من عاهات مشهدنا الثقافي

من عاهات مشهدنا الثقافي
السبت 7 دجنبر 2024 - 07:58

ما الذي يستطيعه الكاتب الكبير غير مداراة عجزه أمام جبروت الزمن، الذي أمسى يلاحق جسده الواهن دونما هوادة؟ دافعا به إلى هناك، حيث تتربص به أشباح النهايات التي لا يتسع صدرها لأية مساومة تروم تأجيل ما لا رادَّ لقضائه؟

ما الذي يستطيعه وقد ضاقت به رقعة الزمن خِلسة ودونما سابق إنذار، فلم تعد تسمح له بتوسيع حدود خرائطه التي اعتاد على الانتشاء بتكريس نجوميته في مرابع مراكزها وهوامشها، أناء الليل وأطراف النهار؟
للمرة الألف، سوف يتلفت، مستعيدا تفاصيل مسيرته الحافلة بخوارق المنجزات، مستغربا في الآن ذاته من عجائبية ذلك التألق الذي حظي به اسمه في الفضاءات الثقافية، وطنيا وعربيا، رغم خلو سجله الثقافي من أثر أي تراكم نقدي أو إبداعي يذكر. فالاسم /اسمه ولا شيء عداه، أصبح كافيا لتكريس علامة / ماركة ثقافية، جامعة مانعة، وغير معنية مطلقا بمواضعات التسجيل أو التحفيظ.

إنه اسم الأستاذ الموجه، والمؤطر الذي يعود إليه وحده الفضل في هندسة تفاصيل المشهد الثقافي، في تنظيمه، وفي تنزيل كافة مقتضياته!! فإذا كان مجايلوه المنضوون إلى واجهته “النضالية” نفسها قد كرسوا حياتهم للعمل السياسي، فإنه ومن مرتكزات جد براغماتية سيجد ضالته المنشودة في سراديب العمل الثقافي وأروقته المغلقة والمشاعة، مدعَّما بتزكية الإخوة المناضلين الذين سوف يعتد بسلطتهم السياسية في شحن اسمه بما يكفي من الطاقة، كي يفلح في تعبيد طريقه نحو كراسي الشأن الثقافي.

وفي سياق اشتغاله بهذه الاستراتيجية، سيكون من الضروري أن ينتزع اعترافنا بنبوغه الاستثنائي في الاستئثار بمركزية الحضور، لعقود عديدة خلت، حيث تمكن خلالها من الإمساك بخيوط اللعبة الثقافية والتحكم الفائق بأساليب تحريكها، عبر عبقرية مراوحته بين استعمال منطق النعومة وبين اللجوء الاضطراري إلى مسطرة الخشونة، انسجاما مع الشروط التي تمليها طبيعة السياق؛ وهي الاستراتيجية التي يسرت له فرصة بسط نفوذ أبوته الماكرة على مبدعين ومثقفين حقيقيين يكبرونه سنا، ويفوقونه خبرة باستكناه أسرار الحياة وأسرار الكتابة والقول، وذلك من خلال توظيفه المتقدم لحاسته السابعة المتخصصة عمليا في ضبط إيقاعات ما تنوء به دواخلهم الرهيفة من جراحات وإحباطات.

وفي واقع الأمر، كانت الأجواء الهجينة للأزمنة البائدة متماهية مع تطلعات السيد “المؤطر” الحريص على توسيع دائرة نفوذه، حيث سادت ظاهرة إلزام الثقافي بتكريس تبعيته الذيلية والمطلقة للسياسي. وطبعا، ضمن منطق إقصائي، يستأثر فيه المؤدلجون المقربون بالمراتب الأكثر تقدما، خاصة في حالة ما إذا كانوا مؤهلين للقيام بمهام تفريخ المؤطرين المبتدئين الذين تُسنَد إليهم مهام الإبلاغ والتبليغ، بالدلالة القدحية للكلمة.

غير أن مكانة “مؤطرنا” الثقافي ستصبح عرضة للتردي حالما شرعت رياح “التفكيك!” الذاتية والموضوعية في العصف بمعاقل “السياسي”، بمجموع ما تتشكل به من دعائم ديماغوجية وخنادق وأبراج وقلاع محصنة، كاشفة بذلك عن عورات قبائل لم تنفع في تغطيتها شفاعةُ أيٍّ من أوراق شجر الوقت. وهي الوضعية التي ساهمت إلى حد ما، وعلى مراحل، في تحرير الثقافي من سلطة السياسي، حيث أصبحت الآداب والفنون تحديدا معنية أكثر من أي وقت آخر بالتخلص من خضوعها للحجر السياسي، في أفق ممارستها لحقها المطلق في الوجود. وكلها عوامل أدت إلى سحب البساط من تحت أقدام المتمترسين خلف الشعارات المؤدلجة، المشحونة عادة بالأوهام اليوتوبية، والمزايدات النضالية، المحتكرة لكل ما تحفل به المدونات الأخلاقية والإنسانية من أطاريح ومقولات. وطبعا، سيأتي على رأس هؤلاء المتمترسين اسم صاحبنا الذي سينتبه جراء هذه التحولات المتسارعة إلى احتمال انتباه المشهد لعريه التام، بالنظر إلى خلو سجله المعرفي والإبداعي من أيِّ أثر حقيقي يذكر، وهو ما سيفضي إلى تجريده من كافة تلك الامتيازات الرمزية التي كرس حياته لمراكمتها، في مرحلة جد مبكرة من دهائه التنظيمي. وتلافيا لوقوع الكارثة “لا قدر الله!” فسيكون من الطبيعي أن تلهمه غريزة البقاء والهيمنة بجدوى الإدلاء بدلوه، في بئر الإبداع قبل فوات الأوا، أي قبل أن تشحب وتخبو أضواء نجوميته، فتنفض عنه حشود المريدين والحواريين المتطلعين هم أيضا إلى اقتطاع فسحة ملائمة من بقعة الكتابة. هكذا بدا، في ظل التحولات المباغتة والحثيثة، مستغربا من تقاعسه طيلة هذه العقود عن اقتحام مخاطر الإبداع، هو المعترف له من قِبَلِ الخاصة والعامة!! بامتلاكه مجمل الشروط المعرفية الكفيلة بإنتاج ما يكفي من الأعمال التي حتما ستعم شهرتها الآفاق، متجاوزة بجِدَّتِها وإثارتها كل ما يتباها به الشرق والغرب من نصوص وكتابات!! تقاعُسٌ لا يليق مطلقا به هو الأكثر إلماما بتقنيات الكتابة الحداثية، بمجموع ما يكتنفها من مرجعيات نظرية وأساليب فنية، من ألفها إلى يائها، إذ يكفيه أن يستحضر موضوعا ما من المواضيع المتراكمة في زوايا مختبره الشخصي حتى تُضرِم الكتابة نارها في حطب الكلام، مضيئة بلهبها سماوات التلقي وأراضيه !!.

تلك كانت وجهة نظر “السيد المؤطر” في اقتناعه بجدوى إطلاقه لشرارة الإبداع، حيث ما لبث أن فاجأ الخلق – وعلى حين غرة – بكتيبة متكاملة من الكتب، بعد أن تأكد له ودونما حاجة ماسة إلى أي دليل أو برهان أنها زبدة “الأعمال المستقبلية!!” التي لن يشق لها غبار في مضمار التحبير والتعبير والتخييل، أحب ذلك من أحب وكره من كره.

أما المحك الأكثر مصداقية على أهمية هذه الكتيبة من الكتب، فيكمن – من وجهة نظره دائما- في قابليتها للتفاعل مع آخر التقليعات الحداثية، حيث ليس للقارئ سوى بذل ما قلًّ من الجهد المعرفي كي ينعكس كل ما في جرابه من زاد نظري على مرآتها. وكلها عوامل ستضمن له – على حد زعمه – حظوة التموضع المريح على رأس قافلة الإبداع، بوصفه الرائد الملهم لأفواج الكتّاب، من شعراء وروائيين ونقاد، على غرار تموضعه سابقا على رأس المشهد ذاته، حينما كان مكتفيا بمهام خلق وتأطير وتفكيك الخلايا اليقظة والنائمة لفلول المثقفين، المكتظين حوله أينما حل وارتحل.

غير أن رياح المرحلة ستأبى، في نهاية المطاف، إلا أن تجري على غير ما كانت تشتهيه بارجته؛ فبحار الأمس البعيد فقدت جاذبيتها، وأمست محض لوحات نوستالجية لطبيعة ميتة، معلقة على جدار الذاكرة. لقد اختفت خلسة بكل ما في جوفها من أصداف ودرر ولآلئ حالما دفعت حيثيات الاحتباس الثقافي بأمواج وتيارات وأسماء مغايرة وعاهات مستحدثة أشد فتكا ولا عهد لذاكرة صاحبنا بها. إنه الواقع الجديد الذي يعلو ولا يعلى عليه. واقع بحار مستجدة بظواهر غير مسبوقة، حيث ليس لصاحبنا والحالة هذه سوى البحث عن مكان آمن يقيه مغبة المغامرة بما تبقى في رصيده الزهيد من طموحات هيمنية، لم تعد مرحليا تغني أو تسمن من جوع.

ففي هذا المكان الآمن تحديدا، سيكون بإمكانه تشييد مزاره الأخير، أو بالأحرى ضريحه الذي سيتعايش فيه مع ما تقدم من سقط الأحلام وما تأخر من رعب الكوابيس. وفيه فقط، له أن يحظى باستقبال قطعان الثعالب والذئاب الضالة، والمقبلة عليه من قمامات الكلام. وفيه أيضا له أن يحظى باستضافة ما تبقى من غربان الشؤم التي ستسبح باسمه ليل نهار، في انتظار تيمنها باحتجابه الوشيك وبما تبقى من غابر ذكره البعيد والقريب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • KITAB
    الأحد 8 دجنبر 2024 - 12:13

    إذا كنت فهمت شيئا ، فأعلم أن الإبداع اليوم انتقل إلى (الذكاء الاصطناعي) ، الذي غير العديد من المفاهيم وعلى رأسها الإبداع ، فقد كان ، على سبيل المثال ; طالب الدكتورة يقضي أربع إلى خمس سنوات لتحضير أطروحته ، لكن اليوم وبفضل هذا المارد الإلكتروني الجبار ، صار بالإمكان تحضيرها في بضع ساعات ، وبالمواصفات والتيمات التي يرغب أن تكون عليه ، المشكل صار في تقنين استعمال الذكاء الاصطناعي وإلى أية حدود ، لنفسح للعقل الطبيعي مجال الإبداع، سلمات

صوت وصورة
أوزين والمؤشر الاجتماعي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:50 1

أوزين والمؤشر الاجتماعي

صوت وصورة
بركة يحذر من العزوف الانتخابي
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:30 4

بركة يحذر من العزوف الانتخابي

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين
السبت 19 شتنبر 2026 - 21:02 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد أوزين

صوت وصورة
حريق وسط حي سكني بمراكش
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:30 2

حريق وسط حي سكني بمراكش

صوت وصورة
البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:08 2

البواري وتسريع إنجاز مشاريع الماء

صوت وصورة
إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"
السبت 19 شتنبر 2026 - 20:00

إصلاح المركز الصحي يدفعني لدعم "الأحرار"