نقطة نظام

نقطة نظام
صورة: أرشيف
الأحد 11 يوليوز 2021 - 08:02

رغم تواضع المنازل، وتواضع الحي.. فإن الحركة تدب في المكان عند ساعة مبكرة كل صباح، حيث يتوجه العمال والعاملات إلى عملهم بنشاط وحيوية، فيما يحاول آخرون التدفق خارج الحي لممارسة رياضاتهم المفضلة. بالمقابل يفضل آخرون القيام بأشغال البستنة في هذه الساعات الباردة، التي لا تزيدها حرارة إلى نكهة الخبز القادمة من المخابز المكلفة بتزويد المدينة باحتياجاتها .

هناك من يزرع وردة، وهناك من يعتني بشجرة، وهناك من يفضل العناية بحيواناته الأليفة جدا، فيما تكلف شباب من الحي برسم جداريات تضفي رونقا خاصا على المكان، وقد منحوا الأطفال الصغار فرصة للتعبير عن رأيهم وشغبهم في لوحات أعدت خصيصا لهذا الغرض. أما نظافة الحي فهي مسؤولية الجميع، إذ يستحيل أن يقوم أي شخص هنا برمي النفايات في الشارع، بل إن حاويات الأزبال التي خصصتها البلدية لهذا الغرض، تبقى نظيفة وثابتة في مكانها، بعد أن يتم تزيينها هي الأخرى من طرف المتطوعين.

هؤلاء المواطنون ليسوا مثاليين، ولكنهم يفضلون عيش حياة هادئة، ويرتبون أولوياتهم بشكل جماعي، ويتواصلون مع السلطات والمنتخبين بطرق حضارية، بل إن “مكتب المنتخب” مفتوح للعموم، شأنه في ذلك شأن مكاتب جمعيات الحي، وجمعيات حماية المستهلك، وجمعيات العمل التطوعي والدعم المدرسي.. وكل ذلك خدمة للمواطنين.

هذه الإجراءات لا تكلف مصاريف كثيرة، ولكنها مرتبطة بسلوكنا الاجتماعي، ولا شك أننا قطعنا سنوات ضوئية من التقدم والرفاهية الحضارية، حيث لم يعد هناك ازدحام على وسائل النقل الجماعي، والمواطنون اعتادوا الانتظار مبتسمين في طوابيرهم، حتى وإن كانوا أمام غرف المستعجلات، بل إن السياقة داخل المدينة أصبحت متعة حقيقية بعد تخلي أغلب السائقين عن سياراتهم، وبعد أن أصبح التسامح سيد الموقف، حيث تتوقف العربات تلقائيا للسماح بمرور الراجلين، الذين يصرون على العبور من الأماكن المخصصة للراجلين.

هناك بعض الضغط، بسبب الجائحة، ولكن التلاحم الاجتماعي والانضباط الملحوظ في الأماكن العامة، وفي الأسواق والشواطئ، سيحول بالتأكيد دون تفاقم الوضعية الوبائية، ذلك أن سلوكنا أصبح صمام أمان لهذا الجيل وللجيل الذي سيأتي بعده، بل إن طريقة تقيدنا بالإجراءات الاحترازية قد يتم تدريسها مستقبلا في الجامعات الكبرى.

هناك من يعمل، وهناك من يدرس، وهناك من يمارس الرياضة، وهناك من يسعى إلى تعلم حرفة.. وهناك رجال الأعمال وهناك الوسطاء، والانتهازيون، والأخلاقيون واللاأخلاقيون، والمتدينون واللادينيون، والنباتيون.. ولكن الجميع يصر على الانصهار داخل سلوك عام، حضاري وراق، وهذا مبعث الفخر في كل وطن.. فالحرية والكرامة تطبخان على نار هادئة، وبمواد أولية يصنعها المجتمع نفسه.

داخل هذا الجو العام، الكل ملتف حول القضايا الوطنية الأساسية، والكل يلتقط الإشارات، ولا خوف على هذا الوطن من العودة إلى الوراء، فكل المكتسبات محصنة، بسلوك اجتماعي، ودستور غير مكتوب، للواجبات والحقوق.. ولا مجال ليتدخل “المتطفلون” في حياة المواطنين.. لقد بات النظام بمثابة “كريات دم” تجري في العروق، ولا مجال لانفلات الإدارة أو المجتمع.

اُنظر إلى جمهور كرة القدم، وألوانه الزاهية وانتظام شعاراته. اُنظر إلى أسواق الجملة وأسواق التقسيط. اُنظر إلى ركاب الحافلة وركاب القطار، وحتى ركاب الطائرة في بعض الحالات.. لتعرف مباشرة أن كل الأمور تسير بخير، وأن “الأقلية الشاردة” غير القادرة على الاندماج لا تحدث أي فرق في مسيرة البلاد.

أقول قولي هذا، وأعرف مسبقا أن كل من يقرأ هذا الكلام، يعرف حتما حقيقة هذه “المدن الفاضلة” التي نعيش فيها، ويعرف حتما أهمية السلوك الفردي والجماعي داخل حياة كل أمة تحلم بالارتقاء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • نورالدين المعتدل
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 08:28

    نقطة نظام يجب أن تشمل كل الجوانب الحياتية والعملية بما فيها احترام الغير وتطبيق القانون على الكل بدون استثناء وترسيخ عدالة عادلة تنصر وتنصف المظلوم على الظالم الجائر.

  • اطير محمد
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 08:35

    كالمعتاد سيدي الكريم الكلمات في المقال لا تفقد وهجها، كلمات جميلة وأنيقة في بناء رصين ، لا يختلف بهاوءه الى إذا نزلنا الى الواقع الذي يختلف حسب العقليات وأنماط السلوك ،هنا وهناك،شخصيا يمكنني مقاربة الموضوع في اطار نوع الفكر والسلوك الذي يتلقى في المدرسة والمجتمع والفضاء العام ، بخفة ودون تطويل الامر يعود الى التربية العرجاء ، نمشي بقدم واحدة ، كامل التقديس والقدسية للمسجد ودور العبادة ،الدخول القدم اليمين والدعاء وركعتين للاحترام ، وكف اليدين عن المس بمكان العبادة ، وخارج هذا المكان تنسى القدسية ، وينسى جمال وبهاء الكون الذي قرانه في النص المقدس ،ويتم استباحة كل شيء ،ضجيج وتدافع وعدم التسامح وكل ما تم ذكره ،الامر وما فيه هو عجز المدرسة عن إيصال هذه المعاني الجميلة الى ذهن المتعلمين ،وعجز البصير في هداية الأعمى وعجز الأقوى في جر الضعيف بسلاسة نحو هذه القيم التي تمجد الجمال في الشارع العام ، في الساحة والحديقة ،وفي التصرف والسلوك وفي الاشياء التي لا تكلف شيءا ،
    على اي لا نلعن الظلام ،من الأفضل البحث عن الشموع وإشعالها والبدء بالنفس على الاقل في انتظار التحاق الاخرين

  • الامور على ما يرام
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 08:37

    الواقع يشهد تحسن الاحوال الى الافضل فمثلا اللحوم الحمراء لا يتجاوز سعرها دولارين اثنين بعد ان كان ثمنها مضاعف و العاطلين يستلمون المعونات من الدولة على راس كل شهر و انخفضت نسبة البطالة بظرف شهر من العمل الشاق الى اربعة في المئة و هي اشارات تحسن جد ملحوظ ايضا كل دقيقة يتم صنع سيارة بالمصنع الوطني للسيارات طبقا لتصريحات رئيس الحكومة ما يجعلنا نحس بالفخر اضافة الى الاسطول البحري للصيد و النقل يكاد يغطي التسعة اشعار من متطلبات سوق الصيد و النقل البحري المحلي و فيما يخص الحصيلة العامة للدولة ما كاين اكتر من هاد الحصلة في هاد الوطن السعيد

  • حسن
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 09:25

    حلم وطموح جميلين لكن مع كامل الاسف بعيدي المنال ما لم تحدث معجزة وزمن المعجزات قد ولىولم يبقى الا تدخل الظولة للعمل على تحقيق هذا الحلم ولو بالقوة والفعل كما حدث في بلدان اخرى مثل سانغفورة
    لا تنال المطالب بالتمني ولكن تؤخذالدنيا غلابا

  • متقاعد
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 10:05

    عن اي بلد يتكلم الكاتب ؟؟؟؟ ربما اخطأ العنوان اذا كان يتكلم عن بلدنا العزيز المغرب!!!! انظر الى حافلاتنا كم هي مكتظة بالمواطنين!!!! انظر الى الشوارع في الاحياء الهامشية والازبال المتراكمة… انظر الى الاطفال اين يلعبون ؟ انظر الى ازدحام السيارات ولا تسامح…. انظر الى اصحاب العربات كيف يعبرون الشوارع… انظر الى اصحاب الطاكسيات كيف يتسابقون كانهم اصحاب رالي…. انظر الى التباعد وعدم ارتداء الكمامات رغم الجاءحة !!!! عنوان في غير محله!!!! انشري هسبرس مشكورة!!!

  • عزيز
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 10:31

    ليث الزمن الجميل هذا يعود يوما

  • فريد
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 10:31

    لنمطية أو النموذجية لاتوجد إلا في مخيلة الكاتب،لا وجود للمدينة الفاضلة،الناس تؤدي الضرائب لتقوم الدولة بتوفير الخدمات الأساسية،وكلما كانت الخدمات جيدة كانت الضرائب مرتفعة،ولكن أن يؤدي المواطن الضرائب ونطالبه بالبحث عن مدرسة أو مصحة خاصة لكي يتمدرس أبناءه أو للعلاج،ونطالبه بالمساهمة في تنظيف حيه وإلا تراكمة الأزبال فيه،فهذا سيدفعه إلى التساؤل عن أين يدهب مايدفعه كضرائب،أو بشكل عام كيف تُصرف خيرات البلاد ليس فقط المحصل عليها من خلال الضرائب المباشرة ولكن حتى تلك المتعلقة بإستغلال ما بباطن البلاد وما ببحرها.الدولة الفاضلة تقوم على التوزيع العادل والرشيد لكل خيرات البلاد،فهل هذا ماتقوم به ملكيتنا؟

  • abdou
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 11:22

    شر البلية ما يضحك كما يقال . ولا في الخيال .كل شيء وارد إلا تغيير السلوك بدون نقد ذاتي حقيقي ومحاسبة حقيقية .

  • متتبع
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 11:36

    الكل يقرأ قصاصات الاخبار او يحظر مواعيد النشرات و هناك من يلتقط الانباء فقط ممن يحكون الكل مستعد و مؤمن بان ارادته و دوره هو الاهم لم يعد المواطنون يحاسبون الغير اكتر مما يحاسبون انفسهم لقد فهم الجميع بان الجلوس في المقاهي طوال اليوم و محاولات التطاول على الاخرين لن يجدي نفعا انه فقط مضيعة للوقت و قد فهم الجميع انه اقبح وجوه هدر المال العام هي عدم احساس المواطن بدوره و انكبابه فقط على انتضار من سياتي بالحل عدم انخراط المواطن و مكوته بالساعات في المقاهي لا يحرك ساكنا يكبد الدولة خسائر فادحة

  • غزاوي
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 22:16

    مجرد تساؤل.
    هل هو تحَول أم تغيير أجواء فقط !!!؟؟؟
    الأستاذ بن عائشة أقتبس عنوان مقاله من سعد بوعقبة الذي كان ينشر أعمدة تحت عنوان ” نقطة نظام ” في جريدة الخبر الجزائرية. إذ كان ناقدا شارسا للنظام الجزائري.
    كما اقتبس فكرته من السيد أحمد والزهراء الذي كان يُسعد المغربيين بمقالاته تحت عنوان ” بالمقلوب ” فحول يومياتهم السوداء إلى بيضاء.
    لذلك، اقترح عليه أن يترك زاويته الحادة، وتمنيات أحمد والزهراء وينطلق في عمود جديد تحت عنوان ” نقطة نظام ” ( لا أظن أن بوعقبة سيطالبه بحق الملكية الفكرية) وإن فعل فلتكن ” نقطة صواب” ليس لانتقاد أو الطعن في النظام، بل لتصويب أخطائه وهفواته و يكون للمغربيين مرآة نظامهم ليسعد المغربين بالحقيقة لتصويب مسيرتهم بإزالة كل الشوائب التي تعيق مسيرتهم.

  • حكيم
    الإثنين 12 يوليوز 2021 - 09:18

    ان الكاتب يعرف جيدا عن اي بلد يتحدث وقد اعطى اشارة واضحة، انه يتحدث عن المملكة البريطانية ومن خلالها الانجليز (يتضح هذا من خلال عبارة دستور غير مكتوب) وحسب علمي هي البلاد الوحيدة التي لها دستور غير مكتوب.

  • عبدالاله
    الإثنين 12 يوليوز 2021 - 09:51

    المدينة الفاضلة لا وجود لها الا في مخيلة سقراط.تقبلوا مروري.

  • ندى
    الإثنين 12 يوليوز 2021 - 09:59

    “ويعرف حتما أهمية السلوك الفردي والجماعي داخل حياة كل أمة تحلم بالارتقاء”
    هذه الجملة هي الشيفرة أو الكود الذي يجب أن يكون عليه كل فرد وكل مواطن مغربي
    أن يصلح من نقسه أولا ثم يسعى لإصلاح أبناءه وأسرته بالتربية و الأخلا حتي نقدم للوطننا جيل مسؤول ومنضبط لا يفسد ولا يسرق ولا يرتشي وال يأكل المال عام يتميز بضمير وعندما يقسم :
    “اقسم بالله العظيم ان اكون مخلصا للوطن وان احافظ على حقوق ومصالح الشعب والامة وان احترم القانون والله على ما اقول شهيد”
    لا يرتد ويخون الوطن بكل تصرف سبق أن ذكرته
    عند ذلك نكون قد قدمنا جيل متوازن ومواطن مغربي محض

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام