كتابة واعية عن القراءة

كتابة واعية عن القراءة
الإثنين 8 دجنبر 2025 - 12:50

القراءة نشاط إنساني واعٍ وضروري له مستويات متعددة؛ تبدأ من المطالعة وتنتهي بالمشاركة في خلق المكتوب من خلال رؤية القارئ له.

وحول فعل القراءة ودورها، تتعدد التعريفات والتفسيرات التي تتشابك في مساحاتها مدارس النقد الأدبي المختلفة.

ومفهوم القراءة يمثل مسألة خلافية بين الدارسين، نشأ عنها أبعاد ثلاثة لهذا المفهوم:

البعد الأول يعتمد على الإحساس اللفظي بالعبارة قبل معناها، وهو يقف عند تحريك النظر فوق الحروف والكلمات أو النطق بها.

البعد الثاني يقف عند حدود التلقي المباشر، والاجتهاد في أن يكون هذا المتلقي مقرونًا بأكبر قدر من الأمانة في إدراك النص، اعتقادًا أن معناه قد صِيغ نهائيًّا، ومن ثَمَّ يقتصر على استعداد القارئ للتقبُّل السلبي دون الدخول في اشتباك مع النص.

أما البعد الثالث، فالقراءة عبره لا تتوقف عند مجرد التلقي المباشر، بل تساهم بوعي في إعادة إنتاج وجهة النظر التي يحملها النص، والكشف عن جوهره وتأويله، بحيث تتحول إلى فعل إبداعي يؤدي إلى ذروة وظيفتها المولِّدة للدلالة.

فما هي -يا ترى- العلاقة الجدلية بين القراءة والكتابة؟

تاريخية المكتوب لا تقوم على مجرد تواجد النص، ولكن على تعرُّف القارئ به، وهو ما يعني أن القراءة ليست رديفًا للكتابة، ولا فعالية تابعة لها.

لقد كان التصور الشائع يعتقد أن هنالك عمليتين منفصلتين تمامًا، هما: الكتابة التي تتم من قبل المؤلف، والقراءة التي تحدث زمنيًّا بعد الكتابة. ومن ثَمَّ لم يظهر في هذا التصور مستوى لعلاقة عضوية بينهما. في حين أن هذه العلاقة لا تقوم على أساس حوار متبادل من موقع سائل ومجيب، يتبادلان أدوار السؤال والجواب.

فالكاتب والقارئ يصنعان معًا نصَّهما، ويكوِّنان معًا بنيانه ولغته ودلالته. وهو ما عبَّر عنه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بقوله: “إنه لما كانت العملية الإبداعية لا تستطيع أن تجد اكتمالها إلا في القراءة، وما دام على الكاتب أن يُوكِل للغير مهمة استكمال ما بدأه، وما دام لا يستطيع أن يشعر بنفسه بشكل أساسي تجاه عمله إلا من خلال وعي القارئ وحده، فإن عملية الكتابة لا بد أن تتطلب عملية قراءة كمقابل لها. ويستلزم هذان الفعلان المترابطان عاملين متميزين. ذلك أن جهد المؤلف وجهد القارئ المرافق له، هما اللذان يُبرِزان للوجود ذاك الأثر الفكري المحسوس والخيالي معًا. فلا وجود للنص إلا بواسطة الآخرين ومن أجلهم.”

ويعتقد عدد من الدارسين والباحثين أن الكاتب هو قارئ أساسًا؛ إذ يقرأ الواقع المحيط، ثم يحلله كقارئ، ويحوِّله إلى مادة للكتابة يتلقاها قارئ آخر، فيحللها بدوره فيصبح قارئًا وكاتبًا، متفرجًا وممثلًا في الوقت نفسه. فمن وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه، فإن العلاقة بين كليهما تقوم على التكامل والتناوب، وليس على التباعد والتنافر كما كان الظن من قبل.

فالكاتب الذي يستشرف الواقع ويقرؤه ويتمثَّله وينقل قراءته إلى نص مكتوب ومطبوع، لم يتخلَّ عن كونه قارئًا فعالًا. ولأنه قارئ وكاتب، تكون علاقته بقارئ آخر -وهو قارئ نصه- علاقة عضوية متميزة؛ لأن هذا القارئ بدوره يجب أن يكون فعالًا، بحيث يحوِّل المادة الورقية المطبوعة بين يديه إلى أفكار ورؤى، فيصبح بالتالي كاتبًا وقارئًا.

إن صورة القارئ الضمني تكون حاضرة باستمرار في وعي الكاتب، وكذلك العكس، حيث صورة الكاتب هي أيضًا حاضرة في وعي القارئ.

فمنح القارئ أهمية في العملية الأدبية سيجعل الزوايا المكونة للأدب -وهي الكاتب والنص والقارئ- تتكامل فيما بينها، وتؤصِّل نظرة مغايرة وجديدة إلى الأدب والتاريخ الأدبي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الثلاثاء 9 دجنبر 2025 - 20:56

    “The author should die once he has finished writing. So as not to trouble the path of the text”
    “ينبغي أن يموت المؤلف بمجرد انتهائه من الكتابة. حتى لا يعكّر مسار النص.”
    Umberto Eco
    (1932-2016)

    “A good reader is a creative reader”
    “القارئ الجيد هو قارئ مُبدع.”
    Vladimir Nabokov
    (1899-1977)

    “Le livre est un pont entre l’homme qui écrit et l’homme qui lit”
    “الكتاب هو جسر بين الرجل الذي يكتب والرجل الذي يقرأ.”
    André Malraux
    (1901-1976)

    “فعل القراءة ليس مجرد استهلاك صامت للحروف، بل هو الومضة الأولى لإبداع جديد.”

    أستاذي،
    إن تحليلكم لأبعاد القراءة الثلاثة يضع القارئ في قلب العملية الأدبية، محولاً إياه من متلقٍ سلبي (البعد الثاني) إلى شريك واعٍ وفعال يسهم في إعادة إنتاج الدلالة (البعد الثالث). يتفق هذا الطرح مع الفيلسوف سارتر بأن العلاقة بينهما ليست تابعة بل تلازمية، حيث يصنع الكاتب والقارئ النص معاً. القارئ الفعال هو في جوهره كاتب لم تُنشَر كلماته بعد، والكاتب هو أول قارئ لواقعه.

    “إن إدراك هذا التناوب التكاملّي هو مفتاحنا لإعادة كتابة تاريخ الأدب.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت
السبت 19 شتنبر 2026 - 00:08

أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت

صوت وصورة
لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:48

لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:31

أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 22:19

الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله

صوت وصورة
الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 21:29

الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج

صوت وصورة
محافظ ثقيلة وأطفال صغار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:29

محافظ ثقيلة وأطفال صغار