“اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ”: الرسول محمد (ص)
تقديم:
يعد الحديث عن “مشروعية” الاحتفال بذكرى مولد النبي محمد عليه السلام، هامشيا إن لم نقل عقيما، لأن جوهر الموضوع هو السعي قدما نحو الاقتداء بخصاله النبيلة، وأخلاقه الرفيعة ومواقفه العظيمة، على رأسها نصرة القيم الخالدة وترجمتها على أرض الواقع، والتحلي الصادق بمستلزمات العدل والحرية والكرامة الإنسانية.
محمد عليه السلام والاصطفاء الرباني المحكم:
ننطلق من قناعة إيمانية مبدئية مفادها أن الله عز وجل “أعلم حيث يجعل رسالته”، وأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان أهلا وبصيغة مطلقة لتحمل رسالة إخراج الناس من ظلمات الجهل والظلم والفساد، إلى نور العلم والعدل والإصلاح، وأن ما بعد البعثة المحمدية ليس كما قبلها! ففي مدة زمنية وجيزة (23 سنة) تمكن خير البشرية وخاتم الأنبياء والمرسلين، بعد تضحيات جسام وصراع استثنائي مع رموز الفساد والجبروت، من أن يقيم قاعدة مجتمعية صلبة تحفل بقيم الأخوة والمحبة والتسامح، تلك القاعدة التي شكلت منصة لانطلاق الفتوحات والإبداعات الثقافية والدينية والعسكرية غير المسبوقة في تاريخ البشرية المديد. وقد اشتهر الرسول الكريم بالخصال عالية القيمة والمكانة في العصر الجاهلي، وفي وسطه الاجتماعي المخصوص، بحيث كان محط تقدير وإجلال من قبل خصومه وأعدائه بعد البعثة، مما يعني من جملة ما يعني أنه اصطفاء رباني حكيم لمحمد عليه السلام لقيادة البشرية دينيا وقيميا وحضاريا.
الإسلام نور المعرفة:
وتتواصل مسيرة البناء الإسلامي القويم مرورا بعهد الخلفاء الراشدين و العصور الأموية والعباسية والأندلسية.. لتعم بشائر السلام عديد بقاع العالم وتنتشر ضياء المعرفة والعلوم بشتى أصنافها في مختلف الأقطار والمجتمعات، إلى أن أضحى الإسلام دينا كونيا يؤلف بين الإيمان والعمل الصالح، ويمنح للإنسانية جمعاء كل ما تحتاج إليه من مقومات الحياة الكريمة الوارفة. ومرت مياه متدفقة تحت جسر تاريخ الأمة المديد بين سمو وانحطاط وتقدم وانهيار وقوة وضعف، لنجد أنفسنا في يوم الناس هذا بعيدين كل البعد عن عظمة الرسالة المحمدية و مضمونها الإنساني الراقي. وفي الفترة التي انخرط فيها العالم في استنبات آليات الحياة الجديدة، حياة الاجتهاد والبحث والارتقاء، بمستلزمات منطق الإقلاع التنموي العلمي رفيع المستوى، وجدنا أنفسنا في المراتب الدنيا لسلم الدول والمجتمعات، مكتفين بترديد قصائد المدح والفخر بالأمجاد التليدة، عوض إعادة النظر النقدي لواقعنا الجريح، والسعي الحثيث نحو بعث القيم الإيجابية، التي جاء بها رسول الإنسانية الداعية إلى الوحدة بدل التفرقة والتآزر بدل الخذلان..
ذكرى المولد والاقتداء بالخلق القرآني:
إن ذكرى مولد أكرم خلق الله لحظةٌ مفصلية في تاريخ كل الديانات السماوية السمحة، لاستقراء سيرته العطرة و استكناه أحاديثه الصحيحة المعززة للقواعد والضوابط والخصال التي تعلي من شأن المعطى الإنساني، وما من شك في أن الرسول الكريم جاء خصيصا لإتمام مكارم الأخلاق واغنائها والعلو بها نحو الأرقى، ومن المؤكد أن إعادة الاعتبار للنهج المحمدي دينيا وسياسيا ومجتمعيا، سبيلنا الوحيد نحو موجة حضارية جديدة، واعدة بإقامة مجتمع الغد حيث العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، فهل نغتنم هذه الذكرى الغالية لاستنهاض الهمم، وجعل السيرة النبوية حية مترجمة على أرض الواقع، لاستئناف مشوار النهوض الحضاري، بتناغم تام مع المشترك القيمي الإنساني الرحب؟
ان تصحيح خطأنا الفضيع بحق رسول الله وانتقاصنا من قدره ومنزلته واعترافنا بخطئنا بشأن هذه القضية هو افضل بكثير من ان نواجهه يوم القيامة ونحن ننتقص من مقامه وقدره ومعرفته!
طاهر باقر