ملايين "آبل" و"نتفليكس" تعيد "نابليون بونابارت" إلى الحياة سينمائيا

ملايين "آبل" و"نتفليكس" تعيد "نابليون بونابارت" إلى الحياة سينمائيا
الإثنين 15 مارس 2021 - 04:00

في ذكرى مرور 200 عام على وفاة الإمبراطور السجين نابليون بونابارت (1769- 1821) سترمم نتفليكس فيلم المخرج الفرنسي آبل غانس “نابليون” 1927، بينما سيصور المخرج ريدلي سكوت فيلما جديدا عن الإمبراطور كعبقري استراتيجي. هذا الخبر حدث في حد ذاته، ليس بالنسبة لوسائل الإعلام الفرنسية فقط، بل لكل الكون السينمائي. هذا خبر يفقس عن أربعة ألغاز تكشف مُحّا.

أولا، سيكون ترميم فيلم قديم تقنيا ومن ست ساعات ونصف مكلفا جدا. لم تعلن ميزانية الترميم لأنها ستجعل التوقعات مرتفعة جدا وقد تثمر خيبة فنية. الميزانيات الكبيرة تحمس وسائل الإعلام. وهذه مبادرة ومغامرة كبيرة من شركة تتهم بأنها تجارية. هذا بحث عن الشرعية الفنية أكثر منه بحثا عن الربح. والنتائج فورية، فوسائل الإعلام تنوه بالمغامرة. ولهذا صدى لأن قيمة الفيلم السياسية أكثر من قيمته الفنية. يحمل فيلم غرانس لمسة تمجيد قومي مثل فيلم “ميلاد أمة” (1915) لديفيد غريفيت. سيتغنى السينفيليون بهذا الأفق الفني الجديد. هكذا ستكرس المنصة، التي عرضت وثائقيا عن أورسن ويلز وفيلما غير تام له، صورة جديدة لها، وستؤكد على رفع السقف الفني الذي تعمل فيه.

لماذا تبحث المنصات عن إنتاج أفلام لمخرجين سينمائيين مكرسين؟ أولا، لكي تبرئ نفسها من تهمة معاداة الفرجة السينمائية التقليدية. ثانيا، لكي تجد موطئا في المهرجانات الكبرى. وثالثا، لتحسن سمعتها لدى السينفيليين بدلا من أن تبقى مجرد منصات تجارية.

في الحقيقة، حسابيا وشعبيا، من سيتحمل مشاهدة فيلم من ست ساعات ونصف عن طفولة نابليون وهو يتمرن على الحرب بمعركة ثلج. معركة تجريبية تمتد عشر دقائق؟

ثانيا، اختارت شركة آبل أو المخرج ريدلي سكوت أن يؤدي العبقري خواكين فينيكس دور الإمبراطور. هذا الاختيار ملائم ومثير لعشاق الممثل ودعم لمساره الفني، بينما هو اختيار مقلق لأنصار الإمبراطور ومُمجديه خوفا من أن تصيبه لوثة بهلوان جوكر. هذا لا يليق بعظمة الإمبراطور. طبعا لا يوجد بهلوان متقلب أكثر من الحاكم المطلق.

ثالثا، يحضر نابليون في الفن منذ قرنين، فكيف تناول الرسم والرواية والسينما شخصية نابليون؟

لقد استخدم نابليون الرسم في حياته كوسيلة دعاية لنفسه، فقد رسم جاك لوي دافيد الإمبراطور 1801 على فرسه الذي يقف على قائمتيه الخلفيتين ليقطع جبال الألب، وتحته توقيع هنيبعل. وخلد رسامون آخرون بونابارت في لوحات شهيرة. وقد اقتبس أفيش فيلم غريفيت “ميلاد أمة” من لوحة دافيد. وفي هذا السياق ستقدم اللوحات الكثير من المادة الفنية لريدلي سكوت. وقد تقيده هذه المادة الفنية القديمة.

في الرواية استفتح ليون تولستوي “الحرب والسلام” (1865 ـ 1869) بصورة لنابليون باعتباره المسيح الدجال، وبعدها تحذر آنا بافلوفنا بلغة ساخطة من قاهر أوربا، الذي جلب آفة الثورة إلى روسيا، وتعرب عن أملها في قدرة قيصر روسيا على هزم بونبارت (ص: 14). تكرر صدى هذا الموقف في أفلام كثيرة. وقد كتب ضباط نابليون في تقاريرهم اليومية أن من أهدافهم إبكاء نساء روسيا الجميلات.
لقد حظيت الثورة الفرنسية وحرب الانفصال الأمريكية بأفلام كثيرة لأنها منارة تحرّر إنساني. وقد حظي نابليون باهتمام السينمائيين لأن حروبه التي تلت الثورة الفرنسية دعمت الليبرالية والتحرر القومي في أوربا. وقد صور المصري يوسف شاهين “وداعا بونبارت” (1985) للتأريخ للحملة الفرنسية على مصر. وكل بلد احتله نابليون صوّر فيلما عنه.

رابعا، بالنظر إلى هذه السوابق الفنية سيصور ريدلي سكوت فيلما مكلفا جدا لأنه يجب ابتكار كل شيء لتقديم عصر انقرض. بالنظر إلى سعر آبل في بورصة نيويورك، فكل ميزانية للفيلم نكتة. سابقا لم يتمكن آبيل غرانس من تحقيق كامل مشروعه عن نابليون. والآن سيصور ريدلي سكوت نابليون، الذي لم يتمكن ستانلي كوبريك من تصويره ليمجد البطل الذي قضى على الإقطاع في أوربا، ونهب تحف الشعوب وجمعها في متاحف باريس.

لكن ماذا سيضيف سكوت إلى نابليون من عظمة؟

من كل هذه السوابق التشكيلية والروائية والسينمائية، ماذا سيقتبس ريدلي سكوت: هل الموضوع أم الأسلوب؟

الاقتباس من السير والروايات ليس مسألة موضوع فقط، بل مسألة أسلوب يتحدد بالإجابة عن السؤال: كيف تبتكر الكاميرا بلاغتها الخاصة المعادلة والمتجاوزة لبلاغة الرواية؟

سيعمل ريدلي سكوت في حقل صعب لأن هناك سوابق سينمائية صورت نابليون، يحضر هذا التراث السينمائي العريق في ذهن المخرج والمتفرج والناقد، وسيكون كاتب السيناريو دافيد سكاربا مجبرا على الاختيار بين حدثين وزمنين:
هل سيركز على الشخص أم على السياق التاريخي؟ وهل سيكتب ويصور حياة كاملة بالتتابع الكرونولوجي، أم سينتقي حدثا كمحطة من حياة بونابارت تلخّص مساره ونقط قوته وضعفه؟

غالبا سيختار معركة ليعرض من خلالها شخصية نابليون. وحتى هذه المعارك تناولها الرسامون سابقا. لذلك سيجد المخرج لوحات هائلة عرضت مجد نابليون مشهديا، وسيكون مضطرا إلى التعامل مع إخراج بصري سابق وعليه العمل على تجاوزه.

بإعلان شركة آبل أن سيناريو دافيد سكاربا سيركز على مهارة التخطيط لدى الإمبراطور، سيجد ريدلي سكوت نفسه وقد سبقه الرسام فرانسوا جيرار بلوحة أسطورية 1810 تؤرخ لانتصار نابليون في معركة أوسترليتز (2-12-1805) التي أدت إلى احتلال فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية. لوحة تؤكد على العبقرية الاستراتيجية للإمبراطور، وسيركز سكوت على هذا الجانب لأن أسلوب أفلامه يبحث عن الجوانب العامة في شخصياته. هكذا يتجنب سكوت تصوير حياة زوجية مملة في شقة في نيويورك. لا يمكنه منافسة وودي ألان في تصوير هذه الحميمية.

لقد كتب السيناريو من طرف دافيد سكاربا. وحسب سوابق سينمائية يملك سكاربا مهارة كبيرة في كتابة الاستراتيجيات كما في فيلم “القلعة الأخيرة” (2001)، الذي أخرجه رود لوري، وفيه يصل سجين جديد (روبير ريدفورد)، وهو خبير استراتيجي يلعب الشطرنج، كشف استراتيجية مدير السجن فثار السجناء، وهكذا انتزع السجين قيادة السجن من الضابط (أداء جيمس غاندولفيني)، الذي صار عقيدا بفضل معهد الضباط دون أن يشارك في حرب واحدة. لقد تولدت خبرة نابليون من الممارسة الميدانية. وهذه نقطة تجمعه ببطل فيلم “القلعة الحمراء”. وسيكون هناك امتداد لأسلوب وتصور السيناريست دافيد سكاربا.

لجأ ريدلي سكوت إلى سيناريست استراتيجي. لذلك ستكون النتيجة مشوّقة، وسيكون الفيلم درساً في فنّ الحرب، ربما ينافس كتاب الصيني سان تزو “فنّ الحرب”، المكتوب منذ 2500 عام.

صوَّر سكوت سابقاً شخصيات تاريخية. غامر في أرض محروثة وأبدع، كما في “المرّيخي” (2015)، مُصوّراً مات دايمون يزرع البطاطس في كون أحمر. النجاح الأكبر في حياته متمثّل في سيرة “المُصارع” (2000). فيه معارك ودسائس وتشويق.

يُمكن توقّع أسلوب المقاربة لريدلي سكوت انطلاقاً من سوابقه السينمائية.

ختاما، يظهر أن منصات المشاهدة مفيدة للسينما، فهي توفر فرصة مشاهدة غير مسبوقة لكل أفلام العالم دفعة واحدة. وثانيا، تقدم تمويلا كبيرا للمخرجين. وثالثا، تحدد الكاميرات التي يُقبل التصوير بها.

وهذا ما سيساهم في تقدم السينما.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • بوغرطة
    الإثنين 15 مارس 2021 - 04:56

    في معركة واترلو سال جندي نابليون.هل الله معنا أم مع العدو ..فأجابه نابليون الله مع من معه مدفع اكبر

  • Youssef
    الإثنين 15 مارس 2021 - 07:33

    كالعادة هم يصرفون الملايين لتلميع صورة سفاحيهم ويصرفون اكثر اتلويث صورة ابطال المسلمين.فنابليون لم يكن امبراطورا عظيما بل سفاحا متكبرا وخائنا ماكرا. فهو خان المسلمين الذين حموا فرنسا لثلاث قرون من فتك الاسبان. وغدر بالمسلمين بهجومه الشرس على مصر منطلقا من اكبر ميناء فرنسي حماه المسلمين اتحافظ عليه فرنسا. ميناء تولون. جرائم نابولين لا تعد ولا تحصى فقرأوا تاريخكم يا مسلمين

  • عماد
    الإثنين 15 مارس 2021 - 09:17

    البعض يقولون ان نابليون سفاح ، بينما يقدسون عقبة وبن زباد وبن الوليد، اليس هؤلاء ايضا قادة عسكريون غزو مناطق اخرى، لماذا الإزدواجية في المعايير ، ياإما تكره فكرة الغزو اي كان القائم بها او تتقبل ان الآخرين ايضا سيغزون عندما يستطيعون

  • باسو
    الإثنين 15 مارس 2021 - 10:13

    سبحان الله، تخسرو الملايير من اجل تلميع صورة سفاح.
    و الغريب فالامر كاين عرب و مغاربة تمجدو هاد القزم.
    للاسف هاد الفئة تنسميهم المختطفون فكريا هاد الفئة تحنو للماضي و تمجدو رموز الاحتلال.

  • ابو سعد الراشيدي
    الإثنين 15 مارس 2021 - 11:15

    الى صاحب التعليق 3” عماد” ، ما هذه المقارنة البلهاء، جهل مركب عندك ان تقارن بين نابليون المعروف بغدره و مكره و هدفه الصليبي و نهب الثروات و بين عقبة و طارق المسلمين الذين ما ذهبوا للغزو اصلا كما اقحم في دماغك بعض الكتاب المرضى الحاقدين على الاسلام اقرأ التاريخ من مصادره الحقيقة و لا تكن إسفنجيا، اولا لقد استنجد بعض المغلوبين النصارى بالمسلمين حتى ينالوا حقوقهم المسلوبة ثم لما دخل طارق او عقبة عرضوا على عباد الصليب ثلاثا اما الجزية او الاسلام او القتال . المسلمون فاتحون و ليسو غزاة و هذا ما استشكل على عقلك فهمه لان مصارك ليس كتاب الله و سنة نبيه الكريم بل من عفونات المورخين الحاقدين ، اقرأ و تعلم ما دام عندك وقت قبل فوات الأوان .

  • sahara.marocaine
    الإثنين 15 مارس 2021 - 11:23

    napoleon bonaparte c’étais un traitre , il a traillé les musulman qu’ils defendu
    Oui, Bonaparte a rétabli l’esclavage en 1802. Oui, il a rétabli la traite abolie par la Convention en 1794. Oui, il a interdit les mariages mixtes et l’accès du territoire métropolitain aux gens de couleur. Oui, il a dépêché aux Antilles plusieurs expéditions militaires dont certains chefs se sont livrés, notamment en Guadeloupe, à une brutale répression.

  • بلي محمد من المملكة المغربية
    الإثنين 15 مارس 2021 - 12:14

    فقط كلمة قصيرة لن تكون فلسفية ليست عندنا لغة الفلسفة فالمنبر متميز لايضع ايا كان على ظهره فالسينما تأخد من التاريخ ماشاءت وتضرب بعرض الحائط ماشاءت كدالك فمن رسمت من اجله هده السطور Napoléon Bonaparte هو من القادة العسكريين الفرنسيين القدماء أيام زمان ترك وراءه صورا مختلفة لالوان لاداعي لدكرها يكفي التاريخ شاهد ا وكاتبا كدالك نحن ولاغيرنا مثله شكرا للمنبر

  • لعاود لبيض
    الإثنين 15 مارس 2021 - 13:12

    شخصية فرنسية من الأفضل أن يمثلها الفرنسيون . وفي هذا الصدد أعتقد أن أحسن ما صور في السينما عن نابوليون هو سلسلة من إنتاج فرنسي من أربعة أجزاء سنة 2002 mini série بطولة Christian Clavier / Gérard Depardieu / John Malkovitch .
    أما الإنتاج الأمريكي خصوصا نيتفليكس فمعروف عنه أنه محكوم من طرف لوبي التدخين و لوبي الحركة النسوية . مسلسلاتهم مليئة بالسجائر لغاية في نفس يعقوب …

  • khadija
    الإثنين 15 مارس 2021 - 16:46

    كنت قرأت كتاب نابليون بونابرت فعلا اعجبني ذهاءه وفطنته وقدراته في التسيير العسكري فقد كان فارس عصره.لكن الجانب السيء في قصته هو انه قاد غزوات ضد المسلمين وخصوصا على مصر .واكتر ما أتذكر في هذا الجانب هو انه كان عندما يريد غزو مصر …تودد اليهم بصفة الفارس المنقذ لهم المدافع عن عدوهم …الصديق المخلص…حتى انه في احدى رسالاته الخطابية كتب انه يريد نصرة رسولهم…وهو في الاصل منافق لا يطمح الى في مد احتلاله الاراضيهم كما هو الحال في كل الغزوات ….

    اعتقد ان الافلام المعروضة حاليا والتي تاخد بالمشاهذ في سرد حياة ابطال التاريخ …يمكنها ان تنجح في اعطاء صورة مغلوطة فقط للمشاهد الجاهل بالتاريخ …الذي عجز ان يقرا ويبحث عن الحقائق …المشاهذ الذي يريد ان يعتمد عاى السينما فقط كمصدر للمعلومة…
    اما من لهم دراية بما طوى الزمن فسيعرفون تماما متى يصدقون ومتى يكذبون….

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام