مَهَارَاتُ التَّغَلُّبِ عَلَى الشَّغَبِ... تَجْرِبَةٌ مَدْرَسِيةٌ

مَهَارَاتُ التَّغَلُّبِ عَلَى الشَّغَبِ... تَجْرِبَةٌ مَدْرَسِيةٌ
الأحد 18 مارس 2012 - 14:41

بسم الله الرحمن الرحيم

تجربتي هاته آتية من خلال فترة قضيتها في التربية والتعليم؛ إذ بهرتني كثير من القصص المتعلقة بمعالجة مشكلة الشغب؛ لذا أحببت أن أزود إخواني من أرباب هذا المجال ببعض ما أراه –وقد يكون خطأ أو صوابا- من رؤى وتجارب تربوية؛ لعلها تكون زادا لهم، يضاف إلى خبراتهم، ويعمق معرفتهم بأداء الرسالة التربوية، وأستفيد منهم فيما به يشيرون.

فأقول وبالله التوفيق:

تعتبر ظاهرة الشغب داخل حجرات الدراسة ظاهرة عامة وإن كانت درجاتها مختلفة، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها التغيرات العالمية في مختلف البيئات الاجتماعية والثقافية، وقل أن يسلم منها قسم أو لا يشكو منها أستاذ، وهو مشكل يتكرر يوميا في مختلف الحصص الدراسية، والسبب في ذلك هو الثقافة والعقلية الاجتماعية المنتشرة التي تعتبر الشغب أحيانا ضربا من الشجاعة.

وهناك الكثير من سوء المعاملة للمشاغبين، وما تزال لغة الشتائم والتهديد والوعيد هي السائدة، وغيابها يكاد يفسر -من غير التربويين- بأنها نوع من أنواع الضعف، والحقيقة أن غيابها وإحلال اللطف محلها أمارة ثقة وصمام أمان.

ويتجاوز الشغب أحيانا حدوده، ويصبح عائقا أمام الأستاذ والمتعلم ويؤثر تأثيرا سلبيا على الطرفين؛ فتختلف مواقف الأساتذة من الشغب، وكل يعالجه بطريقته الخاصة، التي تعتمد في الغالب على التخلص من الشغب في تلك اللحظة والآن، دون استحضار المدى البعيد، وحمل المشاغب على أن لا يعود، وبسبب هذا الاستعجال؛ قد يلجأ بعض المربين إلى طرق غير سليمة من الناحية التربوية في معالجة الظاهرة؛ ككتابة التقارير، أو التوبيخ والزجر بالكلام الغليظ، أو الوعيد والتهديد بشتى الطرق والأساليب، وكل ذلك في نظري غير صائب ولا مستقيم. والسبيل الأمثل لاحتواء أي حالة كيفما كان نوعها الأسلوب الرحيم، وقد جربت الأمر واتبعته مع بعض تلاميذي الذي كانوا يشاغبون فألفيته نافعا ومفيدا، ولا يقتصر فقط على علاج المشكلة، بل يتجاوز إلى إصلاح تربوي شامل، يعيد التلميذ إلى الجادة.

والتغلب على الشغب يتطلب مهارات؛ سيما حين يتجاوز حدوده، فهو لا يخلو من حالين: أولاهما: أن يكون بشكل مزعج ويتكرر بشكل دائم، فيتطلب الأمر الاحتواء، وثانيهما: أن تعرض حالات استثنائية أحيانا، يستدعي الأمر التعامل بما يناسب المقام. وفي كلا الحالتين؛ يبقى للشغب أسبابه ودواعيه المشتركة بين الأستاذ والتلميذ.

أسباب الشغب:

السبب الأول: الأستاذ

ليس جزافا ولا تحاملا أن يعتبر الأستاذ هو سبب الشغب الذي يحدث في القسم أحيانا؛ ذلك أن الأستاذ كثيرا ما يكون هو المتسبب في الشغب دون أن يدرك ذلك، ويتجلى الأمر في طريقة أدائه؛ فالأستاذ الذي لا تكاد كلماته تسمع أو تفهم، لاشك أن التلميذ سيبحث عما يملأ به الفراغ ويشاغب بما تيسر له من وسائل حسية ومعنوية، لغياب عناصر الإثارة والتشويق التي تجذب التلميذ نحو الدرس. وقد يتعلل الأستاذ أحيانا بجفاف المادة أو الموضوع، وفي اعتقادي ان المادة أو الموضوع أيا كان نوعه بمقدور الأستاذ أن يجلب أنظار التلاميذ نحوه ويجعلهم يهتمون به، بوسيلة ما من الوسائل.

السبب الثاني: التلميذ

التلميذ لما يأتي للمدرسة يأتي ومعه أشياء كثيرة يحملها، ربما خطرت بباله أفكار فيريد لفت النظر إليها، وبعضهم يشتكي هموما ومشاكل متنوعة ألمت به، فيرغب في إفراغ ذلك داخل القسم؛ حيث الزملاء ينظرون ولربما بعض معجبيه حاضرون، فيحرص على لفت الانتباه إليه أو رد الفعل وتفريغ شحنته، ولو بما يسبب له الطرد واللعنة من الأستاذ، على طريقة الأعرابي الذي لطخ الكعبة بالقاذورات؛ فلما قيل له في ذلك، قال: “أحببت أن أذكر ولو باللعنة”. وقد يكون ديدنه الحديث مع من يجلس حوله، دون شعور منه أنه يشاغب، أو لربما يعتبر الأمر عاديا، لعدم إدراكه الأثر المترتب على شغبه.

كيف تتغلب على الشغب داخل القسم؟

حين تلاحظ الشغب؛ فلابد من احتوائه بالطرق المناسبة، وأقترح لذلك:

– لابد من توقع الشغب في كل لحظة وآن، فإنك إذا توقعته هان عليك وقوعه وسهل عليك التعامل معه.
– أن تعتقد أن نجاحك في احتواء حالة شغب، نجاح يعطيك الثقة في النفس، ومحفز لاحتواء الحالات الأخرى بنفس الطريقة؛ فتحب معالجة الشغب بارتياح كما تحب تبليغ المعلومة بأمان واطمئنان، وكيف لا ومعالجة الشغب نفسه عملية تربوية لا تنفك عن وظيفة المربي.
– من السهل ضبط القسم بالوعيد والتهديد، والصعب هو ضبطه باللين والرأفة التي ينبغي أن يتحلى بها الأستاذ في كل حين.
– التعلم من بعض الأخطاء التي قد تصدر منك أثناء معالجة بعض حالات الشغب؛ فذلك يفيدك في التجارب المستقبلية الأخرى.
– تعامل مع حالة الشغب بثقة في النفس وسكينة واطمئنان، واعتبر المسألة اختبارا لك، ولابد من النجاح فيه.
– احرص على القدر المعقول من العلاقات الاجتماعية بينك وبين التلاميذ؛ فذلك مدعاة احترامهم وتقديرهم لك.
– تعود على ظن الخير في كل تلميذ، وتخلص من الأفكار التي تتلقاها من محيط عملك بأن فلانا دائما مشاغب.
– إذا شعرت أن درجة القلق لديك عالية، فاحرص على تهدئة نفسك وكبح شغبها الداخلي المتمرد، وتذكر أن هذا الشعور يؤدي إلى معالجة الأمر بطريقة غير صحيحة، وعلاجه هو محاولة استعادة الهدوء، قبل علاج المشكلة.
– قبل الخروج من المدرسة احرص على اللقاء بالمشاغب في حديث ودي بينك وبينه، وانصحه سرا، وكن على يقين أنه سيستجيب.
– اضبط المشاغب بالأسئلة، وحتى لو تلعثم فحاول في كل محاولة شغب أن تستدرجه بالسؤال. وكلما حاول هو الانشغال اشغله بمزيد من المنبهات واعتبر ما تشغله به ستارا بينه وبين الشغب، وكل ذلك ينبغي أن يكون في حدود المعقول. ومن هنا تبدو أهمية الأسئلة التي يتوقف عليها نجاح احتواء الشغب.
– لا تذهب إلى القسم وأنت منزعج أو مضطرب، فينعكس ذلك سلبا على التلاميذ، وتذكر أن الطهارة وذكر الله عز وجل وتلاوة القرآن تقلل من التوتر.
– ربما تمر لحظات وأنت تشعر أنك مضطرب وغير قادر على الاستمرار في الدرس بسبب سلوك أو تصرف؛ رغم كل ذلك احتفظ بهدوئك وسوف يعود نشاطك العقلي بعد قليل من الوقت.
– تنشيط عقول التلاميذ واستفزاز تفكيرهم، ودفعهم بذلك إلى المشاركة الإيجابية والفعالة.

ومرة كانت لي تجربة مع تلميذ ظهر لي من خلال أول لقاء بالتلاميذ أنه قد ألف الشغب وصار له عادة، وهو بصورة عامة غير مبال ومتمرد ويرى أن لا سبيل لفرض ذاته ولفت الانتباه إليه إلا بالشغب، والجميع لا يعيره أي اهتمام لأنه مشاغب كسول، وقررت في أحد دروس الأنشطة أن يكون هو المسير وله الكلمة، ولما أخبرته بمهمته فوجئ هو وجميع زملائه من المسألة، فمن غير المتوقع أن يتولى التلميذ المشاغب مهمة تتطلب قدرا من المسؤولية والفطنة والذكاء، كان الأمر بالنسبة له غير عادي وأشرت أثناء تكليفه أني على يقين من حسن أدائه. وكان ذلك اليوم بمثابة ميلاد له للتفاعل مع الأنشطة؛ فكان حريصا على المشاركة في كل نشاط بعد، وحسن حاله، وتغير بشكل سريع ومفاجئ من تلميذ مشاغب كسول إلى تلميذ ملتزم نشيط.

[email protected]
صفحة الكاتب على الفيسبوك:

http://www.facebook.com/karimkallali
تويتر
https://twitter.com/#!/fata_rif

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • كريم أهلال
    الأحد 18 مارس 2012 - 18:18

    يمكن القول إن المقتراحات التي تقدمتم بها هي مقترحات في حد ذاتها صائبة وقليل من يتقنها ، ويلجأ إليها من المربين بصفة عامة، والأساتذة بصفة خاصة ،
    لكن هذا الأسلوب قد ينفع مع بعض التلاميذ دون البعض ، والسبب في ذلك راجع إلى اختلاف البيئة والميط الذي يعيش فيه التلميذ ، ناهيك عن نفسية التلميذ والعوامل المؤثرة فيه داخليا وخارجيا وعلى هذا فلا يمكن للطبيب أن يعطي الدواء إلا بعد أن يوصف له الداء وكما تقدم فإن الداء يختلف من شخص إلى أخر .

  • حمادي
    الأحد 18 مارس 2012 - 19:19

    نعم ما قلته صحيحا ولكن يبقى نسبيا لان القسم جزء من المجتمع والمجتمع صعب التصنيف ولو على مستوي اسرة واحدة ولهدا السبب فان القسم يشتمل على العديد من فيئات المجثمع فرغم جهد المدرس في محاولة الحد من الشغب فانه يتعرض دائما لحالات لاينفع معها ماقلت حيث ان هناك تلاميذ يستحقون تربية اخرى وهذه التربية خارج عن نطاق المدرسة فما تربية الذي ياتي الى القسم في حالة غيرطبيعية متخضرا او مقرقبا ومعه سلاح ابيض اهل يكون الاستاذ هوالحل الوحيد لمثل هذا النوع من السلوك الخطير ومن الذي يتعاون معه حتي يعود هذ التلميذ الى صوابه اهل الوالدين ام الشارع ام المجتمع الذي تعلم فيه هذا الخطر ومن هو المسؤول على هذا الانحراف الذي هدد تعليمنا واصبحنا نعيش في كل يوم خبرمؤلم والسلام من رجل تعليم ليس له شغب في القسم بنسبة90/100سنوياومع جميع المستويات جدي في عمله وتوجيهاته ونصائحه المفيدة الى ا قسامه

  • استاذ من مريرت
    الأحد 18 مارس 2012 - 20:41

    ماقلته يااخي صحيح و لكن المهمة تزداد تعقيدا و صعوبة كلما ازداد عدد التلاميذ و كلما ازداد عمر الاستاذ

  • قوزة
    الإثنين 19 مارس 2012 - 00:01

    تحية طيبة أخي الكريم صحيح أن أساتذة التربية الاسلامية لهم خصوصية تجعل من حصصهم وسائل لتقوية الصحة النفسية لدى المتعلم قبل أن تكون حصصا تعليمية ولكن لا أخفيك سرا أنني ممن سلك منهج الرأفة واللين في حياتي كلها قبل أن أكون مدرسا إلا أنني وقفت على حالات بالجنوب يغلب عليها الطابع الصحراوي الجاف والتي لا تقدر هذا التعامل فتكون النتيجة معكوسة مما اضرني لسلوك منهج الشدة والصلابة وكانت النتائج مرضية شكرا

  • Amal
    الإثنين 19 مارس 2012 - 04:17

    شكرا اخي على هاته النصائح. في نظري يجب فصل الفتيات على الفتيان فغالبا ما يكون الشغب سببه الاولاد لكي يثير اهتمام البنات. فهناك تلاميذ مكررين ليست لهم رغبة في التعليم فتراهم يكثرون من الشغب و الغياب لانه اصبح من السهل الحصول على شهادة طبية وحتى ان حضروا فهم ياتون لينوعوا من علاقاتهم مع البنات والجري وراء مغامرات غرامية او حتىجنسية اذا وجد طريدة سهلة المنال. وهذا النوع من الصعب ان تضبطه فهو يريد اكتشاف اي شيء: مخدرات, شرب, قمار…ولا يريد ان يقوم بذلك لوحده فيدخل غمار التحدي مع الاساتذة والادارة لكي يكون له اكبر عدد من الانصاروهذا يترتب عنه بعض الاحيان نزاعات بالاسلحة البيضاء في ساحة المدرسة او خارجها وغالبا ما يكون الصراع وراءه فتاة وتشتد حدة هذه الظاهرة خاصة في الاحياء الشعبية.

  • karim5/5
    الإثنين 19 مارس 2012 - 08:12

    يسم الله شكرا لك استاذي على الجراة في مناقشة الموضوع ، فقد لامست جوانب مهمة من اسباب الشغب وقدمت بعض الحلول التي يمكن ان تكون دواء للشغب غير ان الاستاذ ليس الة مجردة من المشاعر فهو يتاثر ويشعر بالاذى والاحتقار كما يشعر بالنخوة والسعادة بحسب تصرفات المتعلمين .ان بعض المتعلمين خلق ليكون مشاغبا ولا يمكن ان ينفع معه الا الشدة والغلظة وكلما حاولت اللين تجبر واعتقد انه من علامات ضعف المربي خاصة في المستويات العليا ان من بين الحلول المثل القائل .لاتكن لينا فتعصر ولاتكن صلبا فتكسر .هذا وان الادارة تساهم في استشراء الشغب او قلته في المؤسسة فتعاملها مع المتعلمين يدفع البعض من المراهقين الى الاعتقاد بان لاوجود لمحاسب فينزق ويتجبر خاصة اذا كان من ذوي العضلات .ان المدرسة كالمجتمع هناك من لاينفع معه الا الحقن المهدئة في نهاية المطاف كما تفعل الدولة مع كبار المجرمين ، وانا اتحدث من موقع تجربة ولا انظر فالمشاغب عادة مدمن على الشغب واذا عولج لفترة فلا تامن من عودته الى سلوكه اللاسوي كلما توفرله الجو المناسب لذا هناك حل اخر وهو الحل الامني الوقائي : تغيير الادارة المدنية بعسكرية صارمة وضابطة لامن المؤس

  • aicha
    الإثنين 19 مارس 2012 - 16:38

    l enseignant d abord et l enseignant en dernier lieu dans la majorité des cas de toute maniere chacun se rappelle au moins une fois dans sa vie avoir souffert le matyre a cause d une injustice ou d un imposture provenant de son proff ou de son instit et a ce propos ma fille dans un lycee privee et lors d une evaluation de maths concus expres et malintentionnellement au dessus du niveau et de l entendement des eleves en plus notre proff pass entre les rangs s arrete et souffle quelques pistes pour quelques uns 4 sur les 28 et quand ma fille a ose poser une question notre proff a haussé ses épaules ma fille et d autres sont sorties de cette evaluation en pleurs notre proff le fait publiquement et au su et vu de tous les autres de quoi faut il qualifier ce proff a t il une conscience croit il qu il rend service a ses proteges j ai une rage au coeur terrible contre lui avaler oublier lui cracher dessus tous les eleves devaient sortir et se soulever

  • SAII
    الثلاثاء 20 مارس 2012 - 00:50

    صحيح ما ذكرت لكن تبقى بعض الحالات عصية على الاحتواء لتكون درسا جديدا يستفيد منه الاستاذ مقرا بهلامية النفس البشرية

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد