مدرسة القرب الرائدة

مدرسة القرب الرائدة
الثلاثاء 26 غشت 2025 - 23:55

من أهم وأفضل الكتب التي قرأتها في مجال السياسة التعليمية، كتاب “توفير التعليم لـ 1.3 مليار إنسان”، الذي كتبه الخبير لي لانكينغ، أحد النواب السابقين لرئيس الحكومة الصينية. وهو كتاب يتحدث فيه صاحبه عن السنوات العشر (2003–1993) التي قضاها في إصلاح قطاع التعليم وتطويره. واستطاعت الصين خلال هذه العشرية تحقيق تحولاتها الكبرى في هذا القطاع الحيوي في ظل مشروعها الإصلاحي الاستراتيجي لسنة 1978، الذي اعتمدت فيه القيادة الصينية الجماعية نظرية الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي، واضعة التنمية الاقتصادية على رأس أولوياتها، وكان قطاع التربية والتعليم والتكوين فيها أحد أركان عملية التطوير والتحديث. في المغرب، انطلقت عشرية الإصلاح، في ذات السياق الدولي، مع لجنة الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999، وفي سياق وطني انتقالي نوعي كان من أبرز معالمه التناوب التوافقي مع حكومة المرحوم عبد الرحمان اليوسفي.

إن مجرد مقارنة بسيطة بلغة الأرقام والمؤشرات لحالة منظومة التربية والتعليم والتكوين في دولة الصين الكبرى قبل عشريتها الإصلاحية وما صارت عليه اليوم، وما حققته من انتقالات نوعية في مجال التعليم الإلزامي ومحو الأمية والتعليم المهني والتعليم التقني والرقمي والبحث العلمي المخبري، وحجم استثمارات وتدخلات الصين في سوق اقتصاد المعرفة التكنولوجية والرقمية، كما في السوق الاقتصادية العالمية، يتأكد بما لا يدع مجالاً للشك بأهمية قطاع التربية والتعليم والتكوين ضمن الحراك التنموي الوطني من جهة، وبالدور الأساسي للإرادة السياسية والقيادة الجماعية المتشبعة بأولوية الإصلاح من جهة ثانية. إن قطاع التربية والتعليم والتكوين قطاع محوري في التنمية والاقلاع الاقتصادي والاجتماعي، وخاصة إذا ارتبط إصلاحه برؤية استراتيجية إصلاحية شمولية تضع ضمن أولوياتها الإصلاح الاقتصادي واقتصاد المعرفة والانفتاح على السوق العالمية والتعاطي الإيجابي مع تحولاتها الكبرى والنوعية، رؤية مدعومة بإرادة سياسية تنفيذية حقيقية قائمة على الالتقائية والعمل الجماعي وتفويض المسؤوليات وتحديدها وربطها بالمحاسبة.

هكذا، إذن، يُعَدُّ إصلاح منظومة التربية والتعليم والتكوين في كل بلاد العالم مسلسلاً مسترسلاً وغير منتهٍ، ولا ينبغي له ذلك. لأن الإصلاح في حد ذاته ليس فعلاً للبدايات المقطوعة أو التأسيسات المعزولة، وإنما هو فعل تقييم متعدد المستويات والمدخلات في سياق تاريخي سياسي واقتصادي واجتماعي محدد؛ وفعل استئناف متجدد؛ وفعل استيعاب وملاءمة للتحديات والرهانات؛ كما هو فعل مواكبة من أجل ضمان التكيف الجيد مع مستجدات الواقع والسياق. تلك المواكبة التي تستدعيها حالة منظومة التربية والتعليم والتكوين وهي تواجه ثنائية أسئلة الواقع وتعثراته وتناقضاته من جهة، وأجوبة المستقبل وتحدياته ورهاناته من جهة ثانية. والهدف دائماً هو ضمان الفعالية الوظيفية لهذه المنظومة عن طريق التجاوب مع السياق العام الداخلي أو الخارجي على حد سواء، ومع نوعية التحولات الحاصلة في منظومة العلائق متعددة العناصر (الاقتصادية، السياسية، الثقافية، الاجتماعية)، أو في عنصر من عناصرها الأكثر تأثيراً أو الأكثر أولوية، بما يتلاءم والمخرجات الإنتاجية والوظيفية للمدرسة. كما يستدعيها الطموح والتخطيط الاستراتيجي بما تستوجبه معايير التعديل وضبط المسار وتدقيق الإجراءات واستيعاب الحاجات المستقبلية. ومن ثمة يمكن أن يأتي إصلاح المدرسة مثلاً استجابة لرهانات سياسية مرتبطة بترسيخ نموذج متقدم للمواطنة، كما يمكن كذلك أن يأتي استجابة لرهانات اقتصادية لتلبية حاجات النمو الاقتصادي وتغطية حاجات سوق الشغل بكفاءات تقنية وتنفيذية بمواصفات معينة. كما يمكن أن يأتي استجابة لرهانات النظام الاجتماعي القائم من أجل استدامة خصوصياته وتناقضاته وأنماطه العلائقية.

على المدرسة أن تكون في مقدمة الاستجابات، بل في مقدمة الأسئلة المجتمعية الاستراتيجية، كما في الإجابات عن أسئلة من قبيل: كيف نصل إلى تلك النسخة المتقدمة منا كجماعة بشرية ضمن سياق تاريخي وجغرافي وبيئي؟ وكيف نصل إلى تلك النسخة الأقل ضرراً على الحياة من حولنا؟ وكيف نصل إلى تلك النسخة الأكثر رفاهية لغالبية الشرائح الاجتماعية في مجتمعنا؟ وكيف نصل إلى تلك النسخة الأكثر حضوراً والأكثر تأثيراً في سوق اقتصاد المعرفة؟ ومن ثمة، كيف تصير منظومتنا التربوية قادرة على التنافس في سوق الأنظمة التربوية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار علاقة هذه المنظومة بسوق الشغل الذي تعرضه الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات، في أكثر من موقع وفي أكثر من دولة؟

على ضوء هذه الرؤية العامة، يمكن أن نعالج وضعية المدرسة المغربية العمومية، بخصوصياتها وبتحدياتها وبرهاناتها، في سياق تحولاتها الكبرى المنتظرة من أجل مدرسة الجودة للجميع كسيرورة ضمن نسق التحول العام الذي تعرفه الأمة المغربية دولة ومجتمعاً. أو لنقل بشكل أوضح: علينا أن نعالج وضعية المدرسة ضمن هذه الرؤية ونحن نفكر في سؤال الحق في التنمية من أجل الارتقاء بالفرد والمجتمع.

ونحن نتابع مسار إصلاح المدرسة المغربية العمومية، على الأقل خلال الربع قرن الأخير، بما في ذلك مرحلة التحول الجاري إنجازه اليوم، لا يمكن أن ننتهي في المجمل إلا إلى خلاصة مفادها أن منظومة التربية والتكوين، وخاصة على مستوى القطاع المدرسي، حققت تراكمات كمية وإيجابية لا يمكن إنكارها، وحققت تحسناً ملحوظاً في بعض المؤشرات ذات الصلة بتعميم الولوج إلى الحق في التعليم (العرض التربوي)، إذا ما تم مقارنة هذا القطاع بباقي القطاعات الاجتماعية الأخرى، كالصحة مثلاً، بالرغم من الاختلاف المسجل في السرعات، وفي مؤشرات جودة الولوج، بين هذا الوسط وذاك، وبين هذه الجهة وتلك، وبين هذا الإقليم وذاك. ومع ذلك، فإن الأكثر إثارة للانتباه والاهتمام، إذا ما استحضرنا التكلفة الباهظة في الجهد وفي الوقت وفي رصيد الثقة، هو أن هذه المنظومة ما زالت في وضعية أزمة بنيوية مركبة لم تتجاوزها بعد، نتيجة ما تعانيه من أعطاب تجعل ما تحقق من تراكمات ومكتسبات على مستوى تعميم الحق في الولوج إلى التعليم لا يمكنه أن يخفي حجم التعثر والتأخر الحاصل على مستوى تعميم جودة الولوج وتعميم الاحتفاظ، وكذا على مستوى تعميم جودة التعلمات ولو في حدها الأدنى والأساسي. وهذه الأعطاب نجملها في أربعة كبرى نُعِدُّها مهيكلة في اعتقادنا لهذه الأزمة القطاعية:

العطب الأول: يتمثل في طبيعة السياسات العمومية القطاعية المتتالية التي ظلت تنظر إلى صورة قطاع التربية والتكوين في مرآة متشظية، ومن زاوية ضيقة لا ترى فيه إلا قطاعاً اجتماعياً مكلفاً، في مقابل كونه قطاعاً منتجاً للوعي المضاد والمكلف سياسياً. علماً بأن كثيراً من الدول الصاعدة كانت منظوماتها التربوية قبل ثلاثة عقود فقط غارقة في تخلفها وفي أزمتها قبل أن تلتقط إشارات العصر فتقرر الاستثمار في هذا القطاع بكل ما أوتيت من قوة وتنقله من وضعية الهشاشة والتهميش إلى وضعية الأولوية والمحورية في سياساتها العمومية (دولة الصين مثلاً). ومن ثمة فإن غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى السلطات التنفيذية المتعاقبة، تحت ضغط جيوب المقاومة وإملاءات المنظمات الدولية المانحة والتحالف السياسي الاقتصادي المهيمن، يُعَدُّ واحداً من أهم أعطاب الإصلاح المتعدد الحلقات.

العطب الثاني: يتمثل في طبيعة حكامة منظومة التربية والتكوين نفسها، والتي تستمد مقوماتها من براديغم السلطة العمودية وإعادة إنتاج محورية التدبير المركزي البيروقراطي النازل، الذي لا يسمح إلا بهوامش ضيقة للمبادرة في إطار التنفيذ الإجرائي لتحسين الأداء لا في التفكير والاقتراح وصناعة القرار. وهو في حد ذاته براديغم يُجهض كل تحول حقيقي في اتجاه التفعيل السليم للجهوية المتقدمة وفلسفة تدبير القرب. إن منظومة التربية والتكوين لا يمكن أن تتجاوز أزمتها البنيوية إلا بالرفع من درجة انتمائها لمحيطها، وتعميق وتكثيف درجة احتضانها من طرف هذا المحيط، وتوسيع مساحة تفاعلاتها مع شركائها المحليين، بما يجعلها فضاء استثمارياً حقيقياً في الخدمة العمومية ضمن دائرة القرب.

العطب الثالث: يتمثل في طبيعة النموذج البيداغوجي الذي ظل تقليدياً في أساسه، محكوماً في إصلاحاته بالترقيع والتطعيم والترميق ضمن طقم “المستوردات” و”الإملاءات” و”الوصفات الجاهزة”، بوظيفة لا تتجاوز وظيفة إعادة إنتاج الفرد “النافع” “الزبون”، المتسم بالهشاشة في نظامه الإدراكي القائم على ازدواجية التقليد والتحديث، القابل للنمذجة وفق متطلبات براديغم السلطة وخصوصية النظام الاجتماعي القائم. نموذج يتخذ فيه المتعلم موقع الهامش التابع المتلقي المنفعل، بما يجعل منه موضوعاً مستهدفاً بنظام معرفي يستجيب لمتطلبات إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة من جهة، ويلبي حاجات اقتصاد السوق الهجين وفق نظام علائقي يرتهن لأخلاق العبودية الناعمة ومعاييرها ومقاييسها الاجتماعية، من جهة ثانية. ومن ثمة فهو نموذج بيداغوجي لا يدعم إلا المعرفة المنقولة والأجوبة اليقينية ضمن معادلة الصواب والخطأ على حساب السؤال المعرفي البنائي، ويتمحور حول المهارات المعرفية الدنيا دون المهارات العليا التي تسهم في تنمية الفكر النقدي والإبداعي لدى المتعلم وتعزيز موقعه المحوري كفاعل يتحمل مسؤوليته كاملة كفرد مواطن ضمن مجتمع يقوم على المشاركة ويتوق إلى التنمية الشاملة والمواطنة الكاملة. ومن ثمة فإن الوظيفة المستهدفة من هذا النموذج البيداغوجي دفعت العقل المدبر للشأن البيداغوجي إلى تكييف مختلف مكونات هذا النموذج مع طبيعة هذه الوظيفة سواء تعلق الأمر بالمقاربة البيداغوجية أو بالمضامين المعرفية أو بالمنظومة التقييمية أو بالمنظومة التوجيهية أو حتى بالمنظومة التكوينية.

العطب الرابع: يتعلق، من الزاوية الذاتية، بطبيعة المتخيل الجمعي وعقلية الفاعل المدرسي التي تشكلت في ظل أزمة الثقة المتراكمة بسبب تراكم الخسارات والفشل والهدر العام والإحباطات المتتالية التي أفرزتها المشاريع الإصلاحية السابقة وباءت بالفشل بقوة الواقع والنتائج أو أجهضت بالإكراه بفعل فاعل، ولم تخضع في مجملها للتقييم الموضوعي، بل وظلت تدور ضمن دوامة من الانكسارات والتراجعات. كما يتعلق بموقع هذا الفاعل المدرسي ضمن التراتبية الاجتماعية والمكانة الرمزية. أما من الزاوية الموضوعية، فيتعلق بغياب أطر مرجعية للكفاءات والمهن والجودة وما يتعلق بها، إن على مستوى التكوين الأساس أو التكوين التأهيلي المهني والوظيفي أو على مستوى التكوين المستمر والبحث التدخلي المندمج والمواكبة المهنية بما يسهم في الرفع من جودة الممارسات الإدارية والتربوية بمختلف أبعادها ومستوياتها، ويجعل الفاعل المدرسي في قلب العمليات الإصلاحية.

أمام كل هذه الأعطاب المتراكمة ظلت المدرسة المغربية العمومية محاصرة في وظيفتها وأدوارها، ليس فقط من حيث كونها اعتبرت في بداياتها الأولى آلية ناجعة وجيدة بمثابة مصعد اجتماعي تعيد بناء التوازنات الاجتماعية ضمن البنى الاجتماعية القائمة وتسهم في إنتاج طبقة وسطى حقيقية ومؤثرة في بنية الدولة والمجتمع تدعم التقدم والنماء، وإنما أيضاً في وظيفتها كمنتجة للوعي الممكن، وللخبرة الوطنية، وللرأسمال البشري الكفيل بإنتاج مقومات التقدم في مختلف مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة والتدبير. وكذلك في مهمتها الأساسية تجاه ذاتها باعتبارها محققة للتراكم ومنتجة للخبرة ولشروط التقدم والنماء في إقامة نموذج مدرسي مغربي بنموذج بيداغوجي أصيل يستند إلى تراكمات هذه المدرسة ذاتها ويضمن لها خصوصيتها في النماء والتطور، كما في الأصالة والملاءمة والانسجام، ضمن بيئة وطنية آمنة وسليمة محفزة على الانخراط والمشاركة الفاعلة والابتكار والإبداع، تؤطرها معايير الالتزام وأخلاق المسؤولية وضوابط الانتماء.

وعليه، فقد استطاع العقل المهيمن في واجهتيه التنفيذية والإدارية أن يرهن معه ضمن المدى الزمني الانتخابي العقل التربوي في واجهتيه التدبيرية والبيداغوجية. وهكذا تم تحديد مهام هذا العقل التربوي وظيفياً في تقديم الأجوبة المتاحة عن سؤال “كيف” الإجرائية دون سؤال “لماذا” الغائية. وعلى ضوء هذا التوجه الوظيفي الجديد تحول هذا العقل من الانتساب الواجب إلى منظومة التفكير الاستراتيجي نحو الانتساب التبعي إلى منظومة التفكير الأداتي الإجرائي الذي يتحدد وجوده في العلاقة العمودية من المركزي إلى الجهوي إلى الإقليمي إلى المحلي. في حين يحدد التفكير الاستراتيجي وجوده في العلاقة التصاعدية العكسية، أي من المحلي في اتجاه المركزي بما يجعل معيار القرب هو المحدد الأساس، ليس فقط للفعل البيداغوجي والإداري، وإنما لتحليل مجموع الأفعال والممارسات واستخلاص النتائج وبناء خطط التطوير وصياغة الرؤى. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل مشروع المؤسسة المدرسية المستقلة التي تصنع ريادتها بنفسها، ريادة حقيقية تقوم على تنمية مجتمع التعلم في شموليته، وترسيخ قيم العمل التشاركي والتعاوني بين مجموع مكونات مجتمع التعلم، وتوطين الاستقلالية البيداغوجية للمدرسين، بما يسمح بتوسيع مساحة الحرية في الممارسات المهنية التدبيرية والتأطيرية والتدريسية والتوجيهية والتقييمية.

إن التوجه الحقيقي نحو إرساء مشروع المدرسة المستقلة من خلال مشروعها المندمج لا يمكن أن ينسجم مع التدبير العمودي والنمطي المنمذج للاستراتيجيات وللممارسات، وإنما يتطلب إعادة النظر في فلسفة التدبير الإداري والبيداغوجي وتغيير الترسانة القانونية المحددة للمهام الوظيفية. كما يتطلب ثانياً إعادة النظر في فلسفة التكوين الأساس والمستمر وآليات المواكبة والمراقبة والتقييم، استناداً إلى توجهات النص المؤسس للمدرسة الجديدة وأحكام القانون الإطار 51.17.

في ضوء الخلاصات التي انتهينا إليها أعلاه، وفي تحليلنا لأعطاب المدرسة العمومية لا بد من التأكيد على أن هذا العقل التنفيذي المهيمن حقق نتائج مهمة، ونجح في تحويل العقل التربوي من دائرة انتسابه إلى التفكير الاستراتيجي المنتج للوعي التدبيري والبيداغوجي الممكن إلى دائرة التفكير الأداتي الإجرائي المنتج للوعي التدبيري والبيداغوجي الزائف، بغاية فصله وتحييده، بل وتعطيل قدراته في التحليل والتفكير والنقد، والاكتفاء بالاستثمار في خبراته التقنية من أجل تحسين الأداء بإنجازات قابلة للملاحظة والقياس.

إن التقدم في مسار تفعيل الجهوية المتقدمة في مجالات التربية والتعليم والتكوين على مستوى المدرسة يبدأ بالتقدم في ترسيخ جهوية التفكير وجهوية الرؤية وجهوية التخطيط وجهوية القرار بما يجعل الثقة ممكنة ومتحققة في الفعل.

وهذا كله يبدأ، في اعتقادنا، بإرساء مشروع مدرسة القرب من خلال مأسسة حقيقية لمشروع المؤسسة كإطار منهجي للتفكير المحلي في قضايا المدرسة وتوحيد جهود مختلف الفاعلين والشركاء والداعمين، وفي تدبير الشأن الإداري والتربوي بهذه المدرسة باعتبارها فضاء التقائياً مندمجاً ضمن المسؤولية المشتركة لمختلف الفاعلين والشركاء ما دامت التربية والتكوين خدمة عمومية تقع ضمن مسؤولية الدولة والجماعات الترابية والأسرة والمجتمع المدني ومختلف الشركاء المحليين.

يتطلب إرساء استقلالية المدرسة في إطار مشروع المؤسسة المندمج النظر إليه باعتباره مشروعاً تدير من خلاله المدرسة ذاتها بذاتها، باعتبارها مجتمعاً للتعلم وليست مجرد مؤسسة تنفيذية انضباطية. مشروعاً يقيم الجسور بين المدرسة ومحيطها، مشروعاً لا تنحصر وظيفته في مجموع العمليات التدبيرية، ولا يكتفي، في مقابل ذلك، بإنتاج الاستراتيجيات والتخطيط للعمليات التنفيذية في ظل خصوصيات المدرسة والمجال الذي تنتمي إليه وحسب، وإنما يتحول ذاته إلى فضاء مفتوح في وجه مختلف الفاعلين الإداريين والتربويين وجماعات المتعلمين، للتعلم، وتنمية الخبرات، والتمرن على تفعيل آليات التعاون والتضامن المهني، وإلى مشروع يشتغل من خلال آلياته المؤسساتية والقيادية بدءاً بمجالس المؤسسة بما في ذلك المجالس التلاميذية وصولاً إلى لجنة قيادة مشروع المؤسسة المحلي إلى مشروع الحوض المدرسي إلى المشروع الإقليمي إلى المشروع الجهوي.

إن مشروع مؤسسة القرب المندمج هو ذاته المشروع الذي يعكس مشروع المدرسة الجديدة التي هي مدرسة المستقبل. ومن ثمة لا يمكن بناء مدرسة القرب إلا من خلال مشروعها الذاتي المتراكم الذي يجعل أفقه الريادة القائمة على الإبداع والابتكار والنجاعة والتحسين المستمر، انطلاقاً من خصوصيات هذه المدرسة، وخصوصيات مجتمع التعلم الذي تمثله، وخصوصيات محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. إن الريادة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا في ضوء خصوصية المدرسة ذاتها من حيث إمكانياتها، ومن حيث بنياتها وتجهيزاتها، ومن حيث طبيعة الخبرة التي راكمتها من جهة، وفي ضوء علاقتها بمحيطها وطبيعة الفاعلين والشركاء المحليين من جهة ثانية.

على هذا الأساس، إذا كانت الأعطاب المعيقة لإصلاح المدرسة تتطلب إرادة سياسية حقيقية يبديها الفاعل الحكومي ويمارسها بفعالية تجعل المصلحة الفضلى للوطن فوق كل اعتبار، تتبلور في إطار فلسفة إصلاحية تبدأ بالمدرسة ذاتها؛ وأن مدرسة القرب توجد في صلب هذه الفلسفة الإصلاحية؛ فإن مدرسة القرب تتحقق عن طريق الدفع في أفق مأسسة حقيقية لمشروع مؤسسة القرب المندمج استناداً إلى النص المؤسس للمدرسة الجديدة وأحكام القانون الإطار وفق سيرورة مندمجة في ظل ما يلي:

أولاً: في ظل تعبئة مجتمعية حول المدرسة تقوم على الحقائق مهما كانت صادمة لا على التعتيم، وتتمحور حول مؤشرات الجودة النوعية والتحولات المنشودة لا على الحصيلة الكمية. وليس هناك أفضل من نموذج منتديات الإصلاح التي أُطلقت في مرحلة سابقة وتم إجهاضها دون أن تستكمل مهمتها، شريطة مأسستها وتطوير آلياتها وتوسيعها وربطها بالمدرسة والمجتمع المحلي من خلال ما يعرف بالأحواض المدرسية على أن تكون هذه المنتديات آلية مجتمعية للمواكبة والتعبئة، وتكون توصياتها منطلقات للتجديد والتطوير.

ثانياً: في ظل مشاركة حقيقية لتنظيمات المجتمع المحلي سياسية ومدنية ونقابية محلية. تتحمل مسؤوليتها كاملة في التنظيم والتأطير والتعبئة والتمثيل بما يجعلها قادرة على المشاركة بفعالية من داخل هذه المنتديات، وبما يجعلها قادرة على التفكير الاستراتيجي المنتج للبدائل والاقتراحات على الصعيد المحلي من جهة، ويجعلها قوة اقتراحية قادرة على التفاوض الفعال والمؤثر في ميزان القوى من جهة ثانية. إن المدرسة لا تنتج المعرفة والتأهيل المهني والإعداد للحياة المهنية والاجتماعية وحسب، وإنما أيضاً ترفع من درجة الوعي الممكن، وتسهم في تغيير نظام الإدراك، وتسهم في الارتقاء بالتفاعلات الاجتماعية المحلية. إن المجتمع المدني سيرورة بنائية من خلال تفاعلاته ومبادراته ومشاركاته، وليس مجرد معطى يُخلق خلقاً لأداء وظائف تحت الطلب، كما كانت تُخلق الأحزاب السياسية. لقد انتهى زمن اليقينيات والإيديولوجيات المتصارعة، وانتهى زمن الإقصاء، وأصبحت المشاركة المدنية والعمل الجماعي الميداني والتفكير المشترك ضرورة تنموية، ولا يمكن التفكير للنهوض بمدرسة القرب والتنمية المحلية إلا في ظل هذه الفعالية الجماعية.

ثالثاً: في ظل تحيينات منسجمة للنموذج البيداغوجي انطلاقاً من تراكمات المدرسة نفسها، واستناداً إلى الخبرة الوطنية. وهذا التحيين يمكن أن يتم في ظل ما يمكن تسميته بالتربية على الحياة ضمن مستلزمات إرساء الحق في التنمية. على أن تشمل مداخل هذه التربية: التربية الأخلاقية والقيمية وقواعد العيش المشترك بما في ذلك التربية البيئية والجمالية والعمرانية؛ تنمية وتطوير الكفايات النوعية والمهارات المعرفية والحياتية في ضوء مستلزمات بناء وتطوير وتدقيق المشروع الشخصي للمتعلم؛ ثم التربية الرقمية وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي.

رابعاً: في ظل تصور عملي لمأسسة مشروع مؤسسة القرب المندمج يتجاوز المقاربة التدبيرية الأداتية ويستهدف تنمية المجتمع المدرسي كمجتمع للتعلم وتنمية الخبرات عن طريق تفعيل مجالس المؤسسة تفعيلاً وظيفياً بما في ذلك المجالس التلاميذية، بما يجعل المدرسة فضاء مفعماً بالحياة ويستجيب لحاجات المتعلمين الحقيقية. وهذا لن يتحقق إلا بالرفع من مؤشرات الثقة في مجتمع المدرسة عن طريق نوعين من الاستقلالية: الاستقلالية الإدارية في إطار تدبير القرب القائم على القيادة الجماعية والتعاونية بين جماعة الفاعلين الميدانيين على أساس وحدة الهدف، والانفتاح على المحيط المحلي والمجالس المنتخبة والمجتمع المدني. ثم الاستقلالية البيداغوجية التي تسمح للمدرسين، تحت إشراف هيئة التأطير والمراقبة والتفتيش، ومن خلال مشاريع بيداغوجية محلية، بتفعيل آليات الإنصاف البيداغوجي وتنمية التعلم في مختلف مساراته. على أن تحتفظ الإدارة المركزية بوضع الأطر المرجعية للمناهج والبرامج والمقاربات البيداغوجية والدلائل المرجعية للوظائف والكفايات والأطر المرجعية للجودة والتقييم الداخلي والخارجي بالإضافة إلى المواكبة والمراقبة وتقييم أداء المؤسسات التعليمية والتدبيرية وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وتتكفل بالبنيات التحتية والتجهيزات الأساسية المصالح الخارجية المعنية في إطار الالتقائية التي تؤطرها وتنظمها وتديرها ما يمكن أن نسميه ب”الوكالات الجهوية للتنمية المدرسية”.

خامساً: في ظل رؤية مندمجة لتعميم التربية الرقمية ضمن المناهج الدراسية بالتعليم الابتدائي، وضمن الأنشطة المندمجة بحصص قارة، يسهم في إنجاز أنشطتها في إطار شراكات مع المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. على ألا تستهدف هذه الأنشطة جماعات المتعلمين المتمدرسين وفقط، وإنما أيضاً تُفتح في وجه المجتمع المحلي من خلال أنشطة ملائمة للحاجات، وميسرة الولوج لفائدة الشباب المحلي. تسهم في مواجهة التحولات الخطيرة التي يعرفها الشباب المهزوم والمهمش، ذكوراً وإناثاً، بالوسط القروي، نتيجة التغيرات المناخية، والإجهاد المائي، وصعوبة الولوج إلى الفلاحة الاجتماعية؛ ونتيجة الفراغ القاتل وقلة فرص الشغل المنتج والضامن للكرامة، وانخراط هؤلاء الشباب نصف متعلم في عالم وسائط التواصل الاجتماعي، ليس فقط لاستهلاك المنتوجات الرقمية الضحلة وحسب، وإنما باعتباره منفذاً لولوج عالم “الثروة” بإمكانيات ولوجية في أغلبها تافهة أو غير مشروعة. ودليلنا في ذلك تزايد اتساع مساحة “مؤثري ومؤثرات الروتينيات اليومية” المنتمين إلى الوسط القروي.

على ضوء ما سبق، نخلص إلى أن النهضة التربوية المنشودة التي بشّر بها النموذج التنموي الجديد هي في حقيقتها سيرورة تحول، تنجزه المدرسة في ذاتها وفي ممارساتها التربوية والتدبيرية وفي مخرجاتها، استناداً إلى النص المؤسس للمدرسة الجديدة. وهذا التحول لا يمكنه أن يكون تحولاً فعالاً إلا بتحول في مداخلات التربية على الحياة ومكوناتها ومساراتها وأنشطتها، وبتحول في السيرورات التدبيرية الميدانية التي في صلبها يوجد مشروع مؤسسة القرب المندمج. هذا المشروع المستند إلى توسيع معقول في دائرة الاستقلالية، وتفويض في الاختصاصات، وتنويع في آليات التعبئة المجتمعية والرفع من مؤشرات الثقة في المجتمع المدرسي وفي محيطه، وتفعيل نموذج المراقبة البعدية والتقييم المنتظم لنجاعة الأداء تفعيلاً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وأن من رحم مشروع مؤسسة القرب المندمج تولد مشاريع مدارس الريادة كجواب عملي وميداني عن أسئلة خصوصية المدرسة، لأن مشروع الريادة في طبيعته مشروع صاعد، ولا يمكن أن يكون مشروعاً نازلاً عبر درج التدبير البيروقراطي التقني والتنفيذي محوره المركز وموضوعه الهامش التابع.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الأربعاء 27 غشت 2025 - 21:11

    «Tu me dis, j’oublie. Tu m’enseignes, je me souviens. Tu m’impliques, j’apprends»
    “أنسى إن أخبرتني. أتذكر إن علمتني. أتعلم إن أشركتني.”
    (B Franklin)

    أستاذي،
    في تأملك العميق لمسألة إصلاح المدرسة المغربية، تكشف عن عمق الأزمة بنظرة شمولية تجمع بين السياسة،الإدارة، البيداغوجيا، والمجتمع. لقد رسمت صورة حية لمنظومة التربية التي ما زالت تتخبط بين الإرث البيروقراطي ونموذج التعليم التقليدي، لتظل حبيسة المجهودات المحدودة والوعود المتكررة.دعوتك لمشروع مدرسة القرب لا تعني فقط تحرر المؤسسات التربوية من المركزية، بل تدعو إلى بناء نموذج مجتمعي متكامل يُعيد للمدرسة دورها التاريخي كفضاء للنمو الإنساني والثقافي والاقتصادي، مندمجة في محيطها ومحفزة على الابتكار والقيادة.

    هذا المشروع، كما ترى، هو جوهر التحول المطلوب ليصير التعليم رافعة حقيقية لمستقبل أفضل، عبر استقلالية حقيقية ومدخلات تشاركية تمكّن المدرسة من التفاعل الإيجابي مع محيطها، ومن بناء المواطنين القادرين على خلق الفرق والتغيير.

    «التعليم الحقيقي هو ذلك الذي يُشعل نيران الفضول في عقول المتعلمين ولا يُقيدها بجدران المكاتب والإدارات»

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا