مستحقات الولد..

مستحقات الولد..
الخميس 27 فبراير 2025 - 22:42

من غياهب الإبهام إلى ضوء الإبانة

بعد انفكاك عُرى الزوجية بين الرجل والمرأة، تبرز واجبات الأب، الذي يكون ملزما بأن يؤديها عطفا على مسؤولية القوامة التي طوقه بها الشرع، وهي أصلا ولاية كلف فيها الزوج بالنفقة ورعاية الزوجة والحفاظ عليها، ولكن قوة الكلمة ووزنها والرمي بها إلى الواجهة كلما حدث نزاع بين الزوجة والزوج، جعلتنا نعتقد أنها تقصد وتشمل حتى الأولاد، وإذا كانت مدونة الأسرة قد حددت هذه الواجبات، في واجب النفقة والحضانة والسكنى، فإن من أبرز السهام التي دائما ما توجه لأحكام المحاكم بخصوص هذه الواجبات الأخيرة، هو عدم وجود ناظم تشريعي، يُحدد هذه الواجبات بدقة أو بمحددات تجعل القاضي حين يحكم بهذه الواجبات، يحكم وهو مطمئن لأن حكمه كان بناء على نصوص قانونية تحدد بدقة هذه الواجبات، ولن يحكم بناء على سلطته التقديرية وبناء على ما وجده بين يديه من وثائق تتعلق بعمل أو مهنة الأب، أو بناء على خبرة قضائية تقرب المحكمة من تحديد مدخول الأب النسبي أو التقريبي من مهنته أو تجارته، دون تحديد شامل ودقيق يهم كل واحد حسب دخله دون تفريق أو تفريط، ويحكم دون أن يجد من يواجهه مباشرة أو عبر ناقل أخبار بأنه في حالة مشابهة حكم بأقل من ذلك بقليل أو كثير. لذلك في اعتقادي فإن الاستمرار في عدم وضع جدول بياني تحدد فيه الواجبات المستحقة للأولاد ومستحقات الزوجة في المتعة كذلك، كالتي يحكم فيها لضحية حادثة سير سيجعل المحاكم المغربية تختلف بشكل غير متوازن، كما هي الآن، في تحديد هذه الواجبات من شخص لآخر ومن منطقة لأخرى ومن محكمة لثانية ومن قاض لآخر، بل قد تصدر أحكام عن نفس المحكمة في حالات شبه متشابهة من حيث مدة الزواج وأجرة الزوج ومسؤولية أحد الأطراف عن التسبب في اللجوء للتطليق أو الطلاق، ونقف على اختلاف قد يكون كبيرا بين حكم وآخر في تحديد هذه الواجبات، لذلك فأعتقد أن استمرار الوضع على ما هو عليه، في عدم وضع جدول يُحدد الواجبات التي يمكن أن تحكم بها المحكمة بناء على أجرة الزوج ومدة الزواج وعدد الأبناء ومسؤولية كل طرف في انفراط عقد هذا الزواج، سيُبقي سهام النقد الموجهة لبعض الأحكام متواصلة، تُوجه من طرف من يعتبر نفسه متضررا من حكم المحكمة في تحديد هذه الواجبات سواء كان ذكرا أو أنثى، بعد أن يرفع شخص في مثل حالته حُكم لصديقه أو جاره أو قريبه أو عبر ما سمعه بواجبات من الواجبات المحددة له.

لذلك فالحل في نظري يقتضي أن يعمل المشرع على وضع جدول مماثل لجدول تعويض حوادث السير، يكون خاصا بالواجبات التي يمكن أن يحكم بها على الأب، تراعى فيها مجموعة من الضوابط، منها أجرة الزوج أو مدخوله من مهنته أو تجارته، ومدة الزواج وعدد الأطفال، ومراعاة مسؤولية كل طرف من الزوجين عن الفراق، وكذا يجب علينا أخذ عمل الطليقة من عدمه كذلك بعين الاعتبار، ففي نظري، مثلا مهما كان دخل الزوج وعدد أولاده وحتى لو كان مسؤولا عن هذه الفرقة، لا يمكن أن تحكم عليه المحكمة بأكثر من خمسين في المائة من أجرته، من خلال تسطير نص يحدد أن الواجبات المحكوم بها على الأب لا يمكنها أن تتجاوز نصف أجرته مثلا أو المبلغ المتبقي من أجرته بعد خصم ما يقتطع من أجرته من ديون، كذلك فلا يمكن أن نجعل في نفس الكف والميزان مطلقة بولد أو أولاد لا عمل لها، لنحكم لها بنفس الواجبات التي يُحكم بها لأخرى مطلقة بولد أو أولاد تعمل وأجرة عملها مثلا تبلغ 20000 درهم، فعمل المطلقة كيفما كان والأجرة التي تكسبها، يجب أن يكون محددا جديدا في التعديلات الجديدة لمدونة الأسرة، فشعار المساواة بين الرجل والمرأة، يجب معه أن نخفف من واجب الإنفاق المغلف بفكرة القوامة المغلوطة في بعض الأحيان، التي ترفعه النساء دائما وتُبصم عليه وتشد على ركيزته لكي لا تتزحزح بوصلته من تحت رجليها، وهو مبدأ يمكن أن يكون، حين تكون المرأة بدون عمل، تعيل أسرة بها ولد أو أولاد، ولكن حين تخرج المرأة إلى العمل، وتكسب منه أجرا، فهي إن كانت غير معنية بالإنفاق وهي في بيت زوجها، فهي حسب رأيي تصبح ملزمة بتقاسم مسؤولية الإنفاق مع طليقها على أولادهما، خصوصا إذا كانت هي المتسببة في حصول التطليق أو الطلاق، فالعدالة في سن مستحقات الأولاد بين والديهما، واجب في نظري حين يكون الطليقان يعملان، فقد حدثت حالات ونظرت فيها المحاكم، وقفت فيها المحاكم على أن الزوجة العاملة، كانت هي المتسببة في حصول الطلاق أو التطليق نتيجة خيانة زوجية أو لسبب آخر، وكان لها معه ثلاثة أبناء أو أربعة، والزوج يكون أجره مثلا يساوي 8000 درهم، وتحكم المحكمة لكل ابن ما بين النفقة والحضانة والسكنى بمبلغ 1100 درهم، ليكون على الأب أداء مبلغ 4400 درهم، ويتبقى للأب مبلغ 3600 درهم فقط كأجرة شهرية، هذا إذا لم تكن له قروض بنكية، أما إذا كانت له قروض، فالمبلغ الذي يتبقى له يكون صغيرا جدا لن يكفيه حتى لنفقة أسبوع على نفسه، فتعديلات المدونة يجب أن تجد حلا لمثل هكذا حالات، كما أن المحاكم المغربية، لا تنظر بعين مدققة ومنتبهة للقروض التي تكون على عاتق الرجل حين تحديد المستحقات التي سيمنح للأولاد، لأن مدونة الأسرة لم تضع لهم أي مقتضى قانوني يلزمهم بذلك.

لذلك أرى وأدعو في الوقت نفسه، من يحملون مسؤولية تعديل مدونة الأسرة إلى أن يضيفوا فصولا، تحدد أثناء حكم المحكمة المبلغ المستحق لكل ولد، وتحدد بناء عليه مسؤولية كل طرف عن التطليق، فإذا كانت الزوجة مثلا تعمل، تحكم المحكمة بأن يتحمل الزوج مثلا أداء نصف المبلغ المحدد كمستحقات شهرية لكل ولد، وتلزم المحكمة الأم بأداء نصف المستحقات بعد تحميلها نصف المسؤولية عن الفراق، وقد يقول قائل ما هو ذنب الأبناء في حرمانهم من جعل الأب يؤدي مستحقات الولد كاملة، وفي نظري هو نفس السؤال الذي يقابله وملخصه ما ذنب الأب في أداء كل المستحقات عن فراق كانت الزوجة مسؤولة عنه بنسب قد تكون كبيرة في بعض الأحيان، ويكفي أن نعلم بأن دولة كالولايات المتحدة، فيها قوانين أسرية، تجعل مستحقات الأبناء على الوالد أو الوالدة، ويكون تحديدها بناء على ظروف القضية ومعطياتها وثراء الزوجين ومهنتهما، بل إن هذا القانون فيه معطيات قد نستغرب من تضمينها، ولكن هي في كنهها وعمقها وفلسفتها مهمة ومقدرة لعلاقة زوجية استمرت بين ذكر وأنثى مدة من الزمن ونتج عنها أولاد، ففي هذه الدولة، بعد وقوع الطلاق، في الحالة التي تكون فيها الطليقة ميسورة أو تعمل عملا مدرا للربح، وطليقها بدون عمل، أو يعاني من البطالة، يمكن لمفارقها أن يطلب من المحكمة أن تحكم على مفارقته بأن تؤدي له، مبلغ نفقة شهري، وهو قانون يحفظ شعرة معاوية بين طليقين، عاشا لحظات من السعادة في وقت من الأوقات أو في أوقات كثيرة، أثمرت أولادا، لذلك كان قانون الولايات المتحدة الأمريكية، ذكيا في جعل علاقتهما التي كانت ستنتهي بصفة شبه نهائية، تستمر بطريقة أخرى، وتكون فيها تضحية مالية من الطرف الغني منهما، يقدمها للطرف المحتاج منهما، وبالضبط حين يكون بينهما أولاد، وهي فلسفة بعيدة كل البعد عن ما يجري عندنا حين ينتهي الزواج بالطلاق، فتبدأ حروب بين الزوجين السابقين وبين أسرهما، قد تضر بشكل مباشر بالأبناء أو بشكل غير مباشر تؤثر على نفسية وشخصية الأولاد، وحتى لا نكون مغيبين لما يجري في دولة عربية، تعتبر من الدول العربية الرائدة في حقوق المرأة، ففي تونس مثلا، هناك حق يسمى حق الجراية، بشروط معينة تتمكن المرأة المطلقة من طلب الحكم لها بنفقة خاصة بها، ويستمر طليقها في أدائها لها، إلى حين وفاتها أو تزوجها من شخص آخر. ولكن تونس ليست هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر الرجل والمرأة كيانا واحدا، ما يمكن أن يفرض من واجبات على الرجل يمكن أن يفرض على الأنثى كذلك، فالمساواة في الحقوق والواجبات بينهما حقيقية، أما عندنا فواجب الإنفاق الذي تسيجه القوامة والذي يجب التخفيف من شدته في ظروف وحالات معينة مازال يلعب لصالح المرأة، وبما أن المرأة في الدول الإسلامية هي التي ترفع شعار تعديلات مدونة الأسرة، وترغب في المزيد من الحقوق والامتيازات، وبما أن تاج الإنفاق والقوامة الموضوع على رأس الرجل المسلم، والذي يجعل الكثيرين يستلذون بجلال قدره المعنوي والنفسي والديني، هو تاج لا تريد المرأة أن ترفعه من رأس الرجل، والتشرف بوضعه على رأسها في حالات محددة، فهي لن تدافع وترافع لتكليفها بمسؤولية يحملها الرجل فوق كتفيه، ولا ينادي بالتقليل من حملها، ورفع صوته من أجل أن تحملها الأنثى في حالات معينة محددة بشكل دقيق تتم ترجمته على مستوى الواقع، وفي نظري من أجل تحقيق العدالة وترجمتها واقعا بين طليقين انفصلا، يجب أن تعمل القوانين على الموازنة في ما بينهما في تقاسم مسؤولية الإنفاق، ودائما أقول في حالات معينة، لأنه في نظري، امرأة لا تعمل، أنا مع استمرار إنفاق الرجل على أبنائه بعد الفراق بشكل شبه كامل، ولكن ثبوت مسؤولية كبيرة وخطيرة لزوجة لا تعمل في لجوء الزوج للطلاق أو التطليق، أو لجوئها لطلب التطليق، وتسببها في تصدع الأسرة، لا يمكن مع حالات مماثلة أن يستمر القانون في إغماض عينيه ولعب دور النائم الذي لا يعي ما يجري أمامه، لأن عليه أن يتحرك بتسطير نصوص قانونية، تحمل مثل هؤلاء النساء مسؤولية ما عن هذا الفراق، وتخصم نسبة مسؤوليتها من الواجبات المحددة للأبناء، شرط أن لا تتجاوز المسؤولية التي يمكن أن يتم تحميلها لأية زوجة لا عمل لها في الطلاق، مثلا ثلثها في جميع الأحوال.

وحتى نكون منصفين، نشير إلى أن وزارة العدل بعد بدء العمل بمدونة الأسرة، وضعت جدولا بيانيا يحدد مستحقات كل ولد بعد الفراق بين الوالدين، بشكل تقريبي يراعي مجموعة من المعطيات، كأجرة الزوج وغيره، ولا نعرف لحد الآن السبب الذي عطل العمل بهذا الجدول وعدم اعتماده، هل هو تشريعي بسبب غياب النص عليه، أو بسبب آخر، وهذا الجدول البياني سيرفع الحرج عن المحاكم في تحديد الواجبات المترتبة عن الطلاق للأولاد، ويقلل من مسافة التفاوتات الكبيرة في أحكام المحاكم الذي قد تحصل في حالات متشابهة أثناء تحديد هذه الواجبات، ويرفع منسوب الثقة في أحكام المحاكم في قضايا التطليق والطلاق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 20:00

أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة

صوت وصورة
الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:49

الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة

صوت وصورة
رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05 7

رسالة يحيى يحيى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 2

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 6

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية