ومازالت إسبانيا تعاني

ومازالت إسبانيا تعاني
الثلاثاء 17 ماي 2016 - 13:03

مرت سنوات عديدة على إندلاع الأزمة الإقتصادية في المملكة الإسبانية، حيث أن ملايين الإسبان وجدوا أنفسهم في البطالة، فاعتمد الكثير منهم لسد حاجاتهم اليومية على المساعدات الإجتماعية وعلى مساعدات عائلاتهم، فكم من إبن عاد الى منزل والديه بعد أن كان مستقلا في سنوات الرخاء، وكم من شاب غادر وطنه بحثا عن عمل وقوت في إنجلترا، وألمانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، وفي بلدان أمريكا اللاتينية.

في غضون السنوات الأولى من هذه الأزمة، تشردت عشرات الألاف من العائلات (منها عائلات مغربية) تاركة منازلها بعد أن حُكم عليها بالإفراغ نتيجة عدم تمكنها من سداد الأقساط المترتبة عن الديون.

أصبحت تلك المأساة تُبث مباشرة عبر القنوات التلفزية، مما أدى إلى تنامي الشعور بالإحباط لدى الملايين من الإسبان والى ظهور ما سمي بحركة “15 م” (وسماها البعض بالربيع الإسباني)، وبعد ذلك الى بروز حزب ” بوديموس” الذي لعب وسيلعب دورا مهما في الحياة السياسية الإسبانية، ومن جهة أخرى تقوى حزب ” ثيوذاذانوس” وأصبحت لديه تمثيلية في كل ربوع إسبانيا.

هؤلاء الوافدون الجدد على الساحة السياسية الإسبانية، إستطاعوا أن يمتصوا ملايين الأصوات من الأحزاب التقليدية، وخاصة من الحزب الإشتراكي العمالي الإسباني والحزب الشعبي، في إنتخابات دجمبر 2015، وذالك كرد فعل المواطن الإسباني المتذمر من الحالة المزرية التي أصبحت عليها إسبانيا.

اليوم وبعد مرور ثمان سنوات على بداية الأزمة الإقتصادية، مازالت إسبانيا تعاني من تبعاتها، حتى بعد حكم الحزب الشعبي المعروف بأن أولوية أولوياته تَكمُن في الدفع بالإقتصاد قبل كل شيء، إلا أن التحسن الذي لوحظ في بعض المؤشرات “المكرو إقتصادية” لم يعرف طريقه الى المواطن العادي.

منذ مدة قصيرة إنتهت المهلة لتكوين التكتلات اللازمة لحكم إسبانيا لمدة الأربع سنوات القادمة، لم تستطع الأحزاب الإسبانية ان تنتج أي تكتل، لا بين اليساريين ولا بين اليمنيين ولا حتى بين القطبين.

سيعود الإسبان الى الإنتخابات من جديد، في أواخر شهر يونيو القادم، حتما ستعود الأحزاب مرة أخرى للبحث عن تكتلات ممكنة. بالإضافة إلى كل ماذكر، إسبانيا تعاني أيضا من المطالب الإنفصالية لكاطالونيا، وغالبا ما ستواجه نفس المطالب من طرف إقليم الباسك مستقبلا.

منذ أسابيع قليلة عُرف العجز المالي الإسباني للسنة الفارطة، والذي فاجأ الكثير وفاق كل التوقعات، حيث أنه تعدى سقف 5%، وعلى إثر ذلك بادر صندوق النقد الدولي إلى خفض نسبة توقع النمو في إسبانيا لسنة 2016، و في نفس السياق قام وزير الإقتصاد الإسباني بخفض نسبة النمو المتوقعة لهذه السنة والسنة القادمة، وسط كل هذا الشك وإنعدام الرؤية، حتما ستستمر المعاناة لسنوات أخرى (نتمنى ان تكون قليلة).

بين كل هذه المعطيات يبقى المواطن العادي معرضا للمزيد من المعانات، و منهم الكثير من المهاجرين المغاربة. يجب ألا ننسى أن الأزمة الخانقة التي عصفت بملايين من مناصب الشغل في إسبانيا، أدت الى تنقل الألاف من المغاربة، منهم من عاد الى الوطن الأم، و منهم من إنتقل إلى دول أخرى.

كانت عودة صامتة، تلك التي عرفها من فضّل العودة الى المغرب، عودة مشحونة بمأساة إنسانية كبيرة. كثيرا من أبناء هؤلاء، إلتحقوا بمدارس مغربية دون أي نوع من المرافقة الإجتماعية من أي طرف كان. مع العلم أن الكثير من هؤلاء الأطفال يحملون الجنسية الإسبانية، إلا أن إسبانيا لم تحرك ساكنا إتجاههم، أما من صمد من المغاربة في وجه هذه الأزمة، الكثير منهم يعيشون تحت وطأة العديد من الصعاب والتحديات.

إن الحادث الذي وقع في ” لوركا”، بنواحي “مورسيا”، في 26 أبريل المنصرم، والذي ذهب ضحيته خمسة مغاربة على إثر سقوط السيارة التي كانت تقلهم، من أحد الجسور، يرجح أن يكون بسبب نوم السائق نتيجة الإرهاق، هذا الحادث يكشف معاناة الكثير من المغاربة من طول ساعات العمل، والظروف القاسية التي يشتغلون فيها، بالإضافة إلى رداءة المسكن، حيث أن الكثير منهم يعيشون في أكواخ من البلاستيك، و في شروط لا تليق بمستوى حقوق الإنسان في هذه البلاد. بعض النقابات العمالية في إسبانيا لا تتذكر هؤلاء العمال المغاربة ، إلا عند إقتراب فاتح ماي، ليملأوا بهم الصفوف في المظاهرات التي تنظم بالمناسبة.

من جانب آخر، هناك تحديات أخرى تأثر مباشرة في مسألة التعايش، وتأثر سلبا، تجدر الإشارة أن ما حدث في باريس وبروكسيل، في الشهور القليلة الماضية، من عمليات إرهابية، قد أنعش خطاب اليمين المتطرف في اوروبا، الرابط بين الهجرة والإجرام، قد عرف طريقه الى الكثير من الإسبان، والجريمة التي ارتكبها عضو الحرس المدني في حق المغربي يونس السليماني، في 25 من أبريل الماضي خير دليل على ذلك، ناهيك عن الكتابات التي وجدت على جدران الكثير من المساجد، وأماكن عبادة المسلمين، التي تهاجم الإسلام وتطالب برحيل المسلمين عن المملكة الإسبانية.

إسبانيا ليست بخير، عكس ما كان يُحب أن يقول الرئيس السابق ” خوسي ماريا أثنار”. المملكة الإيبيرية مازالت تعاني ومعها يعاني مئات الألاف من مغاربة إسبانيا.

* أستاذ جامعي مغربي بإسبانيا

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • من المانيا
    الثلاثاء 17 ماي 2016 - 14:42

    بالفعل اسبانيا تعيش ازمة اقتصادية لكن رغم ذلك مازالت الوجهة المفضلة الاولى للمهاجريين و خصوصا الاوربيين منهم،انا لا اتكلم عن المهاجريين الطامعين في المساعدات الاجتماعية اي المهاجريين الكسالى، اتكلم عن الالمان و الانجليز و الاسكندنافيين،جزيرة مايوركا اصبحت مستعمرة المانية و جنوب اسبانيا و خصوصا كوستا دل صول مستعمرة فلندية سويدية انجليزية و جزر الكناري كذلك،
    قبل 8 سنوات جئت الى المانيا كطالب و بعد عدت اشهر توجهت الى اسبانيا لاني لم استطع التاقلم مع الطقس و الدراسة عشت في اسبانيا اربع سنوات بدون اوراق، كانت ايام جميلة و قاسية لن انسى فضل هذا البلد علي،تطبيب و دواء مجانا رغم عدم توفري على اوراق الاقامة،تزوجت امام قاضي اسباني دون ان يسالني احد عن وضعيتي القانونية،طقس جميل و اناس منفتحة و اكل جيد و ثقافة متنوعة ما ينقص اسبانيا هو الشغل لهذا السبب رجعت لالمانيا و كلي امل ان تنتهي الازمة الاسبانية و اعود اليها
    شكرا اسبانيا شكرا المانيا

  • المهدي
    الثلاثاء 17 ماي 2016 - 15:22

    ومع ذلك تبقى مصائب قوم عند قوم فوائد ، فمع انهيار الاقتصاد وكساد سوق العقار نتيجة عجز الكثيرين من ذوي الدخل المحدود عن دفع اقساط الديون والحجز على العقارات من طرف الابناك الدائنة ظهرت اطماع طبقة نهازي الفرص ليسارعوا الى اقتناء الشقق في الجنوب الاسباني بأسعار مغرية والكثير منهم مغاربة من حديثي النعمة ما يذكرنا بالإقطاع الفلاحي عندما يعجز صغار الفلاحين عن دفع ديونهم للقرض الفلاحي في أعقاب سنوات القحط والجفاف ليشتريها منهم كبار الملاكين بأسعار بخسة قبل ان يتحولوا الى خماسة او رباعة في ارضهم ، اليوم أصبحنا نسمع من يفاخر بامتلاك شقة او حتى فيلا في مايوركا او اسطبونيا في الوقت الذي يعود فيه المهاجرون الذين قضوا سنوات من عمرهم في اسبانيا بخفي حنين بعد ان تبخر كل شيء ، وعوض ان يستفيد المغرب من تحويلات العمال الذين أفلسوا اصبحت اسبانيا من تستفيد من العملة سواء تلك التي تباع في مكاتب صرف العملات او تلك المهربة .

  • WARZAZAT
    الثلاثاء 17 ماي 2016 - 15:50

    الدرس الاسباني القاسي لم يستوعبه المغرب بعد ما ينذر بعواقب وخيمة ستكون كارثية أكثر من ما وقع في جنوب أروبا لان كل أسباب الأزمة الاسبانية موجودة عندنا في المغرب و بشكل أضخم باعتبار اسبانيا تتوفر على بنية تحتية و فلاحية أحسن من المغرب و عندها مظلة اروبية تسعفها.

    الاعتماد على السياحة و العقار على حساب التصنيع الذي خربته الواردات الأجنبية و الاستثمارات الخارجية المتقلبة هو السبب الرئيسي لكل ما وقع.

    السياحة و العقار ليست قطاعات إقتصادية ريعية و حسب بل أمراض فتاكة تسبب البلادة و الفساد الأخلاقي و الاداري و تمسخ البلاد كلها إلى كازينو و حفرة إقطاعية ماجنة و شعب باكمله إلى حريم من الغلمان و الجواري و قطيع من السماسرة النصابين و كروش الحرام.

    دول كالمانيا و هولندا لا تعرف شيئا إسمه وزارة السياحة !

  • TOP KNOWLEDGE
    الثلاثاء 17 ماي 2016 - 21:37

    الاقتصاد الاسباني اقتصاد عالم ثالتي,اذ تعتمد في اقتصادها علي الاقصاد المضيافي, سياحة كاساس بعد الفلاحة .حيث يحج اليها اناس الدول الغنية بعد بيع البعض لمنازلهم للاستقرار هناك بسبب اعتدال مناخها, و بفعل البلد مسيحي اوروبي ومتفتح على الاجناس رغم انه استفاد كثيرا من التواجد الاسلامي في اتحاد مماليكهم.قبل الاتحاد الاوروبي اسبانيا الفقيرة لهدف استراتيجي وليس لسواد عيونهم,ثم بدا في اعانتها.على العكس من السوفيات الدين شيدوا و بنوا بنية تحتية ,الزام الدراسة بالقوة لاروبا الشرقية مما ادى بالروس الى الافلاس.وهاهي القصة الرومانسية تعود للاتحاد الاوروبي في اسقتبال دول فقيرة اوروبية عالمثالتية لهدف استراتيجي ضد روسيا مما ادى بهم الى الافلاس.كل هدا من اجل اعادة الامبراطورية الرومانية والتي في اعتقادهم انهم هم ورثتوها,بالاضافة الى مناطق اخرى خارج حدودهم.الاقتصاد التركي يوازي اقتصاد الدول الغنية تقريبا بفعل التنوع وليس كالدول الفقيرة التي ضمتها اروبا الذكية بدافع استراتيجي لا غير.

  • حامد
    الثلاثاء 17 ماي 2016 - 23:42

    شكرا اسبانيا شكرا االمانيا ووطنك اللذي ترعرعت ودرست فيه الا يستحق منك كلمة شكر وذلك اضعف الايمان

  • جواد تيداس
    الأربعاء 18 ماي 2016 - 01:16

    لاخوف على حال اسبانيا،مادامت تسودها ملكية برلمانية ديمقراطية عصرية .لها مؤهلات سياسية كبيرة وضمانات دستورية علية لتسترجع عافيتها الاقتصادية ورفاهها الاجتماعي لمواطنييها

  • من المانيا
    الأربعاء 18 ماي 2016 - 08:19

    الاخ لي قال الا يستحق منك وطنك الشكر اقول له و الله العضيم اني فكرت في كتابة عبارة شكرا المغرب لكني لم اجد شيئا اشكره عليه،لا تطبيب لا دواء مجاني لا اعانة اجتماعية لا تعليم مفيد و غم ذلك فانا احب المغرب حبا جما و افتخر دائما بمغربيتي
    كون هاني اسيدي شكرا المغرب على الباكالوريا التي خولتلي الدهاب الى المانيا و شكرا على المنحة ديال سنة في الجامعة
    شكرا ابي الله يرحمو و شكرا امي
    و يومكم سعيد ☺

  • بلقاسم اوبيبي
    الأربعاء 18 ماي 2016 - 12:12

    أتمنى الازدهار والتعافي لإسبانيا ذلك البلد الجميل.شعب منفتح ويحب العمل وملكية برلمانية و نظام ديمقراطي.وإياك أعني واسمعي يا جارة

  • حامد
    الأربعاء 18 ماي 2016 - 22:52

    الى الاخ من المانيا بلدك يتغير للافضل غير ان التغيير يتطلب وقتا كل ما تطالب به سيتحقق ان شاء الله لان العقليات بدات تتغير لهذا يجب على كل مغربي اينما وجد ان يساهم في بناء الوطن ولله يطول عمر الوالدة و تهلا

  • Alemao
    الثلاثاء 24 ماي 2016 - 15:54

    Plein de commentaires interessants ici, meme si je differe un peu avec, ce qui est un enrichissement.
    En fait, oui l'espagne a trop mise sur le secteur d immobiliers, ce qui n'a pas pu marche longtemps si bien , car y a pas autant de princes arabes ou de retraites anglais/allemands voulant se procurer un appartement a Alicante ou la costa del sol.
    Mais les japonais ne font pas autrement depuis 20 ans, malgre les toyota et l'industrie, ils sont en crise car ils ont une population vieillissante.
    Le probleme est le systeme economique actuel qui impose d'avoir de la croissance chaque annee.
    Et pour ceux qui disent que l allemagne est superbe oui elle l'est mais c'est cat la majorite des pays ne sont pas producteurs de technologie.Sinon l'allemagne ne pourra exporter rien du tout!
    Bref, il faut trouver un systeme economique indispendable de la croissance et de la concurrence negative comme au 19eme ou 20eme siecle.

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد