منظومة التعليم بالمغرب

منظومة التعليم بالمغرب
السبت 12 شتنبر 2026 - 21:27

المقدمة

تشهد منظومة التربية والتكوين بالمغرب، مع نهاية الموسم الدراسي 2025-2026، مرحلة دقيقة من مراحل تنزيل الإصلاح التربوي، تتقاطع فيها الإرادة السياسية مع الرهانات الميدانية، وتلتقي فيها الطموحات التشريعية مع تحديات التنفيذ داخل الفصول الدراسية. فقد أصبح هذا الموسم محطة تقويمية حاسمة لاختبار مدى قدرة خارطة الطريق 2022-2026 على الانتقال من مستوى التصور الاستراتيجي إلى مستوى الأثر الفعلي في تعلم التلميذ وجودة الممارسة الصفية، بعد سنوات طويلة من الإصلاحات المتعاقبة التي ظلت نتائجها دون سقف الانتظارات المجتمعية.

وتزداد أهمية هذه المرحلة بالنظر إلى حجم المنظومة التعليمية الوطنية، التي استقبلت خلال الموسم الدراسي 2025-2026 ما يقارب 8.27 مليون تلميذ وتلميذة، منهم حوالي 7.4 مليون بالتعليم العمومي، موزعين على آلاف المؤسسات التعليمية بمختلف جهات المملكة. وتمثل هذه الكتلة البشرية الضخمة مجالا معقدا لتدبير الإصلاح، إذ تتداخل فيه الاعتبارات البيداغوجية مع الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية، الأمر الذي يجعل نجاح أي مشروع إصلاحي رهينا بقدرته على تحقيق التوازن بين التوسع الكمي وضمان الجودة النوعية.

وقد حملت السنوات الأخيرة دينامية إصلاحية غير مسبوقة، تجلت في تعميم تدريجي لنموذج مدارس الريادة، وتوسيع برامج التعليم الأولي، وتعزيز الرقمنة، وإعادة تنظيم الدعم التربوي، إلى جانب صدور نصوص قانونية مؤطرة للمنظومة، في محاولة لإرساء إصلاح أكثر استقرارا واستدامة. غير أن هذه الدينامية، على أهميتها، لا تكتسب مشروعيتها الكاملة إلا إذا انعكست بصورة ملموسة على التحصيل الدراسي، وعلى تنمية الكفايات الأساسية، وعلى تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية التي ما تزال تؤثر في فرص التعلم بين المتعلمين.

ومن هنا تنبثق الإشكالية المركزية لهذه المقالة، والمتمثلة في التساؤل الآتي: إلى أي حد استطاعت المنجزات التنظيمية والتشريعية التي عرفتها منظومة التربية والتكوين في أفق سنة 2026 أن تتحول إلى مكتسبات تربوية حقيقية داخل القسم الدراسي؟ وهل نجحت مشاريع الإصلاح في إحداث تحول نوعي في التعلمات الأساسية، أم أن جزءا مهما من هذه المنجزات ظل محصورا في المؤشرات الكمية والإدارية دون أن يبلغ عمق الممارسة الصفية؟

إن الإجابة عن هذه الإشكالية تقتضي تجاوز القراءة الانطباعية أو الاحتفائية بالإصلاح، كما تستوجب الابتعاد عن المقاربات التبخيسية التي تنكر كل منجز تحقق على أرض الواقع. فالإصلاح التربوي لا يقاس بإصدار النصوص التنظيمية وحدها، ولا بعدد المشاريع التي يتم الإعلان عنها، إنه يقاس أساسا بقدرته على تحسين جودة التعلم، وتعزيز الإنصاف، وإكساب المتعلم الكفايات التي تؤهله للاندماج في مجتمع المعرفة ومواجهة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم المعاصر.

وانطلاقا من هذا المنظور، تعتمد هذه المقالة مقاربة تحليلية نقدية تستند إلى المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وإلى المستجدات التشريعية والتنظيمية المؤطرة للإصلاح، قصد مساءلة حصيلة الموسم الدراسي 2025-2026 في ضوء الأهداف المعلنة لخارطة الطريق. كما تسعى إلى الانتقال من مجرد توصيف الواقع إلى اقتراح بدائل عملية قابلة للتنزيل، تستحضر خصوصيات المدرسة المغربية، وتستند إلى مبادئ الحكامة الجيدة، والتمهين، والتخطيط المبني على النتائج، بما يجعل الإصلاح التربوي مشروعا مؤسساتيا مستداما، لا مجرد سلسلة من التدابير الظرفية المرتبطة بالسياقات السياسية أو الإدارية المتغيرة.

المحور الأول: حركية منظومة الإصلاح بين مدارس الريادة وتعميم التعليم الأولي

يشكل الموسم الدراسي 2025-2026 إحدى أهم المحطات في مسار تنزيل خارطة الطريق 2022-2026، كموسم الانتقال من مرحلة التجريب المحدود إلى مرحلة التوسيع التدريجي للإصلاحات داخل المنظومة التربوية. فقد راهنت الوزارة الوصية على إرساء نموذج جديد لتدبير التعلمات، يقوم على إعادة بناء الممارسات الصفية، وتحسين التعلمات الأساس، والرفع من نجاعة الأداء التربوي، من خلال اعتماد مشاريع إصلاحية متكاملة، يتصدرها مشروع “مدارس الريادة” وبرنامج تعميم التعليم الأولي، بكونهما ركيزتين متكاملتين لإرساء مدرسة أكثر إنصافا وجودة.

ويستند مشروع مدارس الريادة إلى تصور بيداغوجي يضع التعلم الفعلي للمتعلم في قلب العملية التعليمية، متجاوزا المقاربة التقليدية التي ظلت تقيس نجاح المؤسسة بإنهاء المقررات الدراسية أكثر من قياسها لمستوى التمكن الحقيقي من الكفايات. وفي هذا السياق، اعتمد المشروع مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب (Teaching at the Right Level – TARL)، التي تقوم على تشخيص المكتسبات الفعلية للمتعلمين، ثم تنظيم أنشطة التعلم والدعم وفق مستوياتهم الواقعية، بدل الاقتصار على المستوى المفترض الذي تحدده السنة الدراسية. وتمثل هذه المقاربة تحولا نوعيا في فلسفة التدريس، لأنها تجعل التعلم منطلقا للتخطيط البيداغوجي، وتمنح التعثرات الدراسية موقعا مركزيا في بناء التدخلات العلاجية.

وقد أظهرت المؤشرات الأولية التي صاحبت تعميم المشروع في عدد متزايد من المؤسسات التعليمية نتائج مشجعة في تحسين التعلمات الأساس – بحسب التصريحات الرسمية-، خاصة في القراءة والكتابة والرياضيات خلال سنوات التعليم الابتدائي الأولى، حيث ساعد التشخيص الدوري، والدعم التربوي المنتظم، والتقويم المستمر، على تقليص جزء من الفجوات التي كانت تتراكم بين المتعلمين منذ السنوات الأولى للتمدرس. كما أسهم اعتماد دلائل بيداغوجية موحدة، وبرامج للمواكبة الميدانية، وآليات للتتبع المنتظم، في إرساء قدر أكبر من الانسجام في تنفيذ الممارسات الصفية داخل المؤسسات المنخرطة -دائما بحسب التصريحات الرسمية-.

غير أن نجاح أي نموذج بيداغوجي يظل رهينا بمدى استيعابه للواقع المتنوع الذي يميز المدرسة المغربية. فالتفاوتات المجالية، واختلاف البنيات التحتية، وتباين الإمكانات البشرية، تجعل تنزيل المقاربات الموحدة أكثر تعقيدا مما يبدو في التصورات النظرية. ولذلك فإن تعميم مدارس الريادة ينبغي أن يفهم على أساس أنه عملية نوعية تقتضي ضمان الشروط الضرورية لاستدامة النموذج، من حيث التأطير التربوي، والتكوين المستمر، والقيادة المحلية القادرة على مواكبة التحول.

وفي السياق نفسه، واصل المغرب جهوده الرامية إلى تعميم التعليم الأولي، لأنه المدخل الأكثر نجاعة لتقليص الفوارق التعليمية قبل الالتحاق بالتعليم الابتدائي. فقد أثبتت التجارب الدولية، كما تؤكدها البحوث التربوية، أن الاستثمار في السنوات الأولى من الطفولة ينعكس بصورة مباشرة على النجاح الدراسي اللاحق، ويحد من التعثرات التي يصعب تداركها في المراحل المتقدمة من التمدرس. ومن هذا المنطلق، التعليم الأولي أصبح مكونا بنيويا في السياسة التعليمية الوطنية.

وقد ارتبط هذا التوجه بإعادة تنظيم تكوين مربيات ومربي التعليم الأولي، عبر اعتماد مسار تكويني أكثر شمولا يبلغ غلافه الزمني نحو 950 ساعة، يجمع بين التكوين النظري والتطبيقات الميدانية، بهدف الرفع من مستوى الكفايات المهنية، وتوحيد المرجعيات البيداغوجية، وتعزيز جودة التأطير داخل فضاءات التعليم الأولي. ويعكس هذا الاختيار وعيا متزايدا بأن جودة المنظومة التعليمية تبدأ من جودة التأهيل المهني للعاملين بها، وأن الاستثمار في العنصر البشري يظل أكثر مردودية من الاقتصار على توفير التجهيزات والوسائل.

ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية لحصيلة الموسم الدراسي تقتضي التمييز بين منطق الإنجاز المؤسساتي ومنطق الأثر التربوي. فالتوسع في عدد مؤسسات الريادة، والارتفاع المتواصل في نسب تعميم التعليم الأولي، يمثلان بلا شك مؤشرين إيجابيين على مستوى التخطيط والبرمجة، غير أن تحقيق الجودة يظل رهينا بقدرة هذه المشاريع على تجاوز الإكراهات البنيوية التي ما تزال تحد من فعاليتها داخل الميدان.

ومن أبرز هذه الإكراهات استمرار الخصاص في الموارد البشرية المؤهلة ببعض المناطق، وما يترتب عنه من ضغط متزايد على الأطر التربوية والإدارية، فضلا عن التفاوت الواضح في تجهيز المؤسسات التعليمية بالوسائل الرقمية، حيث ما تزال بعض المؤسسات، خصوصا في الوسط القروي والمناطق النائية، تفتقر إلى الحد الأدنى من البنيات التقنية التي تسمح بتفعيل مختلف مكونات التحول الرقمي المعلن عنه. ويضاف إلى ذلك استمرار ظاهرة الاكتظاظ داخل عدد من المؤسسات الحضرية، بما تفرضه من صعوبات على اعتماد البيداغوجيا الفارقية، وتفعيل الدعم الفردي، وإنجاز عمليات التشخيص والمتابعة بالفعالية المطلوبة.

كما تطرح برامج الدعم التربوي بدورها تحديات مرتبطة بالاستمرارية والانتظام. فنجاعة الدعم لا تتحقق بمجرد تخصيص حصص إضافية، فهي تستوجب بناء تصور بيداغوجي متكامل يربط بين التشخيص الدقيق، والتدخل العلاجي، والتقويم الدوري، مع مراعاة خصوصيات المتعلمين واختلاف إيقاعات تعلمهم. وفي غياب هذا التكامل، قد يتحول الدعم إلى إجراء شكلي يخفف الضغط الإحصائي دون أن يترك أثرا عميقا في مستوى التعلمات.

وتكشف هذه المعطيات أن الإصلاح التربوي المغربي دخل بالفعل مرحلة جديدة تتسم بوضوح الرؤية وتعدد المبادرات، غير أن الانتقال من نجاح المشروع إلى نجاح المنظومة يظل رهينا بتحقيق الانسجام بين التشريع، والموارد، والحكامة، والممارسة الصفية. فالقسم الدراسي يظل المجال الحقيقي الذي تختبر فيه السياسات العمومية، وتتحول فيه الاختيارات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة في بناء شخصية المتعلم وتنمية كفاياته، وهو ما يجعل جودة التنفيذ الميداني المعيار الأكثر دقة للحكم على نجاعة الإصلاح برمته.

المحور الثاني: الهدر المدرسي وتحدي الكفايات الأساسية

يظل الهدر المدرسي أحد أكثر المؤشرات تعبيرا عن مدى نجاعة أي منظومة تربوية، لأنه يعكس في عمقه قدرة المدرسة على الاحتفاظ بمتعلماتها ومتعلميها، وعلى توفير شروط التعلم التي تجعل الاستمرار في الدراسة خيارا ممكنا وذا معنى. ومن هذا المنطلق، أولت خارطة الطريق 2022-2026 هذه الظاهرة مكانة محورية، واضعة ضمن أهدافها الاستراتيجية خفض نسبة الهدر المدرسي بمقدار الثلث في أفق سنة 2026، بعد أن ظلت المنظومة التعليمية تفقد سنويا ما يزيد على ثلاثمائة ألف طفل وشاب، وهو رقم يكشف عن نزيف بشري ومعرفي له انعكاسات عميقة على التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي.

وفي موازاة هذا الهدف، راهنت الوزارة على تحسين جودة التعلمات الأساسية، محددة سقفا طموحا يتمثل في رفع نسبة تمكن المتعلمين من الكفايات الأساس إلى سبعين في المائة، بعدما ظلت هذه النسبة في حدود ثلاثين في المائة خلال السنوات السابقة. ويعكس هذا التحول انتقالا تدريجيا من منطق تدبير التدفقات المدرسية إلى منطق قياس أثر التعلم، وهو تحول ينسجم مع التوجهات الدولية التي أصبحت تعتبر جودة التعلمات المعيار الحقيقي للحكم على فعالية السياسات التعليمية، بعيدا عن الاقتصار على مؤشرات التمدرس والنجاح والانتقال بين الأسلاك.

غير أن بلوغ هذه الأهداف يظل رهينا بقراءة موضوعية للعوامل التي تنتج الهدر المدرسي وتغذي ضعف التعلمات، لأن الظاهرة تتشابك فيها اعتبارات اجتماعية واقتصادية وثقافية ونفسية ومجالية، تجعل معالجتها مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المؤسسة التعليمية. فالمدرسة، مهما بلغت جودة برامجها، لا تستطيع بمفردها تعويض آثار الفقر والهشاشة والتفاوتات المجالية، ولا معالجة الاختلالات التي تفرضها أوضاع اجتماعية تدفع كثيرا من الأسر إلى إعطاء الأولوية لتأمين متطلبات العيش على حساب الاستمرار في الدراسة.

وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في عدد من المجالات القروية والأحياء الهامشية، حيث ما تزال الهشاشة الاقتصادية تشكل عاملا حاسما في الانقطاع المبكر عن الدراسة، سواء بسبب الكلفة غير المباشرة للتمدرس، أو نتيجة الحاجة إلى إشراك الأبناء في أنشطة مدرة للدخل، أو بسبب ضعف وسائل النقل وبعد المؤسسات التعليمية، خاصة بعد الانتقال إلى السلك الإعدادي أو التأهيلي. كما أن تراجع بعض صيغ الدعم الاجتماعي التي كانت تخفف، إلى حد ما، العبء المالي عن الأسر، أو إعادة هيكلتها بما لم يحقق الأثر المنتظر في بعض المجالات، أسهما في تقليص قدرة عدد من الأسر محدودة الدخل على ضمان استمرارية تمدرس أبنائها، وهو ما يفرض إعادة تقييم السياسات الاجتماعية المرافقة للإصلاح التربوي كجزء لا يتجزأ من سياسة الإنصاف المدرسي.

ولا يقل البعد الثقافي أهمية عن البعد الاقتصادي، إذ ما تزال بعض التمثلات الاجتماعية تنظر إلى المدرسة على أنها مسار محدود الجدوى في ظل صعوبة الاندماج المهني، الأمر الذي يؤثر في دافعية بعض المتعلمين، ويضعف ارتباطهم بالمؤسسة التعليمية. ويزداد هذا الإحساس عندما يعيش المتعلم تعثرات متكررة لا يجد لها دعما بيداغوجيا فعالا، فيتراكم لديه الشعور بالفشل، ويتحول الانقطاع عن الدراسة إلى نتيجة متوقعة لمسار طويل من الإقصاء البيداغوجي غير المعلن.

ومن هنا تتجلى أهمية الربط بين محاربة الهدر المدرسي وتحسين جودة التعلمات. فكلما شعر المتعلم بأنه يحقق تقدما حقيقيا في اكتساب المعارف والمهارات، ازدادت رغبته في الاستمرار داخل المنظومة التعليمية، وكلما تراكمت لديه صعوبات الفهم وضعفت مواكبته، ارتفعت احتمالات الانقطاع مهما توفرت الإجراءات الإدارية أو الحملات التحسيسية. ولذلك فإن الاستثمار في جودة التعلم يمثل، في جوهره، استثمارا مباشرا في الحد من الهدر المدرسي.

وفي هذا الإطار، راهنت الوزارة على توسيع قاعدة المستفيدين من الأنشطة المندمجة، مستهدفة رفع نسبة المشاركة إلى خمسين في المائة بعدما كانت في حدود خمسة وعشرين في المائة. ويستند هذا التوجه إلى قناعة تربوية مفادها أن المدرسة أصبحت مجالا لبناء الشخصية المتكاملة، وتنمية المهارات الحياتية، وتعزيز الانتماء للمؤسسة التعليمية. فالأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والبيئية والتطوعية تسهم في تقوية الروابط الوجدانية بين المتعلم ومدرسته، وتحد من مظاهر العزوف والغياب، وتخلق بيئة مدرسية أكثر جاذبية وتحفيزا.

كما يندرج توسيع استعمال الوسائط الرقمية ضمن الرهانات الجديدة للإصلاح، على أساس أنها أدوات قادرة على تنويع أساليب التعلم، وتيسير الولوج إلى الموارد التعليمية، وتعزيز التقويم والدعم الفردي. غير أن الأثر الحقيقي للتحول الرقمي لا يقاس بعدد التجهيزات المقتناة أو المنصات المحدثة، الأثر الحقيقي يقاس بمدى اندماج التكنولوجيا في الممارسة الصفية اليومية، وبقدرة الفاعلين التربويين على توظيفها بصورة بيداغوجية فعالة. فالرقمنة التي لا تصاحبها تنمية للكفايات الرقمية لدى الأطر التربوية والمتعلمين، ولا تراعي الفوارق في الولوج إلى الوسائل التقنية، قد تتحول إلى عامل جديد من عوامل التفاوت بدل أن تكون أداة لتحقيق الإنصاف.

إن القراءة النقدية لمؤشرات الهدر المدرسي والكفايات الأساسية تقود إلى نتيجة جوهرية، مفادها أن تحقيق الأهداف الرقمية لخارطة الطريق لن يكون كافيا ما لم يواكبه تحول عميق في شروط التعلم داخل المدرسة المغربية. فالإحصاءات، مهما كانت مشجعة، لا تعوض الأثر الحقيقي الذي يظهر في قدرة المتعلم على القراءة السليمة، والفهم، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم الذاتي. وهذه هي المؤشرات التي تمنح الإصلاح معناه التربوي الحقيقي، وتجعل الاستثمار في المدرسة استثمارا في الإنسان قبل أن يكون استثمارا في الأرقام.

المحور الثالث: الرؤية الاستصلاحية

إذا كانت السنوات الأخيرة قد أفرزت دينامية إصلاحية واضحة داخل منظومة التربية والتكوين، فإن المحافظة على زخمها وتحويلها إلى مكتسبات مؤسساتية دائمة يقتضي الانتقال من منطق البرامج الظرفية إلى منطق البناء المؤسسي المستدام. فالتجارب التربوية، مهما بلغت درجة نجاحها، تظل معرضة للتراجع إذا ظلت رهينة تغير المسؤولين أو تبدل الأولويات التدبيرية، لذلك أصبح من الضروري إرساء قواعد تشريعية وتنظيمية تجعل الإصلاح سياسة عمومية مستقرة، تستند إلى مرجعيات قانونية واضحة وآليات للحكامة والتتبع والتقويم المستمر تسهر عليها الدولة وليس الأحزاب السياسية.

وفي هذا الإطار، يكتسي صدور القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي أهمية خاصة، فهو خطوة نوعية نحو مأسسة الإصلاح وإضفاء الشرعية القانونية على عدد من التوجهات التي ظلت، خلال سنوات، تدار في إطار برامج ومذكرات تنظيمية قابلة للتعديل أو الإلغاء. فالقانون يؤسس بالدرجة الأولى لرؤية تعتبر المدرسة العمومية مرفقا استراتيجيا للدولة، ويمنح الإصلاح استمرارية تتجاوز الإيقاع السياسي والظرفي، بما يضمن قدرا أكبر من الاستقرار في التخطيط والتنفيذ والتقويم.

غير أن قوة النصوص القانونية تظل مرتبطة بقدرتها على إحداث أثر ملموس في الواقع المدرسي. فكم من إصلاحات صيغت بإحكام على المستوى التشريعي، ثم اصطدمت أثناء التنفيذ بإكراهات التدبير أو ضعف المواكبة أو محدودية الإمكانات. ولذلك فإن مأسسة الإصلاح ينبغي أن تتجاوز إصدار القوانين إلى بناء ثقافة مؤسساتية تجعل مختلف الفاعلين شركاء في تنزيلها، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتؤسس لممارسات تدبيرية قائمة على النتائج لا على مجرد استيفاء الإجراءات الشكلية.

وتبرز الحكامة الإدارية كإحدى أهم الرافعات الكفيلة بترجمة هذه الرؤية إلى واقع عملي. فاللامركزية التي تبنتها الدولة في تدبير الشأن التربوي لن تحقق أهدافها ما لم تقترن بتوسيع حقيقي لهوامش القرار على المستوى الجهوي والإقليمي والمحلي، مع توفير الإمكانات البشرية والمالية التي تجعل هذه المستويات قادرة على المبادرة والتدبير، لا مجرد تنفيذ التعليمات المركزية. فخصوصيات المجالات الترابية تختلف من جهة إلى أخرى، ولا يمكن معالجتها جميعا بالأدوات نفسها أو بالحلول الموحدة.

وفي السياق ذاته، تحتاج الإدارة التربوية المحلية إلى تعزيز أدوارها القيادية، حتى تتحول من جهاز لتدبير الوثائق والإجراءات إلى مؤسسة قادرة على قيادة التغيير داخل المدرسة، واستثمار المعطيات الميدانية في اتخاذ القرار، ومواكبة الأطر التربوية، وتحفيز المبادرات، وتتبع نتائج التعلمات بصورة منتظمة. فنجاح الإصلاح يتحدد بما تمتلكه الإدارة المحلية النزيهة من كفايات مهنية وقدرة على التفاعل مع الإشكالات اليومية للمؤسسات التعليمية.

ويشكل التكوين المستمر بدوره ركيزة أساسية لإنجاح أي تحول تربوي. فالإصلاحات البيداغوجية لا يمكن أن تؤتي ثمارها إذا ظلت الكفايات المهنية للأطر التربوية والإدارية ثابتة أمام التحولات المتسارعة في المعرفة وطرائق التدريس والتقويم. ومن ثم، يصبح من الضروري إرساء منظومة وطنية للتكوين المستمر تقوم على التخطيط العلمي لحاجات التكوين، وربط برامجه بالممارسات الصفية الفعلية، واعتماد المواكبة الميدانية المصاحبة والتقويم الدوري لقياس أثره في تحسين الأداء، بدلا من الاكتفاء بدورات ظرفية يغلب عليها الطابع النظري.

ويرتبط بذلك الحرص على احترام مبدأ التخصص، كواحد من شروط الجودة التعليمية. فتكليف الأستاذ بغلاف زمني مرتفع عن باقي ما هو معمول به في مدارس الدول المتقدمة – ثلاثون ساعة أسبوعيا في التعليم الابتدائي أمر غير عادل-، وبتدريس مواد لا تدخل ضمن مجاله التكويني، دون إعداد علمي أو بيداغوجي كاف، ينعكس سلبا على جودة التعلمات، ويضع المدرس والمتعلم معا أمام تحديات غير مبررة. لذلك فإن تدبير الموارد البشرية ينبغي أن يستند إلى رؤية استشرافية تراعي حاجيات المنظومة، وتضمن التوازن بين متطلبات التغطية التربوية والمحافظة على معايير الكفاءة المهنية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن لأي إصلاح أن يحقق أهدافه إذا بقيت المدرسة معزولة عن محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. فالنجاح المدرسي لا تصنعه المؤسسة التعليمية وحدها، فهو حصيلة تفاعل متكامل بين مختلف الفاعلين المحليين. ومن هنا تبرز أهمية تفعيل أدوار مجالس المؤسسة، وتوسيع مجالات اشتغالها، وتمكينها من الاضطلاع بوظائفها في التشخيص والتخطيط والتقويم، بما يجعلها فضاء حقيقيا للحوار واتخاذ المبادرات، لا مجرد هيئة تستوفي التزامات قانونية شكلية.

كما يقتضي هذا التوجه تعزيز الشراكة مع جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، والنسيج الجمعوي، والجماعات الترابية، والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين، بما يسمح ببناء مشاريع تربوية منفتحة على حاجات المجال المحلي، وقادرة على استثمار موارده البشرية والمادية في خدمة المدرسة. فالتصدي للهدر المدرسي، وتحسين جودة التعلمات، وترسيخ قيم المواطنة، كلها رهانات تتجاوز حدود القسم الدراسي، وتحتاج إلى تعبئة مجتمعية تجعل المدرسة قضية مشتركة وليست مسؤولية قطاع حكومي فحسب.

إن ، في نهاية المطاف، لا يختزل في تطوير المناهج، أو تحديث الوسائل، أو إصدار التشريعات، على أهمية كل ذلك، الإصلاح التربوي الحقيقي يقوم أساسا على بناء منظومة متكاملة تتفاعل فيها الإرادة السياسية مع الكفاءة المهنية، وتتساند فيها الحكامة الرشيدة مع المشاركة المجتمعية، ويصبح فيها المتعلم محور جميع التدخلات والقرارات حقيقة وواقعا ملموسا لا شعارات فضفاضة. وعندئذ فقط يمكن للمدرسة المغربية أن تنتقل من تدبير الإصلاح إلى ترسيخ ثقافة الإصلاح، ومن تحسين المؤشرات إلى بناء أثر تربوي مستدام يمتد أثره إلى المجتمع بأسره.

الخاتمة

إن مسار إصلاح منظومة التربية والتكوين بالمغرب في أفق سنة 2026 يظهر دينامية مؤسساتية وتشريعية غير مسبوقة، عكست إرادة واضحة للانتقال من الإصلاحات المتفرقة إلى مشروع وطني أكثر انسجاما وتماسكا. فقد حملت خارطة الطريق 2022-2026 تصورا متكاملا استند إلى أهداف قابلة للقياس، وأعطى الأولوية لتحسين التعلمات الأساسية، وتوسيع التعليم الأولي، وتطوير نموذج مدارس الريادة، وتعزيز الحكامة، وترسيخ ثقافة التقويم وتتبع الأثر. كما جاء التأطير القانوني الجديد ليمنح هذه الاختيارات بعدا مؤسساتيا أكثر استقرارا، بما يعزز فرص استدامة الإصلاح بعيدا عن منطق التدبير الظرفي.

غير أن قيمة الإصلاح التربوي لا تتحدد بحجم المشاريع التي يتم إطلاقها، ولا بعدد النصوص القانونية التي تؤطرها، ولكن بقدرته على إحداث تحول حقيقي في الحياة اليومية للقسم الدراسي. فالمتعلم هو المؤشر الأكثر صدقا لنجاح السياسات التعليمية، وكل تقدم لا ينعكس في تنمية قدراته على الفهم، والتحليل، والإبداع، والتواصل، وحل المشكلات، يظل تقدما جزئيا يحتاج إلى استكمال. ومن ثم، فإن المؤشرات الإحصائية، على أهميتها في قياس الأداء، ينبغي أن تقرأ باعتبارها وسائل للتقويم، لا غايات في ذاتها.

هذا ويجب التذكير بأن كم من تحديات بنيوية ما تزال تفرض نفسها بقوة، وفي مقدمتها التفاوتات المجالية، والخصاص في بعض الموارد البشرية، واستمرار الاكتظاظ في عدد من المؤسسات وكثرة ساعات العمل، وتفاوت شروط الولوج إلى الوسائل الرقمية، فضلا عن ارتباط الهدر المدرسي بعوامل اجتماعية واقتصادية تتجاوز حدود المدرسة. وهو ما يؤكد أن الإصلاح التربوي لا يمكن أن ينجح بمنطق التدخل القطاعي المعزول، وإنما يحتاج إلى سياسة عمومية مندمجة تتقاطع فيها التربية مع التنمية الاجتماعية، والسياسات الترابية، والحماية الاجتماعية، والتشغيل، والثقافة.

ومن جهة أخرى، يبرز أن الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة المأسسة يفرض إرساء ثقافة مؤسساتية قوامها التقييم العلمي المستمر، والتصحيح المرحلي للمسارات، والإنصات إلى الفاعلين الميدانيين، واستثمار نتائج البحث التربوي في صناعة القرار. فالإصلاح الحقيقي ليس برنامجا ينتهي بانتهاء أجندة زمنية محددة، الإصلاح الحقيقي هو سيرورة تراكمية تتجدد باستمرار، وتستمد قوتها من قدرتها على التعلم من نجاحاتها وإخفاقاتها في الآن نفسه.

إن المدرسة المغربية تمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال إلى مرحلة جديدة من البناء النوعي، شريطة أن يظل المتعلم بوصلة حقيقية لجميع الاختيارات، وأن تتكامل الأبعاد التشريعية والإدارية والبيداغوجية والاجتماعية داخل رؤية وطنية متماسكة، تجعل من جودة التعلمات الهدف المركزي لكل تدخل إصلاحي. فحين تصبح المدرسة فضاء لإنتاج المعرفة، وتنمية الشخصية، وترسيخ قيم المواطنة، وإطلاق الطاقات الخلاقة، يكون الإصلاح قد بلغ غايته الحقيقية، وتتحول المؤشرات الرقمية إلى ترجمة فعلية لاستثمار وطني ناجح في الإنسان، باعتباره الثروة الأغلى، والضامن الأول لاستدامة التنمية والتقدم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 1

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​

صوت وصورة
الحكومة والقدرة الشرائية
الخميس 5 نونبر 2026 - 17:01 5

الحكومة والقدرة الشرائية

صوت وصورة
مخطط إنهاء مهام المينورسو
الخميس 5 نونبر 2026 - 14:24 4

مخطط إنهاء مهام المينورسو

صوت وصورة
جدوى إحداث "شركات التوزيع"
الخميس 5 نونبر 2026 - 12:15 7

جدوى إحداث "شركات التوزيع"

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14 9

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44 1

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش