هل من بديل للسياسة الحزبية؟!

هل من بديل للسياسة الحزبية؟!
الثلاثاء 1 غشت 2017 - 10:45

يبدو أن نشأة الأحزاب السياسية ليست بالقديمة جدا، ولا تتعدى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ورغم ذلك قد يعتقد البعض أن وجودها موغل في التاريخ أو أنه لا يمكن تصور الديمقراطية أو ممارسة السياسة بدونها. لا يعد هذا الأمر غريبا إذا نظرنا إلى هذه الحقبة من تاريخ البشرية كنقطة فاصلة لما سبق، فهي مليئة بالأحداث والاكتشافات والتغيرات الجذرية في التركيبة البشرية من الناحية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. من هذا الجانب يمكننا القول بأن ظهور الأحزاب، بصفتها تنظيما سياسيا يشارك في الحكم أو يعارضه، يشكل إعلانا صريحا لبداية مرحلة جديدة في مفهوم السلطة وتدبير الشأن العام.

وفي هذه الآونة التي احتد فيها الصراع حول السلطة بين الأقطاب المتنافرة وأصبحت العلاقة القائمة بين الأفراد والمؤسسات أقل ما يقال عنها أنها متوترة، حري بنا أن نثير النقاش من جديد حول مفهوم السلطة والإمكانيات المتاحة لممارسة السياسة ممارسة عادلة تحقق السلام والرخاء والعيش الكريم. خصوصا وأن السياسة الحزبية والنظام الانتخابي المصاحب لها أصبحا محط شك واتهام في كل أنحاء العالم.

لا أحد منا يُنكر النية الحسنة التي أدت إلى نشوء الأحزاب السياسية، ولا الدور الذي لعبته هذه الأخيرة في تحسين أوضاع البشر عموما والرفع من مستوى القيم في جميع المجالات، مما أدى إلى ظهور منظومة قيمية عالمية أصبحت تشكل الإطار العام للعلاقات الإنسانية على مستوى الأفراد والمجتمعات. لكن، كل متتبع للشأن العام يعي جيدا بأن الأحزاب السياسية لم تعد تلعب هذا الدور المحوري، وقد أصبح الوصول إلى السلطة هدفا في حد ذاته بعد أن كان مجرد وسيلة.

وهنا يجب علينا أن نطرح سؤالين هما في رأيي أساس المشكلة: هل يمكن لحزب سياسي قائم على إيديولوجية ومرجعية معينة أن يمثل جميع المواطنين ويُقدِّم المصلحة العامة على المصلحة الحزبية؟ وهل يمكن لنظام انتخابي قائم على الدعاية والترشيح أن يكون نزيها ومحايدا ولا يتأثر بالقوى الموجودة سياسية كانت أو اقتصادية أو دينية؟

بالنسبة للأحزاب، فجميع التعريفات المتداولة تتفق على أن الحزب السياسي هو مجموعة منظمة من المواطنين، تجمعهم أفكار وآراء ومصالح معينة، يهدفون من خلال هذا التنظيم الوصول إلى السلطة أو الاشتراك فيها خدمةً للصالح العام. لكن حين تتعارض هذه المرجعية مع التوجه العام السائد في بلد معين، أو مع الطبيعة التعددية لمجتمع ما، يصبح وصول الحزب إلى السلطة تهديدا للتماسك والاستقرار المجتمعي أو على الأقل فهو سيضر بمصالح فئات أخرى من المجتمع.

لذلك فإن المجتمعات اليوم بتنوعها وتفاعلها الدائم، والتغير المستمر في تركيبتها البشرية، لم تعد قادرة على استيعاب تكتلات فئوية تعنى برسم السياسات وتدبير الشأن العام. فمثلا، كيف يمكن لحزب بمرجعية اشتراكية أن يحكم في عالم توجهه الاقتصادي رأسمالي؟ أو كيف لحزب بإيديولوجية دينية أن يسمح بممارسات اجتماعية واقتصادية مخالفة لأحكام هذا الدين إذا وصل للحكم أو شارك فيه؟ فمن البديهي أن ممارسة السلطة، اليوم، أصبحت مقيدة بإطار مرجعي ذو صبغة عالمية سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، ولا يمكن لأي نظام سياسي في العالم الجديد أن يستمر ويضمن الاستقرار والنمو خارج إطار المنظومة الدولية.

وبالنسبة للانتخابات، وهي الآلية التي تسمح للمواطنين باختيار ممثليهم الذين سيعنون بتدبير الشأن العام، والمتبعة حاليا في معظم الدول الديمقراطية من أي نوع كانت، ملكية برلمانية أو جمهورية، فهي أيضا تعتريها نقائص كثيرة. وتتمحور هذه السلبيات حول مبدإ الترشيح والدعاية اللذان يفقدان العملية من أساسها مفهوم الاختيار الحر والنزيه.

فهناك فرق جوهري بين اختيارك من بين الأنسب من الناس الذين تعرفهم حق المعرفة لتمثيلك وغيرك في تسيير شؤون البلاد والعباد، وبين أن يقوم شخص ما، في الغالب أنك لا تعرف عنه شيئا، بترشيح نفسه لهذه المهمة. وبالتالي فأنت لا تختار ممثليك بقدر ما تقبل أو ترفض من اختاروا هم أن يمثلوك. ويزيد الطين بلة، تدخل أطراف أخرى في موضوع الدعاية خصوصا في ظل هذا الكم الهائل من النفقات التي أصبحت تتطلبها. وهذا أدى إلى ظهور لوبيات نافذة تتحكم في دواليب صنع القرار من خلال تحكمها في العملية الانتخابية.

فلا تسألوا الشباب عن سبب عزوفهم عن السياسة ورفضهم المشاركة في الانتخابات، لأنهم وبكل بساطة فقدوا الثقة في كل سياسي وفي كل الأحزاب الموجودة، بل وفي فكرة السياسة نفسها. ولا مناص اليوم من طرح نقاش مجتمعي شامل وحقيقي حول مستجدات الإطار السياسي ومستلزمات العملية الانتخابية، بحثا عن حلول خلاقة تحقق المصلحة العامة بكل نزاهة ومسؤولية، بعيدا عن التطاحن الإيديولوجي والصراعات الحزبية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • le salut,la démocratie
    الثلاثاء 1 غشت 2017 - 13:07

    aucun parti marocain n'est démocratique,les partis islamistes sont les seuls partis honnêtes avec leur obscurantisme, ils déclarent haut et fort qu'ils sont antidémocratiques,
    les autres sont des hypocrites,
    aujourd'hui, comme ils sont vomis par les gens, le makhzen les a accueillis ,6 partis dans un gouvernement, du jamais vu,
    et c'est là le danger pour les partis et le makhzen qui vont se retrouver sans assises populaires,et les fanatiques trouveront le vide pour conduire les déroutés à l'anarchie,
    cette situation ne peut que nuire à la stabilité bénéfique du pays,
    alors que faire,et bien commencer à enseigner la démocratie dans les lycées ,et la construire graduellement dans la société,
    sans connaissance de la démocratie,il faut craindre le pire à l'avenir

  • المغرب الكبير
    الثلاثاء 1 غشت 2017 - 19:40

    السلام عليكم ورحمة الله
    مسألة الاحزاب والحزبية..حسم فيها القرآن الكريم الا ان على ابصلرنا غشاوة فلم ننتبه لها ..فخسرنا خسرانا مبينا ..يقول القران الكريم..هناك حزبان..حزب الله ..وحزب الشيطان..أود للإشارة أن هذا الذي سمى نفسه بحزب الله في لبنان .هو حزب للشيطان الذي ورد في القران الكريم..يبقى لنا فقط أن ننتظر مجيء حزب الله الحقيقي..الذي ورد في القران..وما عداه من الأحزاب الأخرى تدخل ايضا في حزب الشياطين ..هذا هو ميزان الاسلام العادل الذي وجب أن نفيس به الأمور…والسلام .

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا