مشكلة الفكر السياسي الإسلامي...

مشكلة الفكر السياسي الإسلامي...
الأحد 14 يونيو 2015 - 13:35

طامتان كبيرتان يعيشهما الفكر السياسي الإسلامي تجعله ضيقا في آفاقه وتطلعاته،

الطامة الأولى متعلقة بكون جزء من دارسيه نصبوا سهامهم البحثية والدراسية والاستنباطية نحو النصوص التي تنتصر لأطروحة فقه الغلبة السلطاني، وخلاصة ما أفضت إليه هذه الأطروحة التاريخية أن ليس في الإمكان أفضل من القبول بالاستبداد المتغلب بالقوة، وأن أي محاولة للتخلص منه ستجر على الأمة الويلات، وأصحاب هذه الأطروحة ظلوا يتوارثونها جيلا بعد جيل وكتبا بعد كتب، وأعينهم كلها منصبة على “صفين” و”الجمل” و”كربلاء” و “سيف الحجاج” ومحنة الأصوات الحرة التي حوصرت،

بينما أدواتهم في التأسيس لهذه الأطروحة مبنية أساسا على “الضرورة” التي ولدت شرعا للاستثناء، فأضحت عندهم هي الأصل وهي الباقية إلى يوم الدين ولن يستطيع أحد رفعها.

في حين غفلوا أن الضرورة هي مرتبطة بالإكراه، والإكراه حالة مقيدة زمانا ومكانا وظروفا، ومطلوب تجاوزها لأنها ليست نهاية التاريخ والجغرافيا والإنسان، ولأن الإكراه ضرر يفقد فيه الإنسان حريته في الاختيار وفي القرار، والضرر يزال شرعا، فإن السعي نحو رفعه مهمة شرعية وإنسانية بامتياز، وكلما كان السعي حثيثا نحو رفعه كلما توسعت مساحة الحرية، وبالتالي كلما بدأت هذه الضرورة بالزوال، والسؤال هو ليس في الضرورة بل في مدى السعي المصر نحو رفعها…

هذه الطامة الأولى هي التي أعطتنا فقهاء “يسبحون” بحمد “السلطان” وهم “مطمئنون” ل”استدلالاتهم ولموازناتهم الشرعية”، وهي التي قتلت في طائفة من هذه الأمة كل إرادة للتحرر وكل أمل في امتلاك قرارها واختيارها، وهي التي صنعت لنا أحزاب “زور وتعمية” هنا وهناك، ومؤسسات “دينية” تحت رعاية السلطان “الحافظ لدين الله وظله في الأرض” هنا وهناك وبمسميات مختلفة وبمضمون استبدادي واحد، وهي التي أعلت من أولوية وحدة الوطن والأمة على حساب عدل الحاكم وحرية المواطن، وهي التي جعلت طائفة من “نخب” هذه الأمة، تنهال باللوم الشديد للأمة فهي المتواكلة وهي لا يصلح لها سوى هذا النوع من الحكم المطاع.

الطامة الثانية هي متعلقة بكون جزء آخر من الدارسين للتراث السياسي الإسلامي، لم يروا في هذا التراث سوى النصوص التي تفضي إلى التغلب، فأضحت فكرة استبدادية تغلبية، والتبست لديهم مفاهيم التحرر مع هذه النزعة التغلبية، وأضحت هذه المفاهيم لديهم تناقض تماما ما يعتبرونه واجبا شرعيا في “إعلاء كلمة الله وتحكيم شريعته” ولو بهذا التغلب.

لقد أسسوا لتقابل تعسفي قاتل بين إرادة الأمة و “حاكمية مفهوم معين للشريعة” ذاتها، وكان من نتائج ذلك أن ترسخ لديهم الاقتناع بضرورة “حشد العدد والعدة “، من أجل تغليب فكرتهم المغلوطة بانتهاج نهج التغلب.

نتائج ذلك عشناها تاريخيا مع استقواء فئة بالدين وتغلبها على من سبقها، وفرض حكمها بعصبيتها من أجل “دينها” وأمامنا الأمويين والعباسيين هناك، والمرابطين والموحدين هنا وهلم جرا، وعشناها ولازلنا نعيشها معاصرا مع طالبان وداعش والقاعدة و”جماعة ولاية الفقيه”…

ثمة طريق آخر وأمل آخر من شأنه أن يضيء هذا الظلام، ظلام الاستبداد الذي شرعن له فقه الغلبة، وظلام الاستبداد الذي يأتي من فقه التغلب، ومن حقنا أن نعيش هذا الأمل، لأنه أمل من نور هذا الدين الذي أظلم فهمه من تأخر عن تجديد أمره وتحرير هذا التراث، الذي خرجت منه نماذج أحزاب الزور والتعمية السلطانية وداعش وبوكو حرام والقاعدة والحوثيين وعصائب الحق…

إننا بحاجة إلى تأسيس فكري للتعاقد الذي له أصوله الدينية الثابتة لأنه نقيض الإكراه، والإكراه ليس موجبا للمحاسبة لا في الدنيا ولا في الآخرة، بما أنه ينتج عنه كسب لا اختياري، ولأن الرضا شرط في أي اختيار حر للدين أو للدنيا، والرضى ينتفي مع الإكراه، فلنصنع هذا الأمل ولنضأ مصابيح الهدى حقا وفعلا، فبالتأكيد لن يكون قدر الأمة محصورا بين تيار تبرير الغلبة وتيار فرض التغلب…

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • الحسن لشهاب
    الإثنين 15 يونيو 2015 - 17:22

    °°°°°°°°° هده المواضيع التي كشفت عن عمق الطامتين الكبيرتين المؤدلجتين المغناطيسين المنومتين باسم الدين، التي أعطتنا فقهاء "يسبحون" بحمد "السلطان" مع العلم ان ديننا الحنيف اعطى الحقوق حتى للنمل مهمى ضغفه و صغر حجمه (سورة النمل)°°°°°°°°،هده المواضيع التي غتلبا ما نصادفها في موقع الحوار المتمدن.

  • ابن أنس
    الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 02:21

    كلام الفقهاء في تحريم الخروج على السلطان مؤصل تأصيلا علميا دقيقا ليس من السهولة مقارعته بهكذا خواطر وتنظيرات غوغائية، ببدو أن صاحبها قد أبدعها خارج كوكب الأرض.
    إن ما يشهد لقوة أدلة واستنباطات علمائنا الأجلاء هو هذا الواقع الذي تراه عينك من جرائم بشار وأمثاله… لا ما سمعته أذناك عن سيف الحجاج وغير الحجاج..؟ كان عليك قبل أن ترمي فقهاءنا الأجلاء أمثال الغزالي والنووي وابن حجر والرملي وخليل وابن الحاجب والدردير والدسوقي والقائمة طويلة… بالتشريع للاستبداد وبالتسبيح للسلطان أن تنزل إلى ميادين الفتنة ومخيمات اللاجئين لاستجواب هذه الملايين المشردة من السوريين واليمنيين والليبيين والعراقيين حول ما إذا كانوا على رأي الفقهاء فيما يتعلق بأحكام الضرورة والإكراه والحريّة و"ليس في الإمكان أفضل مما كان"، أم على رأي الغوغائيين الذين لا يحسنون إلا التنظير للفوضى والدمار؟ أكيد لو قمت بهذا الاستطلاع لما سرتك الأجوبة، وربما ذكروك بالمثل المغربي:
    (ما تقطع الواد حتى تبان حجارو
    وما تمشي في الليل حتى يطلع نهارو
    وما تصحب صديق حتى تعرف خبارو)

  • BRAM
    الثلاثاء 16 يونيو 2015 - 10:36

    لن يكون قدر الأمة محصورا بين تيار تبرير الغلبة وتيار فرض التغلب…
    يريد الله للأمة أن تمتلك إرادتها و حريتها التي بها تعبد الله وحده و لا تشرك معه أحدا من الطواغيت المستبدين و من أراد التثبت و الثبات فعليه بمجالسة أهل الله من العلماء المجاهدين الذين لا يخافون في الله لومة لائم لا علماء السلطان و الدينار

  • مواطن غيور من تطوان
    الخميس 18 يونيو 2015 - 15:46

    اقول لك أخي الكاتب المحترم أن ما طرحته من بديل فقه التعاقد فهو من الأهمية بمكان في فترتنا المعاصرة التي نواجه فيها كثيرا من الاشكاليات الكبيرة مثل ما طرحته كفكر الغلبة وظلام الاستبداد وفقهاء السلطان وقضايا أخرى التي نوظفها نحن كمسلمين في تدبير اختلافاتنا الفكرية والسياسية مثل الانتخابات التي تتجسد في قيام مؤسسات برلمانية لنسير من خلالها دولنا الحديثة.
    ومن الملاحظ أخي الكاتب الكريم ، أن الظروف السياسية الضاغطة آنداك بفعل حروب المسلمين مع بعضهم وطغيان الاستبداد على علماء ومفكري المسلمين هي التي كانت من أسباب بروز فكر الغلبة وفقهاء السلطان ودلك لدرء الأخطار المهددة لأرواح ملايين من الناس الدي كان يستهدفها الاستبداد .
    وحق لك اليوم أخي الكريم أن تبدع في شأن الاشكاليات المطروحة اليوم مثل ما طرحها الغرب المسيحي على نفسه عندما كاد الأوربيون أن يفني بعضهم البعض ، فأنتجوا ما يسمى اليوم ولغيرهم مؤسسات النظام الديمقراطي الدي دبر صراعاتهم واختلافاتهم. وفي دات المسار السياسي المبدع الدي يلزم علينا الاقتداء به لتدبير تناقضاتنا ، طرحت فعلا فكرة جيدة وهي مبدأ التعاقد الدي ينبغي مأسسته في شكل مؤسسات .

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 21:00

أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟

صوت وصورة
"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 20:30 3

"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية

صوت وصورة
عاصفة قوية تضرب فاس
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 17:34 6

عاصفة قوية تضرب فاس

صوت وصورة
وجه آخر للبحر في البيضاء
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:28 2

وجه آخر للبحر في البيضاء

صوت وصورة
منتجات مغربية تتألق في أبوظبي
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:04 1

منتجات مغربية تتألق في أبوظبي

صوت وصورة
بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 12:37 5

بنعبد الله يحدد أولويات المرحلة