لم تكن أزمة كبش العيد في المغرب مجرد أزمة أسعار أو ندرة في الأسواق، فقد تحولت إلى امتحان حقيقي لفعالية الدعم العمومي وجدوى السياسات المعلنة باسم حماية القدرة الشرائية. فالدعم الذي قُدّم باعتباره أداة لتخفيف الأزمة، صار في نظر كثير من المواطنين أزمة قائمة بذاتها، بعدما بقيت الأسعار مرتفعة، وظل العرض محدودًا، ولم تجد فئات واسعة من الأسر المغربية أثرًا ملموسًا لذلك الدعم في السوق.
إن ما عاشه المواطن المغربي مع اقتراب عيد الأضحى يكشف مفارقة قاسية. الحكومة تحدثت عن إجراءات للدعم والاستيراد وحماية السوق، غير أن المواطن وجد نفسه أمام واقع مختلف: غلاء فاحش، عرض غير كاف، وأسواق لا تستجيب لحجم الطلب. وهكذا تحولت مناسبة دينية واجتماعية يفترض أن تكون عنوانًا للفرح والتضامن، إلى مصدر قلق وإحراج داخل آلاف الأسر المغربية.
وتزداد دلالة هذه الأزمة إذا استحضرنا ما وقع في السنة الماضية، حين قرر أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مراعاة للظروف الاجتماعية والاقتصادية، إعفاء المغاربة من أضحية العيد، حفاظًا على القطيع الوطني وتخفيفًا للضغط عن الأسر. كان ذلك القرار يحمل بعدًا اجتماعيًا عميقًا، لأنه انتصر لقدرة المواطن وللمصلحة الوطنية العامة، وقدم نموذجًا واضحًا في تقدير الظرفية واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
غير أن ما يحدث اليوم يطرح سؤالًا مقلقًا حول مدى قدرة الحكومة الحالية على مواكبة هذا التوجيه بروح المسؤولية نفسها. فإذا كان القرار الملكي قد استهدف حماية المواطنين وإنقاذ القطيع، فإن التدبير الحكومي لسوق الأضاحي والدعم لم ينجح في ضمان الوفرة ولا في ضبط الأسعار ولا في حماية الأسر من المضاربة. وهنا يظهر الفارق بين قرار يستحضر الأثر الاجتماعي المباشر على المواطن، وتدبير حكومي غارق في الأرقام والتبريرات دون نتيجة ملموسة في السوق.
تتحمل الحكومة الحالية مسؤولية سياسية وأخلاقية كبيرة في هذا الوضع. فالدور الأساسي لأي حكومة هو تسهيل حياة المواطنين، ورعاية مصالحهم، وحماية قدرتهم على العيش الكريم. وعندما لا يلمس المواطن أثر القرارات في السوق، ولا يجد نتيجة الدعم في السعر، ولا يشعر بوجود الدولة حين تضيق عليه الحياة اليومية، فإن التدبير الحكومي يكون قد ابتعد عن جوهر وظيفته الاجتماعية.
لقد قُدم الدعم العمومي باسم المواطن، غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل وصل هذا الدعم فعلًا إلى المواطن؟ إن استمرار ارتفاع أسعار الأضاحي، واتساع المضاربة، وضعف العرض، كلها مؤشرات تدفع المواطن إلى التساؤل عن مصير الأموال العمومية التي صُرفت باسم حمايته. فإذا كان الدعم لا ينعكس على السعر النهائي، وإذا كانت الإعفاءات لا تخفف العبء عن الأسر، فإن الأمر يتحول إلى أزمة ثقة في السياسات العمومية نفسها.
وتزداد خطورة هذه الأزمة لأنها تأتي في سياق وطني يرفع شعار الدولة الاجتماعية باعتبارها ورشًا استراتيجيًا كبيرًا. فالمغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، انخرط منذ سنوات في مشاريع كبرى تهدف إلى بناء دولة حية، متطورة، ومتقدمة في شمال إفريقيا. من المغرب الأخضر، إلى تعميم الحماية الاجتماعية، إلى سياسات عمومية متعددة تروم النهوض بالوضعية الاجتماعية للمغاربة، ظل التوجه العام واضحًا: جعل التنمية في خدمة المواطن وربط القرار العمومي بتحسين شروط العيش.
وفي هذا السياق، تكتسب فكرة “ثقافة الأثر” التي أكد عليها جلالة الملك في خطاباته الأخيرة أهمية خاصة. فقد وجه جلالته رسائل واضحة إلى مختلف المسؤولين، كل من موقعه، حول ضرورة قياس السياسات العمومية من خلال أثرها الفعلي على حياة المواطنين. فالسياسة العمومية لا تُقاس بحجم الاعتمادات المرصودة لها فقط، وإنما بمدى قدرتها على تحسين وضع المواطن في التعليم والصحة والسكن والشغل والقدرة الشرائية والعيش الكريم.
ومن هذا المنطلق، فإن أزمة كبش العيد تقدم مثالًا واضحًا على غياب ثقافة الأثر في تنزيل السياسات العمومية. فالحكومة قد تعلن الدعم، وقد تتحدث عن الاستيراد والإعفاءات، وقد تقدم أرقامًا تبدو كبيرة، غير أن المواطن لا يحكم على هذه المعطيات من خلال البلاغات، وإنما من خلال السعر الذي يجده في السوق، والقدرة التي يملكها على شراء الأضحية، والكرامة التي يشعر بها داخل أسرته ومجتمعه. عندما يغيب هذا الأثر، تصبح السياسة العمومية ناقصة مهما كان حجم ما رُصد لها من موارد.
لقد كشفت أزمة كبش العيد أن الحكومة الحالية لم تنجح في ضبط توازن السوق، ولم تستطع حماية المواطن من منطق الاحتكار والمضاربة. فعندما يفوق الطلب العرض، وتضعف المراقبة، وتغيب الشفافية في مسار الدعم، يصبح السوق مفتوحًا أمام فئات محدودة تستفيد من الأزمة، بينما تتحمل الأغلبية نتائجها. وهنا يدفع المواطن المغربي الثمن مرتين: مرة من جيبه حين يواجه الأسعار المرتفعة، ومرة من المال العام حين يُصرف الدعم باسمه دون أن يصل إليه أثره.
والأخطر أن هذه الأزمة لا تنفصل عن المناخ السياسي العام. فعلى مسافة زمنية قصيرة من الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026، يجد المواطن نفسه أمام أزمة خانقة تمس قوته اليومي وكرامته الاجتماعية، وهو ما سيعزز لا محالة الإحساس بانعدام الثقة في المؤسسات العمومية. فالحكومة التي تبنت وعودًا اجتماعية وانتخابية واسعة، تجد اليوم نفسها أمام نتائج اختياراتها، بعدما بدأت آثار السياسات المعلنة تظهر في شكل غلاء، وارتباك، وضعف في الحماية الاجتماعية الفعلية.
إن الدولة الاجتماعية لا تُبنى بالتصريحات وحدها، ولا تترسخ بمجرد الإعلان عن البرامج. إنها تحتاج إلى حكامة صارمة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومراقبة حقيقية لمسارات الدعم. فالدعم الذي لا يصل إلى مستحقيه يتحول إلى ريع، والسياسة العمومية التي لا تحمي المواطن تتحول إلى عبء، والحكومة التي لا تصحح اختلالاتها تفقد تدريجيًا شرعيتها الاجتماعية، حتى وإن امتلكت شرعية انتخابية.
لذلك، فإن أزمة المواطن المغربي مع كبش العيد ينبغي ألا تُقرأ كحدث موسمي عابر. إنها إنذار سياسي واجتماعي يكشف الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة تدبير الدعم، وفي علاقة الدولة بالسوق، وفي موقع المواطن داخل القرار العمومي. فالمطلوب ليس توفير الأضاحي فقط، وإنما ضمان عدالة الولوج إليها، وحماية الأسر من المضاربة، ومحاسبة كل من حوّل الدعم العمومي إلى فرصة للربح الخاص.
في النهاية، لم تكن الأزمة في كبش العيد وحده، وإنما في نموذج تدبير جعل المواطن آخر من يستفيد وأول من يؤدي الثمن. وبين دعم أُعلن لمحاربة الأزمة، وأزمة وُلدت من داخل هذا الدعم، يجد المواطن المغربي نفسه مرة أخرى في موقع كبش الفداء. والسؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: كيف يمكن الحديث عن دولة اجتماعية إذا كان المواطن لا يجد أثرها حين يحتاجها أكثر؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.