شاءت الأقدار الإلهية، أن يتزامن تاريخ اطلاعنا على هذا الكتاب (السيرة)، مع أحداث شهدتها العاصمة الرباط، في الحرم الجامعي مؤخراً، وتميزت بمواجهة بين طلبة مهنة الطب مع رجال الأمن، وانتهت بصدور بعضالبيانات التضامنية عن جمعية حقوقية وحزب سياسي.. إلخ.
أصل الحكاية أن مؤلف الكتاب، الصديق والطبيب محمد الزعري الجابري، أهدانا هذا العمل، على هامش أشغال لقاء جمعوي، نظمته جمعية عدن Eden وهي جمعية مدنية فريدة من نوعها، أسّسها في البداية، طلبةعلوم الطب ـ الرباط، وأصبحت اليوم متعددة الاهتمامات والأنشطة، تصب أساساً في خدمة العمل الإنساني والتطوعي، ويهم بالدرجة الأولى الفئات الاجتماعية الهشة، مع التركيز على الأطفال والشباب. ويتم ذلك تحتقيادة فريق عمل نعتقد أنه يمثل مفخرة لهذا البلد الأمين. (شاركنا في احتفالات الجمعية، من خلال آراء في موضوع مفهوم للمواطنة في الخطاب الديني، بدعوة كريمة من الفاضلين سكينة جاسيم وياسين السويدي).
حدث ذلك في غضون شهر يونيو الماضي، واعتقدنا لأول وهلة، أن الكتاب/ الهدية، لا يعدو أن يكون عملاً جديداً يُصنف في خانة “تحرير الخواطر”، التي لا تضيف الجديد والممتع للعمل الأدبي، أو البحثي.
بعد مرور حوالي خمسة أشهر، قضينا [تقريباً] يوماً كاملاً مع هذا الكتاب، (جاء في 77 صفحة، بالفرنسية، وطُبع في كندا، حيث يُقيم المؤلف)، لأن من “تُسوّل” له نفسه قراءة الكتاب، سيجد صعوبة في أن يوزع مراحلقراءته عبر حلقات، بل سيجد نفسه متفاعلاً بشكل مثير مع باقي مضامين العمل، ومُضطر، من حيث يدري أو لا يدري، إلى إنهاء القراءة من أولى الصفحات إلى آخرها.
كتاب نوعي وتحفة أدبية وأخلاقية في آن، يتطرق لبعض ذكريات المؤلف، وهي ذكريات سوداء في الغالب، أثناء مزاولته مهنة طب المستعجلات، في العاصمة الرباط، وجاءت موزعة على 11 حلقة، وخاتمة.
ترتحل بنا كل حلقة/ فصل من الكتاب لسرد إحدى تجارب المؤلف مع معاناة مريض (ة)، في قالب أدبي، متماهياً مع سرد يحبس الأنفاس، خاصة أننا إزاء طبيب جراح في قسم المستعجلات، وفي هذا القسم، وفي العالم بأسره بشكل عام، ليس مضموناً أن الذي يلجه سيخرج سالماً معافى، وهذا أمر معقد ومرتبط بالحالة الصحية التي يوجد عليها المريض (ة) أثناء قدومه، ومرتبط أيضاً بأداء طاقم القسم (أطباء، ممرضين..)، ومرتبط كذلك(وخاصة، في حالتنا هذه) بالظروف الإدارية و”اللوجستيكية” للقسم المعني.
دفاعاً عن قِيَم إنسانية مشتركة
نطلع على ما قد يُلخص هذا الكتاب/ السيرة، في مقدمته: نحن عمل في الذاكرة يهم الدفاع عن بعض ما يجمعنا نحن البشر وهو تلك القيم الإنسانية، ونحن مطالبون بالدفاع عن هذه القيم من أجل مستقبل أفضل لأطفالناوإلا فإن نسيان هذه القيم المشتركة قد يؤدي إلى خرابنا.
العمل إجمالاً، عبارة عنً جزء من سيرة ذاتية، والعمل أيضاً نقد مجتمع وسلطة وصرخة أخلاقية، والعمل أخيراً، نقد ذاتي صادق، أو نحسبه كذلك، من كثرة الانتقادات التي يوجهها المؤلف إلى ذاته وإلى المؤسسةالصحية والمسؤولين في الوزارة والحكومات المتعاقبة، ومن الانتقادات/ الاتهامات التي يُوجهها المؤلف إلى شخصه، نقرا على الخصوص تهمة ممارسة “ازدواجية الشخصية” [الشيزوفرينيا]، وهي “التهمة” التيتكررت عدة مرات في مضامين العمل (على الأقل، في الصفحات 15 و22 و58 و62).
الجملة اللازمة للعمل هي عبارة “أجمل بلد في العالم”، نطلع عليه في أول وهلة في الصفحة الثالثة، وبعدها، نكاد نجدها في جميع الحلقات/ الفصول.

يُسافر بنا المؤلف في الحلقة الأولى مع موقف إنساني حرج واجهه، حيث وجد نفسه مُضطراً لأن يحسم في مصير حياة وموت مريضين اثنين، طرقا معاً في نفس التوقيت باب المستعجلات، فبسبب نقص التجهيزاتالطبية الكفيلة بإنقاذ المريضين معاً، كان عليه أن يختار بين من سيظفر بالآلة الوحيدة التي ترتبط أحد المريضين بالحياة، وهذا ما حصل، وهنا يُحمّل محمد المسؤولية للنظام الصحي وليس للمستشفى المعني، متحدثاً للمرةالوحيدة في الكتاب عن مسؤولين بدون ضمير. وفي نهاية الواقعة/ الفصل، يُنبه المؤلف إلى أن التجربة المريرة التي توقف عندها، لا تمثل سوى الجزء الظاهر من جبل الثلج.
الحلقة الثانية مُخصّصة لحالة شاب كان يعيل عائلة من 12 فرداً، سيرحل عنا للأبد، بسبب إصابته بمرض السرطان.
خلاصة الواقعة جاءت في صيغة إدانة موجهة للجميع: كلنا مسؤولون عن هذا الوضع: مثقون، صحافيون، سياسيون، مسلمون، يهود، مسيحيون، كلنا مسؤولون بسبب الصمت، وغلبة الأنانية، ومرد ذلك أننا نتجاهلكوننا نعيش في عالم واحد. (ص 16)
غَلَبة أخلاق الأنانية
بالنسبة للذين لا يغلبون “أخلاق” الأنانية، يتوقف المؤلف عند حالة إحداهن في مضامين الحلقة الثالثة، وتتعلق بنجاة سيدة من أهوال المرض، بسبب تعاطف سيدة فرنسية عجوز، معتبراً أنه لا يجب أن ننتظر كل كرةهذه الإعانات لكي لا تكرر مأساة السيدة.
في هذا الواقعة، يحكي محمد الزعري الجابري كيف أنه يضطر مراراً لكي ينزع عنه صفة/ مهنة الطبيب الحراج (جراجة الدماغ)، ويُصبح مفاوضاً من أجل البحث عن الأدوية أو التدخل لدى الإدارة من أجل إجراء فحوصات وأشعة وغيره.. وفي هذه الحلقة أيضاً نموذج تفسيري حول بعض أسباب كثرة الإنجاب السائدة في المنطقة، وليس في المغرب وحسب (ولو أن الأرقام الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، كماجاءت على لسان الأستاذ أحمد لحليمي، المندوب السامي للمؤسسة، تفيد أن هذه النسبة في تراجع، وتهدد، على المستوى المتوسط، مستقبل التنمية البشرية في المغرب).
يرى الزعري الجابري أن الجنس يُعتبر الملاذ الأخير أمام الفقراء والمعوزين، وبالتالي ينتقمون من أنفسهم من حيث لا يدرون، عبر المزيد من الإنجاب. وليس صدفة أن نجد ضمن النصائح التي يوجهها المؤلف في خاتمة الكتاب، التحذير من ممارسة الجنس بشراهة. (ص 76)
تطرقت الحلقة الثالثة لحالة فتاة أنقذها المؤلف من موت محقق، يتعلق الأمر بفتاة (ست سنوات) أحضرها الأب، من إحدى قرى الهامش، على متن سيارة مهترئة، وقطع بها مسافة 400 كلم، وهي حالة غيبوبة.
الحلقة تضمنت إشارة أولية (ومتكررة أيضاً في العمل)، إلى سؤال “كلاسيكي”، غالباً ما واجهت المؤلف، ويتعلق باستفسار عائلات المرضى القادمين للمستعجلات، عن قيمة تدخل طبي عاجل، من قبيل إجراء عمليةجراحية مثلاً، أو إجراء تحليلات مستعجلة حول الدماغ أو القلب أو غيره، وبسببها “تورط” المؤلف مراراً في الخروج عن “المنظومة القانونية”، من أجل إنقاذ ما يُمكن إنقاذه، دون أن يتورط في الاستفادة الماديةالمباشرة من هكذا ممارسات، بقدر ما كانت الاستفادة إنسانية وأخلاقية، ولا تخرج عن مساعدة عائلات فقيرة، لا تفكر أساساً في زيارة عيادات طبية خاصة، وتدعو الله ألا تلج باب هذه الحالات المستعجلة.
يُوجه الزعري بعض النصائح للقراء بخصوص التعامل مع موضوع “الوديعة” المالية، في خاتمة الكتاب، وعن أم أسباب اضطرار المرضى لطرح هذا السؤال الكلاسيكي، فيُلخصه الزعري في النهب الذي يطال ميزانيةالإدارات الصحية بشكل عام.
في هذه الحلقة، وتفاعلاً مع حالات التضامن التي عاينها الطبيب المؤلف بين الفقراء الذين يلجون باب المصحات العمومية، اعترف المؤلف أنه ذرف الدموع أمام سُمو هذا السلوك الحضاري بين مرضى فقراء مادياً،ولكن أغنياء إنسانياً. ويا لها من مفارقة.
من كنوز هذه الحلقة، وبما أن الزعري الجابري تطرق لحالة فتاة شاءت الأقدار أن تنجو من حالة غيبوبة خطيرة، رغم الظروف الصحية التي لم تكن تبعث على التفاؤل، فقد استفسر عن مصير نفس الطفلة في مرحلةما بعد النقاهة، ولأنها من وسط اجتماعي هش، فقد استغل الجابري الحدث لتوجيه النقد الشديد إلى كل من يستغل الخادمات في ما اصطلح عليه بـ”العبودية الحديثة”، أي العبودية التي تتم من خلال تشغيل الفتياتالقاصرات في البيوت، أو استغلالهن في نفس البيوت من أجل ممارسة الجنس.
اعتذار باسم المجتمع والسلطة إلى “مي فاطمة”
مضامين الحلقة الرابعة لا تقل مأساوية في نهايتها عن نهايات أخرى في بعض باقي الحلقات، وارتحلت مع حالة “مي فاطمة”، سيدة عجوز، قضت 25 سنة في التيه، بعد وفاة زوجها، منها خمس سنوات الشارع، وخمسسنوات في دار العجزة، قبل أن تنعم الأقدار بتدخل أحد المحسنين من أجل أن تلج عالم دور العجزة، وانتقد الجابري بشدة في هذه الحالة، واقع اللامبالاة السائد في المجتمع ضد المهمشين والفقراء، مختتماً الواقعة بتقديماعتذار شخصي [كذا] باسم المجتمع والسلطة.
كانت الحلقة مُخصصة لعقد مقارنات بين طبيعة التعامل المختلف في مصالح المستعجلات مع أربع حالات: حالة مواطن “عادي”، حالة مواطن لديه علاقات، حالة سائح عابر، وأخيراً، حالة مغربي من أفراد الجاليةالمغربية المقيمة في الخارج.
ما يهمنا أكثر هنا، النقد الهام الذي وجهه الزعري الجابري إلى العديد من أطباء القطاع الخاص من الذين يتسببون في مآسي طبية بسبب عدم التفاني في عملهم الصباحي الذي يتم في المصحات العمومية، والذي تليه فترة هرولة نحو المصحات الخاصة التي يعلمون فيها أيضاُ. [على غرار السائد مثلاً في قطاع التعليم].
نقد النظام التعليمي في المغرب، كان محور الحلقة الموالية، كما انتقد بشدة غياب العدالة الاجتماعية على هامش مآل حالة طبية مستعجلة، انتهت بوفاة شاب في ربيع العمر، وقبل هذه الوفاة، يحكي الكاتب لحظة صادمة(ذرف بسببها الدموع مرة أخرى)، عندما التقى بوماً بأم الشباب وهي تتسول السائقين قرب المستشفى، من أجل توفير مستلزمات العلاج، وعندما أخبر الزعري الجابري، لاحقاً، الأم بوفاة الإبن، كان رد هذه الأخيرة قصيراً ودالاً: “لقد ارتاح لكي يرحل إلى عالم أفضل من عالمنا”. (ص 45).
لم تسلم المؤسسات الصحية والإدارية المسؤولة عن القطاع الصحي من المطرقة النقدية للمؤلف، بما في ذلك مآزق العقلية البيروقراطية، ومعها مافيا السوق السوداء في المستشفيات [سواء تعلق الأمر بالمافيوزيينالصغار أو المافيوزيين الكبار].
وحتى لا نختزل أزمة القطاعات الصحية في المغرب أو غيره، فقط في بعد وطني/ محلي، ينتقد الجابري أيضاً منظومة الصحة في العالم بأسره، والإحالة هنا على الجانب الصحي والطبي في الرأسمالية المتوحشة. (ص52).
في الانتصار للطاقات المغربية الصادقة
حلقة الأسئلة الحرجة هي الحلقة الثامنة، وتضمنت تسعة أسئلة حول واقع القطاع الصحي والطبي في المغرب. (كما نقرأ لائحة أخرى من الأسئلة الملحة في ص 71)، ويرى المؤلف أن إصدار هذا الكتاب مرتبط أساساًبمقتضى هذه الأسئلة، ومرتبط أيضاً بتسليط الضوء على تجربة ميدانية مسؤولة من أجل المساهمة في إصلاح الوضع، وتأهيله نحو الأحسن، ضداً على الذين [قد] يختزلون الكتاب في “تصفية حسابات” (ص 77).
الحلقة ما قبل الأخيرة مخصصة لتعامل المؤلف مع هاجس الموت، باعتباره المقام الإنساني الذي يستوي فيها الجميع، وحيث يضطر الإنسان، شاء أم لا، في أصله البشري: Homo sapiens
من مُميزات العمل، أن مؤلفه استهل جميع حلقاته بمقولة لأحد مشاهير الأدب أو الفكر أو السياسة. وفي مستهل الحلقة العاشرة، يستشهد الزعري الجابري بمقولة لألبير كامو جاء فيه أنه لا يمكن ضمان براءة شخص ما،ولكن في المقابل، لدينا قدرة [رهيبة] على إدانة الجميع؛ بمعنى آخر، كل شخص شاهد على جرائم الآخرين.
الحلقة مخصصة كلياً نقد لاذع لسياسة الصمت المتبعة في تدبير ملف الصحة في المغرب، سواء صمت المسؤولين أو صمت المواطن، بما في ذلك طبعاً، صمت المريض الذي يجد نفسه ضحية المنظومة، ويضيفالجابري في هذا السياق، أنه في زمن الثورات السلمية، لا بد من ترويج المعلومة والتصدي لهؤلاء المسؤولين من أجل نصرة الإنسانية.
ليس صدفة أن يتوقف ويستشهد المؤلف في الحلقة العاشرة من العمل، بعبارة/ نداء: “لدي حلم”، تلك المقولة الشهيرة للناشط الأمريكي الأشهر مارثن كينغ، والإحالة هنا، على الفرح الذي أصاب الزعري الجابري عندما علِم بصدور تقرير عن المجلس الأعلى للحسابات، بخصوص حالات الفساد المالي والإداري المرتبط بالقطاع الصحي، حيث توقع الجابري أن نسمع عن استقالة أو متابعة قضائية أو حتى اتخاذ إجراءات زجرية وتأديبيةضد كل المعنيين بنتائج التقرير، إلى أن تأكد أنه لا شيء حصل في هذا المضمار، ليرتحل بعدها نحو نقد مافيات العيادات الخاصة، ونقد كل السياسات الترقيعية المتبعة من طرف الحكومة الحالية.
مسك ختام هذا العمل الروائي الواقعي، جاء في خاتمة تطرقت لما حفِل به آخر يوم قضاه المؤلف في قسم المستعجلات، وتضمنت الخاتمة بعض النصائح العملية الموجهة للمواطن بخصوص التعامل مع المنظومةالصحية، وبما أن الكاتب/ الطبيب عاشر عن قرب حالات مأساوية مرتبطة بتبعات الإفراط في شرب مثلاً، فإنه يوجه نصائح بالابتعاد أو التقليل من الإفراط في ممارسة الجنس والسكر والمخدرات وكل تلك الطاماتالمُدمرة لدماغ الإنسان.
وحتى لا يكون خطاب المؤلف كافكاوياً أو متشائماً، أقرّ بوجود إرادات مغربية صادقة، ولكن ترجمة هذه الإرادات، يتطلب مساءلة المنظومة ككل ضداً على صعود اللاكفاءات والسياسات الترقعية القائمة اليوم، بل منذمنذ عقود.
راعي الماعز المغربي
يبدو أن المُشاهد الغربي لما ترويه الدبلوماسية المغربية وصحافة الوكالة حول الديموقراطية بدأ يستفيق من تأثير حبكة الظلام المخصصة للفرجة. ووعى أن الأمر لا يتعدى سوى فيلم خيالي يفرج به المخرج عن الناس ما سببته نواغص الواقع، وأن الاستبداد لم يغادر يوما هذي البلاد بل اتخذ لباسا أكثر رونقا واختبأ تحت دثار ذرائع من قبيل : الاستفتاء على الدستور الجديد، وشفافية الانتخابات، والتنمية الجهوية، ومجلس حقوق الإنسان، وتعديلات مدونة الأسرة، وحرية الصحافة المكلومة، والحكامة، ودولة الحق والقانون. نحن المغاربة نعرف أن تلك الألفاظ تشبه أوراق الكارطة، لعبة الورق المغربية – خصوصية مغربية أخرى- قد نطلق عليها ألقابا متعددة لكنها تبقى في الأول والأخير لعبة للتسلية فقط، والرابح في الأخير ورقتا الملك والعصا.
فؤاد وجاني
نماذج من الحياة.وهل تغير شيئ في البلد.ما كان زمان باق.يبقى الحلم كالعطشان في الصحراء كلما راى سراب حسبه ماء فنحلم ونمني النفس الى ان يرث الله الارض ومن عليها.