من تداعيات الحرب الأوكرانية الروسية .. العودة القوية لحلف شمال الأطلسي

من تداعيات الحرب الأوكرانية الروسية .. العودة القوية لحلف شمال الأطلسي
صورة: أرشيف
الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 05:00

التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا يوم 24 فبراير 2022 الماضي، أحدث نوعا من التضامن الأوروبي غير المسبوق، تجلى ذلك في رد فعل جماعي من خلال تزويد أوكرانيا بالأسلحة، مع اتخاد مجموعة من العقوبات ذات طابع اقتصادي ومالي، مساعدة أوكرانيا دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا كان هو الاختيار المتفق عليه بالإجماع من طرف دول الاتحاد الأوروبي، وذلك باستحضار معطى أساسي وحاسم في التوازن العسكري، هو أن موسكو قوة نووية وبالتالي خلق شروط ميدانية عسكرية لصالح أوكرانيا هو الرهان الأوروبي قصد ربح الحرب دون القيام بها.

لتجسيد هذا الاختيار تبنت الدول الأوروبية عددا من العقوبات، الهدف منها هو إضعاف موسكو ودفعها إلى عزلة مالية واقتصادية على المستوى الدولي، لتحقيق ذلك ثم وضع مخطط أطلق عليه “ريبورأورو” “RePower” للخروج من التبعية الطاقية لروسيا، وذلك بالتوقف عن استيراد الفحم ابتداء من غشت الماضي، ثم برمجة إيقاف التعامل مع سوق البترول الخام الروسي أو البترول القابل للاستهلاك مع نهاية سنة 2022، أما في ما يتعلق بالغاز فالأمور معقدة بالنسبة للدول الأوروبية التي تبقى سجينة السوق الروسية، هذه الأخيرة تلبي حاجياتها بأكثر من 49.6%، على الرغم من أن دول مثل ألمانيا قد خفضت استيرادها من الغاز الروسي بنسبة %20، لكن دول أخرى مثل هنغاريا تحتاج إلى دعم مالي لإعادة هيكلة تجهيزاتها البترولية، رهان الأوروبيين على قطاع الطاقة للضغط على روسيا، ينطلق من خلفية مالية محضة، تتجلى في أن مداخيل موسكو من تصدير المواد الطاقية يتعدى 700 مليون أورو في اليوم.

عندما نعود إلى الوراء للقيام بقراءة في مجموعة من المحطات، نلاحظ أن أوروبا كانت عاجزة عن توحيد صفوفها، مثل ما وقع عند اندلاع أزمة يوغوسلافيا، الشيء نفسه سنة 2003، يوم قررت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أحادي الهجوم على العراق، وقع انقسام داخل البيت الأوروبي، فبريطانيا وإسبانيا تدخلتا عسكريا، في حين أن فرنسا وألمانيا رفضتا التواجد ضمن الغطاء الأمريكي، هناك بعض النجاحات الجماعية رغم قلتها، نذكر منها تكوين قوة عسكرية ضمت 2300 جندي سميت بعملية “أور أرتميس” “EUFOR ARTENIS”، بعدها سنة 2004 المساهمة في عملية حفظ السلام في البوسنة والهرسك والتي أطلق عليها “EU FOR ALTHEA “، ثم جاءت مرحلة جديدة اعتبر فيها الاتحاد الأوروبي بأن أمن القارة العجوز يمر عن طريق إدماج مجموعة من الدول في المشروع الوحدوي، هكذا التحقت “أسلفانيا” سنة 2004 بالاتحاد، تبعتها في ذلك كرواتيا سنة 2013، كما اقترحت بروكسيل على “صربيا” و”مونتنيكرو” سنة 2025، تم على “ماسيدونيا” وألبانيا سنة 2030، على الرغم من وجود مجموعة من التحفظات من طرف بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، لكن بروكسيل واعية بأن هناك محاولات عديدة للتوغل في هذه المنطقة، لا سيما من طرف روسيا وتركيا والصين، هذه الأخيرة تبحث بواسطة مشروع طريق الحرير عن موطئ قدم، بحيث برمجت أكثر من 1000 مليار دولار خلال عشر سنوات المقبلة مستهدفة أكثر من 138 دولة.

تداعيات الحرب الأوكرانية الروسية دفعت الاتحاد الأوروبي إلى القيام بمراجعة جذرية، بحثا عن خلق شروط تساعد على تحصين أمن واستقرار القارة، مما يتطلب خلق آليات جديدة للتعاون مع شركاء في أفق تحقيق التفوق في مجال الصناعات العسكرية لمواجهة التحديات المستقبلية، ومعلوم أن الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي لهم أهداف مختلفة، فبروكسيل تسعى من خلال مشروعها خلق التكامل بين أعضائها في مجالات عديدة، في حين أن مشروع الناتو ينحصر في توفير الحماية العسكرية لكل أعضائه عن طريق تهييء الشروط الميدانية والعسكرية واللوجستيكية، تفعيلا للبند 5 من الميثاق المؤسس للمنظمة، عندما بادر الاتحاد الأوروبي بصياغة وثيقة تهم سياسية الأمن والدفاع المشترك “RSDC”، قصد الإجابة عن التحولات الجيوستراتيجية التي عرفتـها مرحلة التسعينات، مما اعتبره البعض آنذاك نوعا من المنافسة بين الأوروبيين والحلف الأطلسي، إلا أن ظروف عدم الاستقرار التي عرفتها القارة بعد ضم روسيا لمنطقة القرم سنة 2014، دفع الطرفان إلى تعميق التنسيق القائم في ما بينهما، من خلال مجموعة من التوجهات طرحت خلال هذه السنة، سواء تعلق الأمر بالوثيقة التي أطلق عليها الاتحاد الأوروبي اسم البوصلة الاستراتيجية “La Boussole Stratégique de l’UE” ، أو اجتهادات حلف الناتو التي حددت الآليات الاستباقية في ظل عودة الحرب إلى القارة الأوروبية، مما دفع بالمهتمين بالقضايا الجيواستراتيجية إلى طرح سؤال حول مدى قدرة الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي على خلق شروط الانسجام المطلوبة لمجابهة التحديات والتعقيدات؟ جزء من الجواب على هذا السؤال موجود في مضمون ما سمي بالبوصلة الاستراتيجية المعتمدة في 22 مارس 2022 من طرف المجلس الأوروبي، والتي أكدت على ضرورة خلق شروط الانتقال نحو الاستقلالية الاستراتيجية مع التشبث بالاشتغال مع الحلفاء لتحديد طبيعة المخاطر المحتملة، من بين الوسائل العملية لتنزيل هذا الاختيار، هو وضع جدولة زمنية لتفعيل الصندوق الأوروبي للدفاع والتعاون الدائم.

“le fonds européen de défense ecoopérationstructurée permanente” (PESCO)، الهدف هو خلق تنسيق بين الصناعات ذات الطابع المدني والفضائي وصناعات التسليح العسكري مع الاهتمام بالمشروع الرقمي المقرر تطويره لتحقيق الريادة في أفق 2030، البوصلة الاستراتيجية الأوروبية تؤسس كذلك لبناء قطب الابتكار الخاص بمجال الدفاع والموكول إلى الوكالة الأوربية للدفاع Agence Européenne de Défense”” (AED) ، مع تسطير برنامج خاص أطلق عليه ” EUDIS ” ” EU Defence innovation scheme “، ينوي الاتحاد الأوروبي البدء بضخ 2 مليار أورو مع خلق مرصد لمتابعة الخصاص الأوروبي في مجال التكنولوجيا الدقيقة ذات الاستعمالات العسكرية، لدعم هذا التوجه وزراء الدفاع للاتحاد الأوروبي المجتمعين في 17 ماي الماضي، وعلى خلاف المعهود، اتفقوا بسرعة على انطلاق ما يسمى بـ “هوب هاشدي” Hub HED1″ ” “Hub for EU defence innovation”، الذي دشن عمله في فاتح يونيو من هذه السنة بمناسبة اليوم المخصص للابتكار في مجال الصناعات العسكرية.

المنظومة الاستراتيجية التي تبناها الحلف الأطلسي خلال قمة مدريد الأخيرة تسير في الاتجاه نفسه، بحيث شكلت منعرجا جديدا في توجهات المنظمة، بل قامت بتحيين المرتكزات المتفق عليها سنة 2010، اهتمت بإشكالية الحفاظ على التفوق التكنولوجي في المجال العسكري، مع متابعة دقيقة لتفاصيل الحرب الروسية الأوكرانية، لقياس مدى جاهزية القوات الروسية مع دراسة إمكانياتها في حالة نشوب حرب شاملة.

ومعلوم أن اهتمام الحلف الأطلسي بالابتكار في مجال التكنولوجيا العسكرية ليس وليد اليوم، فهناك مكتب خاص بهذا الميدان، يتلقى بشكل منتظم تقارير من فريق استشاري مكلف بمتابعة تطورات البحث العلمي داخل الجامعات التي لها وزن في هذا المجال، أو المختبرات تابعة للمقاولات الكبرى في ميدان الأسلحة، بالإضافة إلى هذا فقد تبنى الحلف الأطلسي سنة 2019، وثيقة اعتبرت بمثابة خارطة الطريق، وافق عليها وزراء الدفاع لحلف “الناتو” سنة 2021، الهدف منها هو إعطاء أولوية لموضوع الذكاء الاصطناعي في إطار أجندة الحلف في أفق 2030، وذلك باعتماد مقاربة سميت بـ “ديانا” “DIANA Defence Innovation Accelerator for the Worth Atlantic “، هذه الأخيرة تتوفر على صندوق لدعم الابتكار ستحتضن كندا المكتب الإقليمي المكلف بأمريكا الشمالية، في حين أن بريطانيا وليستونيا سيحتضنان المكتب المكلف بأوروبا.

الشراكة الاستراتيجية بين الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي ليست وليدة اليوم، تمت تقويتها بالتصريح المشرك لسنة 2016، تعززت بتبني وثيقتين بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، عدد الدول الأوروبية سيتعزز داخل حلف الناتو عندما ستلتحق كل من السويد وفنلندا، سينقل إلى 23 عضوا ضمن 32 دولة منتمية للحلف الأطلسي، هذا المؤشر الرقمي لا يمكن تفسيره بقوة أوروبا التفاوضية التي مازالت في حاجة ماسة إلى حماية أمريكية، بل سيعزز هيمنة واشنطن من خلال مظلة الحلف على كل مفاصل القرارات الاستراتيجية الكبرى في العالم ومن بينها القارة الأوروبية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • Lahcen
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 05:23

    البعض ضخم من القوة العسكرية للروس وقال انها ستجتاح اوكرانيا في 48 ساعة. هاهي اليوم لا تعرف كيف تخرج من المستنقع الاوكراني….

  • علي
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 08:24

    الدب الروسي يحاول اطالة الحرب حتى استسلام الغرب اقتصاديا
    كما لحظناه عند الالمان سارعوا الى الصين كما تحاول المانيا الان الخروج من الناتو والوحدة الاوروبية هذا ما يناقش كل يوم في المانيا
    بعد محاولتهم تسقيف سعر البترول ستكون الكارثة في اوروبا
    الروس لن يبيعوا وحتى ان يبيعوا فلديهم 40 دولار فاءدة في كل برميل وانا واثق ان يبيعوا زيادة على ذلك opec plus خفضت الانتاج بمليونين بمعنى اخر ان الاسعار ستطير في السماء
    انا لا اعرف من اين صاحب هذا المقال اتى بهذه المعلومات
    للتذكير فقط انا اعيش في المانيا واتابع الاحداث

  • الى Lahcen
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 08:28

    انت على خطا يا سي لحسن او تنتهي الحرب بسرعة هذا لا يخدم روسيا، روسيا تحاول باطالة الحرب للقضاء على الاقتصاد الاوروبي
    وفرضت في اوباك بلوس خفض الانتاج
    والضربة القاضية هي زيارة الرءيس الصيني للسعودية لادماج العرب في الاقتصاد العالمي الجديد

  • Ibrah
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 08:50

    La Russie est en train de se battre contre l’armée de l’OTAN en Ukraine depuis plusieurs mois maintenant, tous les gens sérieux le savent. Il s’agit de militaires polonais et roumains en uniforme ukrainien, bien sûr, armés par les États-Unis et les pays Européens, et pour quel résultat ? La Russie détruit tout ce qui bouge et va finir par épuiser les occidentaux. Mais pour cela, il faudra aller au-delà des dépêches de l’AFP et Reuters, et écouter les analyses de Scott Ritter, Douglas McGregor, etc.

  • أنوار
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 09:32

    الحرب الروسية الأوكرانية لن تنتهي بل هي بداية للحرب العالمية القادمة.

  • احمد
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 10:35

    اتمنى ان تبقى المملكة على حياد في هذه الخرب وان لا تحشر يدها في هذه الحرب
    لحساب الناتو حتى لا تقطع فالحساب يجمع.

  • يوسف
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 10:40

    الى المعلق رقم واحد لحسن أضن أنك لا تفقه في سياسة الحرب شئ أخي

  • عبد الجبار
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 12:55

    افول الغرب باختصار ،هذه بدايته والتي ستستمر مستقبلا بانهيار عقيدته السياسية بالسيطرة على شعوب العالم واستغلال النفوذ من اجل الهيمنة على الموارد الاقتصادية وشن الحروب العبثية وخلق اجواء من الصراعات العسكرية……

  • يونس
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 14:07

    لا ليست هناك لا عودة قوية للنيتو ولاهم يحزنون، فأمريكا التي تحمي أوروبا بالإساس والتي بدونها هم غير قادرين على حماية أنفسهم تعرف منذ البداية أنها لن تربح هذه الحرب وما يريدونه وغرضهم الأساسي هو عزل روسيا عن أوروبا ودق إسفين بينهم لتستفرد بهم أكثر.
    الإمريكيون خلقوا لربح الأموال أما الروس خلقوا للحرب، لكن الآن هم يريدون تحطيم أمريكا حتى في مجال الأموال وتحطيم أمركتها وعولمتها.
    وحتى إن تطورت الأمور إلى حرب نووية فروسيا كلها مدن تحت الأرض مصممة لذلك الغرض من إسفل المدن والعامة موسكو إلى الجبال لحماية الجنود والمدنيين والحرص على نجاة العرق الروسي على عكس أمريكا وإوروبا الذان لا يملكان شيء مشابه، وبعد معرفة هذا الأمر تراجعت أمريكا عن بعض خططها أما روسيا قالت لهم نحن مستعدون.

  • زاكورة
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 14:29

    الخلاصة في جملة واحدة.
    روسيا تطبخ على نار هادئة.
    ومن يعتقد العكس و يظن ان اقتصاد روسيا الاضعف من اسبانيا سوف يدمر اقتصاد اوروبا فهو يحلم سابع الاحلام.

  • سي محمد
    الثلاثاء 13 دجنبر 2022 - 18:51

    والله كم نتمنى أن تكون هذه الحرب بداية نهاية غطرسة الغرب مع امريكا الصهيونية العالمية التي تحتقر كل دول العرب والعالم الثالت.

صوت وصورة
محامو المغرب يعودون إلى المحاكم
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:18 2

محامو المغرب يعودون إلى المحاكم

صوت وصورة
المنتجات المغربية في أبوظبي
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 12:24

المنتجات المغربية في أبوظبي

صوت وصورة
أزمة السكن تخنق طلبة أكادير
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 10:50 3

أزمة السكن تخنق طلبة أكادير

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 21:00

أبعاد استراتيجية | أحداث سبتة.. وماذا بعد؟

صوت وصورة
"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 20:30 3

"الكتاب" يدرس المشاركة الحكومية

صوت وصورة
عاصفة قوية تضرب فاس
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 17:34 6

عاصفة قوية تضرب فاس