ملحمة السلم والسلام

ملحمة السلم والسلام
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 00:24

إذا كان لكل أمة من الأمم محطات تفخر بها، فإن تاريخ المغرب المعاصر شهد محطات مجيدة ومفصلية غيرت مجرى الأحداث، وتأتي في مقدمة هذه المحطات وأكثرها عبقرية المسيرة الخضراء المظفرة التي انطلقت في (06 السادس) من شهر نونبر سنة 1975م.

هذه المسيرة الكبرى التي جعلت من السلم والسلام عقيدة ومنهاجا وإعلانا صريحا عن فكرة مغربية راسخة قوامها الحوار وقوة الإيمان بالحق، وقد لا تعثر على مغربي أصيل لا يعرف شيئاً عن هذه الملحمة الكبيرة، لأن يوم (06 السادس ) من شهر نونبر يخلد لذكرى حظيت بمتابعة دولية واسعة أحدثت تحولا ملموسا في مسار القضية الوطنية.

هذه المسيرة التي أبانت عن العبقرية المغربية بقيادة الزعيم الملهم الملك الحسن الثاني رحمه الله.

إن المسيرة الخضراء نموذج للجهاد السلمي، ونموذج للنصر بدون خسارة، والحكمة في زمن الفتنة والحروب. وقل ما شئت من عبارات المدح والإعجاب، لا تستطيع أن توفي المسيرة الخضراء حقها في الوصف والثناء.

إنطلاقاً من الفكرة، إلى التخطيط، إلى التضامن الشعبي، إلى التأطير، إلى التموين، إلى الروح المعنوية للمشاركين المستمدة من قدسية الغاية ونبل الوسيلة، وصولاً إلى الفتح المبين.

* المسيرة الخضراء والإمتداد السيروري لصلح الحديبية.

إن حدث المسيرة الخضراء يعتبر بحق حدثاً دينياً بامتياز، حيث استلهم مبدعها الملك الراحل الحسن الثاني (طيب الله ثراه) روح هذا الحدث من ميراث النبوة، ومسيرة المصطفى، والصحابة الكرام من المدينة المنورة لأداء مناسك العمرة بمكة المكرمة، وهي المسيرة السلمية التي -أثمرت- صلح الحديبية الذي وصفه الله تعالى بالفتح المبين في قوله تعالى: “إِنا فتحنا لك فتحا مبينا” إلى قوله تعالى: “وَينصرك الله نصرا عزيزا” (سورة الفتح) الآية 03

وقد جاء في خطاب الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله الذي وجهه إلى سكان الصحراء المغربية قبل المسيرة الخضراء صباح يوم الخميس 24 أكتوبر 1975م “وكلكم يعلم ما وقع في الحديبية، وكلكم يعلم ما خططه النبي صلى الله عليه وسلم لمدة طويلة من أسابيع وشهور، خطط ليدخل فاتحاً مسالماً لا فاتحاً محارباً”. إلى أن قال: “وهكذا شعبي العزيز، وبعد ثمانية أيام مضت منذ خطابنا إلى شعبنا للقيام بالمسيرة، نتيمن ببناء سياستنا على آيات من الذكر الحكيم، وقد أرادت الصدف أن تكون تلك الآيات كلها في سورة واحدة وهي سورة الفتح، وهي السورة التي أخذنا منها العملية فسميناها عملية الفتح”. وهي السورة التي رسمت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفوزه بالنجاح وتصالح المسلمين واتحادهم على أن يتناسوا الماضي، لأن ما ينتظرهم في المستقبل هو أقدس من كل شيء وكل اعتبار.

لقد أبى الحسن الثاني رحمه الله عليه إلا أن يكون نفس تاريخ صلح الحديبية هو تاريخ انطلاق المسيرة الخضراء، وهو شهر ذو القعدة. لأن الغاية من المسيرة هي طرد المستعمر، وتحرير الصحراء المغربية، وصلة الرحم بين الإخوة، والقيام بمقتضيات البيعة الشرعية.

جاء في الخطاب الملكي: “ونحن نعمل ليلاً ونهاراً ليمكننا أن نلتقي بك شعبنا العزيز في الصحراء، أن نلتقي بك في مسيرة غراء، مسيرة مبنية على رؤية حققها الله سبحانه وتعالى. ولندخلن صحراءنا إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين وغير خائفين، وسنلقاكم تنتظروننا مستبشرين فرحين حتى نتعانق وحتى يمكننا أن نشفي الغليل في تلك الساعة، نشفِي الغليل من الحواجز المادية التي كنا فيها نحن وأنتم، للتصافح بالأيدي والنظر إليكم عن قرب وتبادل التعانق والقبلات”، نفس الخطاب الملكي السابق.

إن المشاركين في المسيرة لم يكونوا يحملون إلا المصاحف في أيديهم اليمنى، والرايات الوطنية في أيديهم اليسرى. وكانوا يرددون: الله أكبر، الله أكبر، وآيات من الذكر الحكيم، وأناشيد وطنية معبرة. ومن يكن القرآن أمامه والله أكبر شعاره، حاشا لله أن ينتكس أو ينهزم، بل فتح الله لهم كما فتح للنبي صلى الله عليه وسلم وللمومنين معه.

* السند القانوني والشرعية الدولية.

الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله بسداد رأيه ولحكمته البالغة، لم يتخذ قراره بالمسيرة حتى كان له السند الدولي، لعلمه أن الحقوق مهما كانت مشروعة لا يمكن السعي إليها إلا بوسائل مشروعة. لذلك استند رحمه الله إلى الشرعية الدولية، وهو ما منحه تأييد معظم دول العالم، بل وشاركت تلك الدول إلى جانب المغاربة في المسيرة.

جاء في خطاب جلالة الملك: “وهذه مسيرتنا منذ سنة ونحن نخطط، ونرسم، ونجمع الحجج تلو الأخرى، الحجج التاريخية والقانونية والبشرية، ونحن نحاول أن نفتح الأذهان والأفكار للعالم بأسره حتى يقتنع بقوة حججنا وحتى يؤمن بحقوقنا”. نفس الخطاب الملكي السامي.

* الوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي.

فالمسيرة برهنت على قدرة المغاربة على التحدي، وقدرتهم على الوحدة التي تعتبر من أهم الثوابت الدينية والوطنية، إن الأمة المغربية متميزة بعقيدتها، ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، قادتها الأنبياء وهويتها العقيدة: “إِن هذِهِ أمتكم أُمة واحدة وأَنا ربكم فاعبدون”. سورة الأنبياء الآية 92

فقد أمر الله سبحانه وتعالى بوجوب الوحدة القائمة على أساس ثابت وصحيح لا يمكن أن يتسرب إليه الشك والطعن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الإختلاف فعليكم بالسواد الأعظم. ) رواه ابن ماجة.

وهو ما انطلق من أجله المتطوعون المشاركون في المسيرة الخضراء، وهي الوحدة الترابية والوحدة الدينية وهو أمر عظيم وجليل، فالوحدة تعتبر ركيزة من ركائز ومقومات الوطن، وأساسا من أسس تطوره، أوجبها الله تعالى وفرضها على أمة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وجعلها الله تعالى سبباً للنصر، وهذا ما فهمه الشعب المغربي الذكي من الخطاب الملكي السامي لما دعاهم إلى التطوع من أجل توحيد أرض المغرب، وتوحيد الصف، وصلة الرحم بين أبناء الأمة الواحدة.

لذلك كانت الإجابة غير متوقعة، فشهامة هذا الشعب العريق صاحب التاريخ التليد الوفي لملكه ولمقدساته الدينية والوطنية، أبى إلى أن يقف وقفة رجل واحد في تلاحم فريد، شهد له وأشاد به القاصي والداني، ومن لم يساهم بشخصه ساهم بماله، فكانت المسيرة فعلاً درساً عظيماً وحدثاً مشهوداً في الإستجابة والتنظيم والسلم والسلام ، جاء في الخطاب الملكي السامي: “إن المسيرة شعبي العزيز سوف تكون تاجاً آخر من أكاليل التاريخ الذي تحمله على رأسك، والذي هو ثقيل، ولكن يا ليت الأثقال كلها تكون كأثقالك شعبي العزيز، لأنها أثقال الأمجاد وأثقال الملاحم”. نفس الخطاب الملكي السامي

وهذا هو الشعب المغربي الأصيل والعظيم دوماً، كلما طلب منه التضحية والتضامن يكون في الموعد. قبل المسيرة الخضراء كان مع الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه في مسيرة الاستقلال، ومع الملك الحسن الثاني رحمه الله في مسيرة الوحدة، ومع الملك محمد السادس نصره الله في مسيرة التنمية.

* المواطنة الحقة وحب الوطن.

الوطن هو أرض الآباء والأجداد، وحبه من الإيمان. وبين الوطن والإنسان روابط كثيرة وصلات قوية جداً، والإنسان في وطنه بمنزلة الغصن من الشجرة، فهواء الوطن وتربته ساهما في تكوين أجسامنا، وعلى خيرات أرضه التي يسرها الله يعيش الإنسان، وقد جعل الله تعالى غريزة حب الوطن مبثوثة في سائر المخلوقات، وهي من أشرف الغرائز، لذلك فالوطن الذي يعيش فيه الإنسان يتطبع بطبعه، ويعز بعزه، ويذل بذلته. فالوطن لا يستمر ولا يصان بدون الحفاظ عليه والدفاع عنه، والوطن لا يعطي ثماره إلا بحب المواطنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”. حديث حسن رواه الطبراني. وحب المواطنين يقتضي الحفاظ على مصالحهم، فالوطنية الحقة تقتضي ضبط النفس وإيثار المصلحة العليا للوطن على المصلحة الخاصة قصد الرقي بالوطن وإسعاد المواطنين، ولا يتحقق ذلك إلا بأداء كل واحد منا واجبه على أحسن وجه وكما طلب منه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يومن أَحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” (متفق عليه).

ولقد جعل الإسلام حراسة ثغور الوطن من أفضل أنواع الجهاد في سبيل الله، وأن عين الساهر على حراسة ثغور وطنه عين لا تمسها النار. ولا شك أن هذا ما فهمه المشاركون في المسيرة الخضراء المظفرة الذين لبوا نداء الوطن واندفعوا له كل حسب استطاعته، مع العلم أن أمر المشاركة في المسيرة كان اختيارياً، وكان التسجيل مقرراً في أسبوع كامل، لكن المفاجأة أن كثيرا من المدن أكملت التسجيلات في اليوم الأول وأخرى في اليوم الثاني، ولولا قرار جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله بحصر العدد في 350 ألف لوصل العدد أضعافاً مضاعفة.

جاء في الخطاب الملكي السامي: “لو أنني فتحت مكاتب أخرى لوصل العدد إلى (02 إثنين) أو (04 أربعة) ملايين بل وأكثر”. وهذا ما يؤكد أن المغاربة مهما كانت جراحهم وخلافاتهم يتركونها جانباً مقابل الرباط المقدس الذي يطوق أعناقهم والمجمل في شعارهم الخالد: الله، الوطن، الملك.

والمطلوب منا الآن أن نتأسى بالمشاركين في المسيرة الخضراء، وبروحهم الوطنية العالية، وبمن سبقهم من رجال المقاومة الأفذاذ الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الوطن واسترداد حريته وكرامته.

* المشاركة الدولية في المسيرة.

إن الوقع الإيجابي للمسيرة الخضراء لم يقتصر على المغاربة والمسلمين، بل تعدى ذلك إلى كل شعوب العالم، فمن مرحب بالفكرة إلى مشارك في المسيرة، ولم يسبق أن شارك متطوعون في مسيرة تحررية كما شاركوا في المسيرة الخضراء المظفرة. لقد شارك الناس من الدول العربية، ومن إيطاليا، وفرنسا، والولايات المتحدة وغيرهم من الدول، كما تقاطرت برقيات التهاني على الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله وعلى الشعب المغربي الأبي، أكبرت فيه الأمم شجاعته وسرعة استجابته لفائدة الوطن، ومدى تلاحم العرش والشعب الذي ما فتئ يظهر في الشدائد تأكيدا منه للعهد والوفاء الذي يربطه بالعرش. قال الله تعالى: “وأوفوا بالعهد إِن العهد كان مسؤولا”. سورة الإسراء، الآية 34.

فهذا العهد الذي هو أوثق المواثيق هو الذي جعل تلك الحشود الغفيرة من المواطنين يشاركون في المسيرة الخضراء، ويتركون أموالهم وأولادهم وذويهم، وجعلهم صابرين محتسبين مستمرين في مسيرتهم حتى النهاية، حباً لوطنهم، وطاعة لملكهم، ودفاعاً عن وحدتهم الترابية.

فالوحدة أمرها عظيم عند الله تعالى فهي سبب النصر والعزة، قال تعالى: “واعتصموا بحبل اللهِ جميعا ولا تفرقوا”. سورة آل عمران الآية 103

إن المشاركين في المسيرة الخضراء استجمعوا كل الفضائل فنصرهم الله، لم يبالوا لا بالدبابات ولا بالآليات الحربية التي طوقتهم من الجيش الإسباني في طرفاية، فأرغموها بإيمانهم وإصرارهم على الإنسحاب، هذا الإنسحاب الذي أعاد للمغرب سيادته على أرضه بالصحراء المغربية.

* خاتمة:

لقد جاء دورنا اليوم لنتحد ونتضامن ونكثف الجهود من أجل مستقبل زاهر وبلد رائد، وراء أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله حتى نرد أطماع الطامعين وكيد الكائدين. فبلاد يوسف بن تاشفين، وطارق بن زياد، والمولى إسماعيل، ومحمد الخامس، والحسن الثاني، ومحمد السادس لن تعجز عن إنجاب الأبطال الذين يدافعون عنها بكل غال ونفيس، فعند ما نستحضر هذه الذكرى فإننا نستحضر معها هذه الدروس والعبر والدلالات العميقة المتمثلة في قيم الوفاء والتضحية، وحب الوطن، والإعتزاز بالإنتماء إليه، والتي يجب على كل مغربي ومغربية الوفاء لها والعمل بها على اعتبار أنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من ذاكرة المغرب والمغاربة وفي ذلك خير وفاء لأولئك الأبطال المشاركين في المسيرة الخضراء وفي مقدمتهم مبدعها الملك الراحل الحسن الثاني ( طيب الله ثراه)، وعلى الله قصد السبيل، والحمد لله رب العالمين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟