هل الحداثة مفهوم مراوغ؟

هل الحداثة مفهوم مراوغ؟
صورة: أرشيف
الخميس 19 ماي 2022 - 20:35

بإمكان الحداثة أن تعطي هامشا لبعض الظواهر الجزئية من الحداثة المطلوبة عمليا، لكن دون تغيير البنية المتخلفة لبلداننا التي مازالت ترزح تحت وطأة التخلف، مادام ارتباطها بالحداثة لا يتجاوز ما هو شكلي، بمعنى مظهري، تقني وبراني؛ حيث عملت في إحدى تجلياتها على إعادة إنتاج الطابع التبعي، فقد أتت الحداثة التي نحن بصدد الحديث عنها بالقوة- أي من الخارج – إذ لم تكن ثمرة تطور داخلي ذاتي، وإنما هي حداثة غازية، وافدة مع السيطرة الاستعمارية، وإن وجدت لها، ونمت معها ركائز اجتماعية محلية.

ليست الحداثة مرادفة للاستعمار كما يعتقد البعض بل نتيجة له، فمقاومة الاستعمار في صورها المتعددة ارتبطت بمقاومة الحداثة نفسها ورفضها، فكيف تحقق ذلك؟

الجواب عن هذا التساؤل، يمكن التوصل إليه من خلال التعرف إلى المستويات الثلاثة لمقاومة ورفض الحداثة، والمتمثلة في ما يلي : – أولا: على المستوى الديني باعتبار أن الحداثة عدوان على الإسلام، وعلى التقاليد السلفية – ثانيا: على المستوى الوطني لارتباطها بالمستعمر – ثالثا: على المستوى القومي لما يفرضه الاستعمار من تمزق قومي.

من الجائز القول إن الطابع المميز للفكر العربي-الإسلامي الحديث لا يبتعد عن الشكل التوفيقي بين “الحداثة والتراث”، بين “الحداثة والمحافظة على التقاليد”، بين “الوافد والموروث”. ويمكن أن نسجل هنا بأن الحداثة إما أن تكون صياغة وتجديدا للبنية الاجتماعية الشاملة بكل مستوياتها السياسية والاقتصادية والثقافية… أو لا تكون إلا مجرد جزر مضيئة متناثرة في محيط غامر من التقليد والتخلف والتبعية، وفي المجال العربي- الإسلامي ما نزال حتى اليوم نناقش مسألة الحداثة لا من حيث ما وصلت إليه في العالم من منجزات اجتماعية وعلمية وتكنولوجية باهرة، أو ما نواجهه في بلداننا من عقبات ومشكلات موضوعية بشكل عملي، بل إننا نناقشها من حيث قبولها أو رفضها، من حيث ضرورتها أو عدم ضرورتها، دون أن نغفل بطبيعة الحال التغيرات التي تشهدها أوضاع المجتمعات العربية – الإسلامية من حين لآخر في بعض المواقف والاتجاهات.

في محاضرته التي ألقاها في ندوة حول “الحداثة في الفكر العربي المعاصر”، والمنعقدة في جامعة القيروان بتونس عام 1988م، أكد المفكر محمود أمين العالم أن الحداثة مفهوم مراوغ، ومن ثم فالبحث عن حقيقتها، أو بالأحرى تعريفها تعريفا أوليا، دفعه إلى استعارة ثلاثة مصطلحات طريفة، عرَّفت بها باحثة سويسرية “مفهوم التنمية”، في ندوة عقدت في تونس حول “التنمية والثقافة”، وهي كالتالي – الحقيبة – الفخ – الصنم. فمن ناحية يمكن القول بأن مفهوم الحداثة أشبه بالحقيبة ، ومن ناحية أخرى أشبه بالفخ ، ومن ناحية ثالثة أشبه بالصنم.

– الحداثة أشبه بالحقيبة: فهذا المفهوم يتضمن في داخله أكثر من دلالة، فقد نشأ مع بروز النظام البرجوازي الأوروبي على أنقاض النظام الإقطاعي، ومع ظهور القوميات، وتطور حركة التنوير ثم مع الثورة الفرنسية، وأخذ يواصل مسيرته وتطوره مع مختلف ظواهر التطور والتجديد في مختلف مجالات الفكر والعلم والمجتمع والصناعة، وأخذ يمتلئ بدلالات شتى جديدة مثل: العقلانية، العلمانية، الفردية الإنسانية، الموضوعية، والديمقراطية…

كما أخذت تتضاءل معه مفاهيم معينة مثل المطلق والمقدس والنهائي،… وتجسد هذا كله في مناهج ونظريات جديدة مثل الديكتاتورية، البروتستانتية، الوضعية، المادية والجدلية والتطورية، الفرويدية، الوجودية، الشخصانية، فضلا عن المكتشفات العلمية أو التكنولوجية المختلفة سواء في العلوم الدقيقة أو في العلوم الإنسانية والاجتماعية، واندلاع الكثير من الثورات الاجتماعية والإبداعات الأدبية والفنية.

وهكذا ظهرت أكثر من صيغة حداثية، حداثة في العلاقات الاجتماعية، وحداثة في التطور الاقتصادي، وحداثة في الفلسفة، وحداثة في التعابير الأدبية والفنية والدراسات اللغوية… وعليه ظهرت الحداثة كإمكانية مفتوحة على دلالات شتى، بل تجتمع داخلها نقائض فكرية مثل الماركسية، الوضعية، الوجودية، البنيوية، والبروتستانتية إلا أنها على اختلافها جميعا تعني الخروج من دائرة التخلف الاجتماعي والجمود الفكري، والاستبداد السلطوي تأكيدا لإنسانية الإنسان، وحريته وفاعليته في المجتمع.

– الحداثة أشبه بالفخ: أجل فخ فكري، فقد انطلق هذا المفهوم من حضن البورجوازية، ويحمل إيديولوجيتها، ومحدود بالضرورة بحدودها وآفاقها، وعليه فالعقلانية الحداثية هي عقلانية أداتية وضعية وظيفية، لتحقيق الأهداف المصلحية الاستغلالية البورجوازية. أما الفخ الأكبر الذي تمثله الحداثة فهو الفخ الذي تقدمه للبلاد المتخلفة باسم الخروج من تخلفها، وقد ضاعف من هذا التخلف بما ضعفه من استغلال هذه البلاد، ومحاولة القضاء على تراثها وخصوصياتها بشكل مطلق.

– الحداثة أشبه بالصنم: تكاد تكون الحداثة عند أغلبية الناس هدفا في ذاتها، وبذلك تتحول إلى صنم مقدس، فالإنسان الحديث يسعى لاستحداث كل شيء في حياته دون أن يكون وراء ذلك الاستحداث أي تجديد أو تغيير حقيقيين، بل هو مجرد تغيير مظهري جزئي ترفي استهلاكي، بل لقد أصبح هذا التغيير المظهري بديلا عما ينبغي أن يتحقق من تغيير جذري حقيقي لحياته، وهكذا باسم عبودية الحداثة تغيب الحداثة، ويتكرس النظام السائد، ويعيش الناس في حداثة زائفة.

فالحداثة إذن يمكن أن تكون ضد التحديث، وذلك نتيجة الاستمرار في استعارة الهياكل التحديثية من الخارج، وهذا لا يؤدي إلا إلى المزيد من الابتعاد عن مشروع الحداثة المجتمعي المطلوب. فهناك فرق بين الحداثة والتحديث، فالحداثة رؤية فكرية، وموقف إزاء مسألة المعرفة وإزاء المناهج التي يستخدمها العقل في التوصل إلى معرفة ملموسة، في حين أن التحديث مجرد إدخال للتقنية والمخترعات الحديثة إلى الساحة العربية الإسلامية، أي إدخال للتقنية والمخترعات الأوروبية الاستهلاكية، وإجراء تحديث شكلي أو خارجي لا يرافقه أي تغيير جذري في الموقف العلمي تجاه الكون والحياة.

لذا فالحداثة يمكن أن تكون تغييرا شكليا مظهريا سطحيا يخفي ما وراءه من تخلف واستغلال وتبعية، كما أشرنا سابقا، وفي الوقت نفسه فليس من الجائز على كل حال أن نعادي الحداثة دفاعا عن خصوصياتنا الحضارية، بل هي ضرورة موضوعية للتحرر من التخلف والتبعية، إذا ما تملكتها الإرادة الجماعية المنظمة الواعية للشعوب، بل لا سبيل لحماية خصوصياتنا ووجودنا إلا بالتسلح بها، وليست تلك الخصوصيات جوهرا ثابتا مطلقا، بل هي مشروع مفتوح على المستقبل، ينمو ويتطور بالمعارف والممارسات، والخبرات والتفاعل مع العصر تفاعلا عقليا، بعيدا عن أوهام الحداثة المقيتة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • على مدى
    الجمعة 20 ماي 2022 - 01:57

    وليس من المغالاة القول : « إن محتوى المناهج المستخدمة حاليا إنما يؤدي إلى تعزيز الاغتراب الثقافي ، وذلك لأن هذه المناهج تم إقتباسها وإستيرادها من نظم أجنبية ولا تمت بصلة إلى أهداف الإنسان العربي وتطلعاته ، وفي نفس الوقت فإنها تمثل أداة رئيسية لدعم عمليات الغزو الثقافي التي تتعرض له الأمة العربية والبلدان النامية جميعها » .

    عبد الله بوبطانه*
    * اختصاصي التعليم العالي بمكتب اليونيسكو الاقليمي للتربية في الدول العرببة
    ص ١١١
    عالم الفكر ١٩٨٨
    العدد الثاني

    الدراسات التي تنشرها المجلة تعبر عن آراء أصحابها وحدهم والمجلة غير ملزمة باعادة أي مادة تتلقاها للنشر

  • ــــــــ
    الجمعة 20 ماي 2022 - 03:47

    يعلمون ظــٰهرا من الحيوٰة الدنيا و هم عن الاخرة هم غــٰفلون

  • amaghrabi
    الجمعة 20 ماي 2022 - 09:45

    أعتقد أن عصرنا يتطلب العمل الجماعي الانساني من اجل مستقبل الانسان ولا جدوى بعد لتبرير التنوع البشري وخصوصيات المجتمعات المختلفة والمرتبطة بماضيها الذي لن يعود والذي يصطدم اليوم مع المسيرة التطورية المتجددة التي تجدد باستمرار وبالتالي فالاندماج في المسيرة الفكرية والعلمية المعاصرة امر لا مفر منه والا فالتهميش هو الحالة التي تنتظر من يعاند التيار الحداثي واقول التيار الحداثي وليس التحديثي.ان لم يجتمع البشر على المصالح العليا للبشرية فالهاوية تنتظر الجميع وهي تقترب بخطى سريعة

  • موحا
    الجمعة 20 ماي 2022 - 16:42

    يقول الكاتب ;
    “الحداثة يمكن أن تكون تغييرا شكليا مظهريا سطحيا يخفي ما وراءه من تخلف واستغلال وتبعية”

    وفي نفس الفقرة يقول :
    “ليس من الجائز على كل حال أن نعادي الحداثة دفاعا عن خصوصياتنا الحضارية، بل هي ضرورة موضوعية للتحرر من التخلف والتبعية”

    كيف يمكن ان تكون الحداثة تخفي وراءها التخلف والاستغلال والتبعية وفي نفس الوقت هي ضرورة موضوعية للتحرر من التخاف والتبعية ؟!!

  • مرجوعات
    الجمعة 20 ماي 2022 - 18:10

    والوقوف في التعامل مع هذه الظواهر عند المستوى النظري فحسب « هرطقة » لا تغني ، والتعامل الفعلي مع هذه الظواهر دون أسانيد نظرية تدعم العمل وتحدد اتجاهاته وضوابطه ، عمل يجري في اطار المحاولة والخطأ ، وكلاهما النظر الخالص ، والممارسة غير الموجهة _ أمر تجاوزه الوضع الراهن لعلوم الأداء جميعها ، وتجاوزته متطلبات العمل المهني .

    وأعتقد أن علم الأداء الذي وسمت به التعليم هنا ، هو ما قصد اليه « ابن خلدون » حين قال « تعلم العلم من جملة الصنائع » وحين عرف الصناعة بقوله : أعلم أن الصناعة ملكة في امر عمل فكري » ، ( ابن خلدون ، . . . . ، ص ٥٣٣ ) .

    .احمد المهدي عبد الحليم

    ٣٠

  • Hassan
    الأحد 22 ماي 2022 - 00:23

    الحداثة مفهوم مائع . يقابلها التليد الموروث . بخلاف المعاصرة . التي هي امتداد للأصالة . لا تنكر الأصيل و لا تبقى سجينته بل ترقيه . الحداثة بورجوازية و المعاصرة ليبرالية .

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان

صوت وصورة
مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 15:34 7

مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة