلة تقاربها وتباعدها. ويحيط بنظرية الأخلاق ما ينزاح عن التمذهبات الأخلاقية، وما يكرس النقيض فيها، على اعتبار الوقود الفكري والفلسفي الذي لم يتحرر من نظرية الاستغناء عن الاعتبارات الأخلاقية والسلوكات القيمية الخالصة. وهو تصور تجتمع عليه تيارات فكرية وفلسفية غربية عديدة، يتقدمهم فيها سورين كيركجارد وصامويل بيكيت ويوجين يونيسكو وماركس وآرثرشوبنهاور ونيتشه وألبير كامو ..وغيرهم، حيث التجرد من أي أساس عقلاني والاقتراب من العدم كمآلية تدفع باتجاه التشكيك في قدرة العقل على الحصول على معرفة خلقية بسبب موانع عملية أو واقعية.

وقد ينساق التفكير التشاؤمي ذاته إلى اللاإرادية ليس باعتبار ” العقل عاجز، بحكم ما يفرضه الواقع، عن القبض على الحقائق الخلقية، بل أن الأخلاق، بحكم طبيعتها، خارج إطار العقل رمه، وهذا يعني، بدوره، أنه لا يمكن، حتى نظرياً، أن توجد معرفة خلقية، أي أن مفهوم المعرفة الخلقية غير قابل للتطبيق لأسباب منطقية ” ـ1 ـ

ولكن أيضا لاستحالة وجود عقل بلا أخلاق وجسد بلا روح وحياة بلا قيم. الأمر منذور للمطلق في مسألة مركزية، لا يحتاج فيها النظر والاختلاف سوى التحقق من عدالة الأفعال الإنسانية ومدى مواءمتها للأحكام الأخلاقية فينا. وهو ما يتردد في البدهيات الفلسفية والنظريات الموازية، كما هو الشأن بالنسبة لمقاربة ليون جوتييه الذي يعتقد أن “وضع الشروط التي يجب توافرها في الإرادة الإنسانية وفي الأفعال الإنسانية لكي تصبح موضوعًا لأحكامنا الأخلاقية عليها” ـ 2 ـ جزء من أخلاقية فهمنا للعقل الأخلاقي وتراكمه.

ألا يعقد هذا الفهم السوسيولوجي للأخلاق معنى قيميا حائلا للسلوك المعياري قائم على العادة والسلوك الاجتماعي دون أن يتجرد عن المبادئ والقيم المعنوية التي لا تخضع للتجربة،

حيث قيمة الخير الثابتة المنشودة للفضيلة والمحبة والسلام هي الوازع الإحساني الإنساني الجدير بالأخلاق والسيرورة ومعرفة الله؟.

لقد ساق كانط مثالا نموذجيا خلال تحليله الميتافيزيقي لإشكالية الأخلاق وارتأى أن قيم الأخلاق لا تخرج عن ذاتية الإنسان، وأنها مهدورة به ومسنودة بارتهانات الخضوع للواقع من عدمه. وأن الحتمية الأخلاقية متمظهرة في التفوق على اللذة والضعف وسرعة الانقياد والاستسلام.

ويتجسد هذا النموذج الكانطي فيما يثيره صراحة خلال وضعه جملة من أنساق المعرفة والماهيات الفلسفية كمبدئيات تقدم مدلولا عقلانيا كحد من حدود النظر في أولويات الأخلاق وقيمها النظرية والاعتبارية من جانب:

* التزام إنساني في الواقع وتفسير لمبادئ نقر بها جميعا في قرارات قلوبنا.

* استبعاد مذهب السعادة الشخصية مادام يرد الخير إلى اللذة والمنفعة ويعجز عن استخراج قانون كلي ضروري من أنواع الحساسية الجزئية المتغيرة، ولا يضع تمييزا بين بواعث الرذيلة، ولم يوافق أيضا على مذهب العاطفة الأخلاقية مع اعترافه بالفضيلة أولا وبالذات ـ 4 ـ

* انبناء الأخلاق على مفهوم حقوق الفرد لا على حقوق المنفعة.

الثلاثية الشرطية الكانطية للوجوب الأخلاقي يضعنا اليوم في المأزق ذاته، والذي يعني من ضمن ما يعنيه، تآكل الالتزام الإنساني لواقع الأخلاق في العلاقات الدولية المشوبة بالقطيعة مع الفرد، وتصحير حقه في العيش الكريم والحق في التعبير وحرية التفكير والتنقل الحر.

كما أن مذهب السعادة عند الشعوب المقهورة التابعة لازال يثير العديد من الهواجس، حد تحلل قيم التوازن والمساواة. والتحولات القيمية الخطيرة التي أضحت مركزا استراتيجيا لإعادة صياغة منظومات سياسية أكثر شرا وأظل سبيلا هي تعكس الجوانب الخفية من زوال حقوق الغير وتحلل الفضيلة وانقضاء أجل مفهوم العاطفة الأخلاقية. وبموازاة ذلك شاعت وتغولت قيم الحرب والتحطيم والإفساد وكل أصناف الرذيلة.

إنها نهاية الأخلاق أو ما بعدها، وسط ركام من الشك في مبدئية تطور العقل الإنساني وانتقاله من عالم تحرير السلوك الأخلاقي من قيود الميول والأهواء، إلى جحور اللذات والمنفعة والسعادة على ظهور الأشقياء. فلا الأخلاقية ارتدت إلى حيز الواجب، ولا واجب العاطفة الإنسانية تراجع عن تقمص دور المنقذ.

“”ولكن الإنسان سرعان ما يدرك أن الطبيعة التي يهدف قانونها إلى تحطم الحياة عن طريق الإحساس الذي تقوم وظيفته على دفع عجلة التطور في الحياة، إنما تناقض نفسها بنفسها ولا يمكن أن تحتفظ تبعًا لذلك بما يجعلها طبيعية، وأن من المستحيل على تلك المسلمة أن تصبح قانونًا طبيعيًا، وأنها نتيجة لذلك كله تناقض المبدأ الأعلى للواجب مناقضة تامة” ـ 5 ـ.

إنه المفهوم الجديد للأخلاقية الارتدادية التي تجعل من العقل البشري ماكينة للتزييف ومراوغة القيم وإبداع كل أصناف الاحتلال والوصاية على الإرادات.

مفهوم يتشكل بوعي آخر من أهم أساساته المكينة زراعة نظريات في الحقد والتشويه وتمجيد الخرافة .

ولعمري إنها تحولات مدمرة تعود بالإنسان إلى ما قبل عصور الحجر والعراء الجسدي والروحي!

*****

1 ـ نقد الفلسفة الغربية العقل والأخلاق : عادل ضاهر . دار الشروق الأردن ط 1 ، 1990 ص 411

2 ـ مدخل لدراسة الفلسفة ص 89- 91، ليون جوتييه ـ ترجمة محمد يوسف موسى سنة 1364ه- 1945م دار الكتب الأهلية.

3 ـ تأسيس ميتافيزيقيا الأخلاق: كانط ص 57 ترجمة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي منشورات الجمل

4 ـ فلسفية الأخلاق عند كانط ـ وضاح نصر، مجلة الفكر العربي، 1987 ـ ص 140

5 ـ تأسيس ميتافيزيقيا الأخلاق: كانط ص 62 ترجمة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي منشورات الجمل

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • دكتورة
    الأربعاء 2 يناير 2019 - 07:09

    انما الامم الاخلاق ما بقيت***ان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا

  • العقل عقلان
    الأربعاء 2 يناير 2019 - 15:18

    تناول الأخلاق بالعربية يطرح إشكالاً لغوياً يتعلق بمفهوم العقل. في لغة كانط الألمانية مثلاً يتم التفريق بين العقل والفاهمة. كل تصريفات الحياة العملية مما في ذلك العلم والتقنية تعتمد أساساً على الفاهمة وليس العقل، أما العقل فمهمته رسم الحدود والتفكير في الغايات. بعبارة أخرى: الفاهمة تبحث في الوسائل والعقل يبحث في الغايات. للتذكير كانط هو أول من رسم خريطة هذا التقسيم للعقل ولازالت قائمة لحد اليوم. الفاهمة هي ما يُعرف بالعقل الأداتي وهي غير قادرة بالفعل على التأسيس للأخلاق. أما العقل فوظيفته الأساسية التفكير في مآلات ومعاني الأشياء بشكل فوقي واستباقي ومن هنا رسم الحدود المعيارية أي الأخلاقية التي تضبط عمل الفاهمة.
    مشكلة عصرنا هو تفوق الرأسمالية باعتمادها المنتوجات العلمية والتقنية المتطورة للفاهمة وتراجع عمل العقل الفلسفي في رسم الحدود والغايات للحد من مساوئ العقل الأداتي. فالوسائل تفوقت على الغايات ومن هنا التيه الأخلاقي.
    السعادة تعتمد على الملذات الحسية في تصور الفاهمة أما العقل فيرى السعادة في اللذة العقلية والتسامي الروحي والوجداني لأنها مطلقة أما لذة الحس فمحدودة وبالتالي ضارة.

  • العقل عقلان 2
    الأربعاء 2 يناير 2019 - 19:31

    في الألمانية والفرنسية نميز على التوالي بين:
    Vernunft / Verstand, Raison / Entendement
    بمعنى: عقل / فاهمة
    لكن في العربية غالبا ما نخلط بينهما بل هذا التمييز غائب عند أكثرية المثقفين إلا القليل منهم.
    هناك كتيب قيم للفيلسوف ألفريد وايتهيد عن وظيفة العقل (fonction de la raison) يساعد على فهم هذا الإشكال.
    وشكراً

  • هواجس
    الأربعاء 2 يناير 2019 - 21:45

    وبما ان الاخلاق تتحكم فيها عوامل وعي جزئية تحركها اخرى ابستيمولوجية يُطرح سوال الشك في ان تكون النزعة الوجودية وراء فعل انتحار العقل في مجال الميتافريقا واللسنيات عن كانط وشبنهاور والفريد هتشكوك كما جسد ذلك شارلي شابلين في ميدان الفن السابع ، على غرار النقد الذي وجهه ديكارت لاخلاق ارسطوا كما تجسدت في "الى…نيقوماخوس" كتجسيد للذهنية التي تعتقد ان التفكير هو مجرد ثرثرة بلا معنى ،….

  • Peace
    الخميس 3 يناير 2019 - 10:45

    بالنسبة لعلاقة الاخلاق بالميتافزيقيا, فالاسلام يربط طبعا الوفاء للمبادئ و الخلاق و القيم الانسانية بالايمان بالغيبيات, لانه اذا لم تكن تعتقد بالحساب و العقاب و الجزاء و العناية الربانية, فانه من الصعب عليك اولا تربية نفسك على التخلي و التحلي و استمداد القوة المحفزة للوفاء لمبادءك و اخلاقك. و لكن نظرة فلسفية اسلامية اخرى و هي انه بامكان المؤمن ان يقنع الغير المؤمن بالغيبيات على جدوى القيم الاخلاقية و الانسانية و تريخها لديه اعتمادا علة استغلال فطرته لحب الحياة و السلامة من كل مكروه و الاستمرارية في اعمار الارض و عقد معه ميثاق او Kontrat social على احترام هذه الاخلاق المتفق عليها, مع ترك حيز للحريات له وعدم اكراهه ان يكون مثل المؤمن التقي, الذي يلتزم بكل ما هو ديني. لان ذلك شيء مستحيل.

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 1

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم

صوت وصورة
بنعبد الله يدعو إلى التصويت
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:54 1

بنعبد الله يدعو إلى التصويت

صوت وصورة
رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:23 1

رؤية "الاستقلال" للتعليم والصحة

صوت وصورة
أوزين والمؤشر الاجتماعي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:50 2

أوزين والمؤشر الاجتماعي

صوت وصورة
بركة يحذر من العزوف الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:30 6

بركة يحذر من العزوف الانتخابي