يسار جديد .. مغرب جديد يلوح في الأفق

يسار جديد .. مغرب جديد يلوح في الأفق
الإثنين 21 يونيو 2021 - 21:52

“سيِّد الزمان، هو الآتي في غير زمانه” – نيتشه

إذا كانت هذه المقولة النيتشوية تضمر اعترافا صريحا بأن التاريخ يكتبه المجددون الذين يسبقون راهن زمنهم، ويستشرفون مستقبل الأجيال الآتية، علميا وعمليا، فإن كتاب الطريق الرابع، قد كتب وفق هذه المقصدية الاستشرافية التي يوجهها مبدأ إعادة بناء اليسار، وتحيين مقولاته ومسلماته، وتثمين قيمه المثلى المنتصرة للإنسان، من أجل بناء منظومة فكرية يسارية معاصرة، تفيض أنوارها شلالا يجْمُل به حاضر الإنسان المغربي ويخْضَرُّ مستقبله سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا.

وإذا كان التراكم الذي حققه اليسار على أرض الواقع، والتضحيات الجسيمة التي قام بها أنصاره بوأته مكانة رفيعة في سلمية الفعل النضالي، ورفعته إلى مرتبة الإرث الإنساني الكوني الذي نفذ إلى مختلف المجالات، وتشبع بمقولاته الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والحقوقية كل المؤمنين بحق الإنسان، في حياة قوامها العدل والمساواة والحرية، وفي طليعتهم العظماء الذين حرصوا على تنزيل مقولاته النظرية وقيمه المثلى إلى أرض الواقع والنضال حتى الموت من أجل ديمومتها وشيوعها في سائر الأقطار خدمة للإنسان في أبعاده الكونية، حتى لا يقع ضحية الاستبداد والعبودية والإقصاء الطبقي، والعرقي والجنسي والديني واللغوي، الذي حاولت تكريسه الأنظمة الاستبدادية والتيارات الفاشية، والقوى الظلامية…

وإذا كانت هذه هي حقيقة اليسار كإرث إنساني، وخطاب قيمي-عملي ينتصر للإنسان، فما الأسباب التي جعلت حضوره اليوم باهتا؟، ولماذا توارى أنصاره للوراء فاسحين المجال أمام أنصار الإمبريالية المتوحشة، الفكر الشعبوي الخرافي، واليمين المتطرف، والتيارات الرجعية الفاشية المقيدة لحرية الإنسان في ممارسة حقوقه كاملة غير منقوصة؟ وما السبل الكفيلة بتجاوز أزمته الراهنة؟ وهل نحن في حاجة إلى يسار آخر لتجديد روح النظرية فكرا وممارسة؟

إن الأسئلة المسؤولة الآنفة الذكر، هي التي سعى السوسيولوجي المصطفى المريزق إلى الإجابة عنها في كتاب “الطريق الرابع”، الذي ضم بين دفتيه خمسة أقسام، تفرعت عنها فصول، يسبقها مدخل وتقفوها خاتمة، في طبعة أنيقة نصا ومناصا.

والناظر في كتاب “الطريق الرابع”، يجد أنه قد رسم بشكل علمي وأكاديمي خارطة الطريق المثلى من أجل إعادة بناء منظومة اليسار، وحدد الشروط الواجب توفرها للخروج من الآفات والنقائص التي ابتليت بها المنظومة اليسارية عامة، والعربية-المغربية خاصة، وفي طليعتها كما بيَّن الكتاب:

آفة العمى الإيديولوجي: حيث وقعت كل التلوينات اليسارية في سجن الإيديولوجية المظلمة التي قيدت عقلها التحرري الخلَّاق، وجعلها تتساوى مع التيارات المؤدلجة السابقة لها، من حيث تقليد ممارساتها التي تتسم بالتعصب الإديولوجي، والنظر الأحادي، وتقديس النقل، في ضرب سافر للمبادئ الأولى المؤسسة للفكر اليساري العقلاني، بل وتشويه قراءته وسوء تأويل مقولاته، من تيار لآخر، مما أحدث هوة كبرى بين مكونات الجسد اليساري، وساهم في خلق أصنام يسارية متصارعة، حول أفكار ميِّتة على غرار التيارات المحافظة التي حكمت مرجعيتها سلطة النقل الماضوي، دون مراعاة لمبدأ التطور، الذي يقتضي التصويب والتوسيع والتنقيح، والنقد الخلاق، المراعي لسيروة التاريخ وصيرورته الموضوعية.

فهذه الممارسات الخاطئة الناتجة عن تأويلات خاطئة للفكر اليساري، هي التي ساهمت في ظهور تيارات يسارية متباينة حدَّ التطاحن، ودفعت كل تيار للتعصب لقراءته الخاصة للفكر اليساري، واعتبارها الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من أي جانب، مع التشكيك في التيارات الأخرى رغم اشتراكهم في شجرة النسب الواحدة، حيث زاد هذا التشكيك من تفشي العمى الإيديولوجي الذي نخر الجسد اليساري، وحرمه من القيام بأدواره الطليعية التي بشَّر بها المؤسسون وناضلوا من أجل شيوعها، وماتوا في سبيلها.

آفة السيطرة: وهي حسب الكتاب من الآفات التي ساهمت في تشتت اليسار، وإضعافه، منذ توزع أبناء المنظومة الفكرية الواحدة إلى تيارات صمَّاء متصارعة من أجل السيطرة، والتسلط السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، مما جعلها تعدل عن مواجهة عدوها الحقيقي الداخلي والخارجي، المباين لها إيديولوجيا ورؤيويا، وتنخرط في صراعات قابيلية ثانوية، انتهت بجريمة قتل الإخوة، وإقصاء أبناء العمومة، والإعلاء من سلطة الصوت الواحد حتى من داخل التيار نفسه، حيث دفع جنون السيطرة اليسارية المريضة، التي ابتلي به أرباب بعض التيارات إلى محاربة الأصوات الممانعة ولو من داخلها، وإلغاء الديموقراطية الداخلية، وتعويضها بديكتاتورية القائد/الحزب، الذي حرص على خلق ظلال ممتدة له، بدل خلق قادة يساريين مستقلين برؤاهم الخاصة، كما هو الشأن في النسخة الستالينية لليسار العالمي، هذه النسخة التي وجدت ملامحها في كثير من تيارات اليسار العربي والمغربي، التي نقلتها دون مراجعة أو نقد، أو شجب لممارساتها الاستئصالية، مما ساهم في خلق قادة يساريين فاشيين بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليس لهم من الفكر اليساري غير الانتماء السطحي، ولا هَمَّ لهم غير هم الهيمنة والتسلط وقمع الأصوات المخالفة لهم من داخل البيت اليساري، على غرار صنيع الأنظمة الشمولية المتسيدة على قواعدها، مما ساهم بشكل مريع في إضعاف اليسار الحق وضمور قيمه، وفشله في التعبير عن آمال الناس ومحو آلامهم، ومواجهة جبروت الإمبريالية المتوحشة والدكتاتوريات الجديدة المحافظة والمتطرفة.

آفة الاستلاب: وخير ممثل لهذه الآفة من منظور الطريق الرابع، اليسار العربي عامة، واليسار المغربي بصفة مخصوصة، حيث نبَّه الكتاب إلى مدى اشتراك اليسار العربي والمغربي في الفشل الذريع في بناء استقلالية يسارية ذاتية تراعي خصوصية المجال التداولي العربي/ المغربي وتسعى إلى توطين قيم اليسار الحق، لا نسخ التجارب اليسارية المتباينة بتباين قراءتها له، وسلخ مقولات اليسار الغربي ، وفصل مفاهيمه عن سياقها وزرعها عنوة في تربة المغرب دون تهذيب أو تشذيب أو مراعاة لأوجه الائتلاف والاختلاف بين خصوصية المجال الذي نشأت فيه، وخصوصية المجال المغربي المنقولة إليه، فهذا الاستيلاب الناتج عن قصور اليسار العربي/ المغربي في فهم الاختلاف الموجود بين كونية القيم اليسارية، وخصوصية التجارب اليسارية، في تعاملها مع إرث المنظومة اليسارية، أدى إلى جمود أنصار اليسار العربي والمغربي على المنقول الغربي، وتعميم ممارساته، دون وعي بالفروق التي أحدثتها التيارات المتفرعة عن الفكر اليساري في الغرب، ودون اختبار الكفاية الإجرائية للنظرية، على أرض الواقع المغربي، مما جعل المشهد اليساري بالمغرب مبلقنا، تتنازعه تيارات يسارية مقلدة، منها تيارات راديكالية ستالينية المنزع، وتيارات يسارية ماركسية الروح لينينية الممارسة، وتيارات تروتسكية، إصلاحية، متصارعة في ما بينها، على غرار النزاع الذي نشأ في الغرب بين التنظيمات اليسارية الجذرية والإصلاحية، دون تجديد حتى في طرائق التناظر.

ولا يخفى أن اكتفاء اليسار المغربي بالتقليد ونسخ تجارب التيارات الوافدة، ضيَّع عليه حسب المصطفى المريزق فرصة بناء يسار آخر مغاير وخلاق، بموجبه ينتصر للاتحاد بدل أن الاستثمار في التشرذم، وبدل تضييع الوقت في صراع حول شرعية وهمية، يتجند لدعم الجماهير التواقة إلى الانعتاق من ربقة الامبريالية المتوحشة، وبدل تكريس ديكتاتورية البلوريتاريا، يعلي من شأن الديمقراطية الاجتماعية، وبدل التسلط الثوري الأحادي، ينتصر لتكامل المجتمع التعددي، وبدل تفتيت اليسار حزبيا يحرص على تكامل مكونات اليسار رؤيويا، وتنظيميا، وبدل الخلاف والقطيعة، يدعم الحوار التواصلي، ما دامت قيم اليسار المثلى واحدة، وما دام الفارق يكمن في سوء الفهم والتأويل، لا في المقصديات الكبرى للفكر اليساري.

فهذه الآفات الثلاث التي رصدها كتاب الطريق الرابع، هي التي نخرت التجربة اليسارية بالوطن العربي عامة والمغرب خاصة وأفشلت اليسار في صورته الحالية، وجعلته مجرد منظومة فكرية ميتة، أنصارها منفصلون عن هموم الجماهير الشعبية التي هي مبرر ووجودهم، مما انعكس سلبا عليهم، حتى تقزم دورهم وحضورهم في المشهد السياسي والمجتمعي.

وكما رصد كتاب “الطريق الرابع” آفات المنظومة اليسارية بالوطن العربي، عرّى كذلك واقع اليسار المغربي، وميَّز بين قيم اليسار الكونية وممارسات اليسراوية المغربية، وآفاتها التحريفية، من خلال عرض التعارضات اللاعقلانية التي وقعت فيها، نجملها في ما يلي:

1- التعارض بين الحلم بالتجذر الجماهيري والسقوط في النخبوية:

حيث تعرض المصطفى المريزق في الركيزة الثامنة بالنقد لهذا التعارض الذي وقع فيه اليسار المغربي، وعده من العلل التي ساهمت في فشل اليسار وحرمته من أن يتجذر أفقيا وعموديا في المجتمع، وبخاصة في جغرافية الهامش والجبال والسهول والسهوب، وضواحي المدن، حيث نصّ على أن مأزق اليسار المغربي، يكمن في سوء علاقته بالجماهير الشعبية، ونظرته إلى مكوناتها، هذه النظرة التي اتسمت بالفوقية المركزية، حيث وَقَرَ في صدور المنتسبين لليسار المغربي ولا شعورهم الجمعي، أن الفكر اليساري هو فكر نخبوي خَاصٌّ بِخَاصَّةِ الْخَاصَّةِ، لا العامة، مما جعلهم يديرون ظهورهم لكفاءات الهامش الصاعدة، والقرى والمداشر التي تركوها لعقود خاضعة لسلطة أعيان القبائل، والفكر الطقوسي الشعبوي، الذي عرف اليمين المحافظ كيف يستغله لصالحه، ويبسط سيطرته التامة على سكان البوادي والجبال والسهوب سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، لعقود طويلة، حتى ترسخت في وعي أبناء الهامش أن السلطة هي سلطة القبيلة وأن لا صوت يعلو على صوت شيوخ القبيلة، رغم امتعاضهم النفسي من ممارساتهم اللاشعبية التي خلقت طبقتين: طبقة الأعيان السادة، وطبقة الكادحين/الخدم.

فاكتفاء اليسار المغربي، بالنضال المركزي، في الحواضر الأكثر تمدنا، باعتبارها الأقدر على تمثل قيم اليسار، ومقولاته النظرية، والانخراط في تياراته، جعل التيارات اليسراوية تنظر لجغرافية الهامش وأبنائها كعنصر ثانوي، غير مؤثر في المشهد السياسي، وحتى لا يعاب صنيع اليسراوية المغربية واختياراتها النخبوية، التي بموجبها فضّلت سكان المراكز على سكان الهوامش، عوّضت هذه النقائص بممارسة تدليسية أكثر فداحة، تمثلت في الحضور المناسباتي الباهت، المتسلح بظاهرة الشعاراتية، التي تتغنى بالفلاحين والعمال والكادحين في الجبال والسهوب وضواحي المدن، دون أن تقدم لهم شيئا مملوسا، مما جعل سكان الهامش لا يرون من اليسار غير لفظه و خطابات المحسوبين عليه المناسباتية وأبواقه الشعاراتية، التي لا فعل يزكيها، وبهذا ساهم اليسار في صورته النخبوية من حيث يشعر ولا يشعر في تكريس نفود أعيان القبائل التي يحركها زعماء اليمين المحافظ، الذين مكنوا لها، وجعلوها تتحكم في المشهد السياسي والحزبي المحلي وتبسط سلطانها وتجذرها السلطوي على أبناء القرى والقبائل والمداشر.

من هنا، نصَّ كتاب الطريق الرابع على أن مهمة اليسار المعاصر المتجدد، تكمن في وضع حد لهذا التعارض، من خلال جعل قيم اليسار والفكر اليساري جماهيريا، ومقولاته حية وفي متناول الجميع، فضلا عن انطلاقه نضاليا وتأطيريا من مغرب الهامش، قصد إعادة الاعتبار لسكانه، وتحرير أبنائه من سلطان القبيلة، وكل الخطابات الشعبوية والمرجعيات الرجعية التي تقف عائقا أمام نهضة مغاربة الهامش، وتقدمهم في مختلف مناحي الحياة.

2- التعارض بين القول بالتحديث والسقوط في الماضوية:

ورد هذا عند هذا التعارض بشكل واضح في الركيزة التاسعة التي اجترح لها المصطفى المريزق مفهوما خاصا ولافتا للانتباه وسمه بـ (السلفية اليسارية)، وبيَّن فيه أن من مهام الطريق الرابع، وهويته اليسارية المعاصرة، باعتباره طريقا من أجل إعادة البناء، مقاومة هذه السلفية اليسارية التي سقطت في تعارض مقيت، لا يمت للمنظومة الفكرية اليسارية بصلة، حين زاوجت بين النقيضين: القول بالتحديث، والسقوط في الممارسات الماضوية.

حيث انتقد المصطفى المريزق، عمى اليسار المغربي المؤدلج، الذي نقل ممارسات تيارات اليسار العالمي دون نقد لها، أو تقويم، أو توسيع أو محاولة تبيئة بما يلائم الراهن المغربي وقضاياه.

فقد اِلتفت المصطفى المريزق من خلال تتبعه لنشأة اليسار المغربي وأطواره وتقلباته التاريخية، ومآل ما تبقى من اليسار، إلى نقطة مهمة في تاريخ اليسار المغربي، تتمثل في كون اليساريين المغاربة تبنوا الفكر اليساري، في مرحلة بداية ضموره في الغرب، بمعنى أن اليسار المغربي انطلق في وقت أفول نجم اليسار العالمي، كتجارب، مما جعل ممارساتهم تتسم بالتقهقر نحو الماضوية، حيث أدت هذه الانطلاقة المتأخرة، إلى تمذهبهم بمذهبية النسخ الأخيرة المشوهة من اليسار العالمي، لا اليسار الحق الذي أرسى دعائمه المؤسسون، فكرا وممارسة، وقيما مثلى.

من هنا، سقط اليسار المغربي جراء تمذهبه المشوه، في التعارض بين الدعوة إلى التحديث، والسقوط في شراك السلفية اليسارية التي نجم عنها بلقنة اليسار المغربي حزبيا، وتشرذمه، وتصارع تياراته، على غرار الصراع الذي نشب بين تيارات اليسار العالمي الراديكالية، التي اختارت التنازع حول شرعية تاريخية وهمية، بدل مناهضة اليمين الرأسمالي عدوها المباشر آنذاك.

وقد أفرز هذا التعارض الذي تخبط فيه اليسار المغربي تحوير قيم الفكر اليساري الحق، والانزياح عن قيمه المثلى، والانفصال عن قضايا الجماهير، واستبدالها بصراع وَاهٍ بين تيارات اليسار المغربي حول الشرعية التاريخية، وادعاء كل طائفة أنها النموذج الأمثل للفكر اليساري، متناسين أنهم لم يتبنوا الفكر اليساري بقدر ما تبنوا نسخه المتأخرة المشوهة التي يمثل التيار الستاليني أشنع صورها.

ولا يخفى أن هذا التعارض، قد جعل دعاوى التقدم والتحديث ومحاربة الرجعية، ومناهضة التخلف، والجمود مجرد ألفاظ خالية من معانيها الحقيقية، مما جعل الجماهير الشعبية تستشكل صلتها باليسار المغربي، فتعبر عن انتصارها لقيمه المثلى المبثوثة في نصوصه التأسيسية، وكفرها بممارسات السلفية اليسارية التي سقطت فيها تيارات اليسار المغربي.

من هنا، نص كتاب الطريق الرابع على أن راهنية اليسار المعاصر المتجدد، تتمثل في تفكيكه لهذا التعارض وتجاوزه، والقضاء على السلفية اليسارية بخلق هوية يسارية معاصرة حداثية موسعة علميا وعمليا، منظومة فكرية يسارية حيّة، في الحاضر والمستقبل.

3- التعارض بين الاستقلالية و تبعية القراءات اليسارية:

من أوجه التعارض التي وقع فيها اليسار المغربي من منظور الطريق الرابع، مجاهرته الشعاراتية بضرورة استقلال الشعوب وتحرر الجماهير من هيمنة الرأسماليات، والخطابات الرجعية الماضوية، وجبروت اليمين وسطوته على خيرات البلاد وتغلغله في مختلف المجالات، مع تبعيته الكلية للقراءات اليسارية اللينينية والماوية والستالينية والتروتسكية، تبعية عمياء، دون محاولة نقد خطابها، واتخاذ موقف من ممارساتها، وتبين نقاط ضعفها، وأخطائها كالأخطاء التي أحدثتها القراءة الستالينية للفكر اليساري، والتي أدت إلى ميلاد يسار راديكالي دموي قمعي، أزهق الأرواح في العالم باسم الفكر اليساري وشوه قيمه وأدبياته إرضاء لقراءة أحادية متعصبة ومؤدلجة عبرت عنها تعبيرا صريحا كما أشرنا الممارسة الستالينية التي ألهمت كل المتعطشين لإراقة الدماء، وقمع الشعوب.

حيث أبرز الكتاب أن هذه التبعية العمياء للتيارات الراديكالية التي سقطت سهوا في ليل اليسار الدامس، حرمت اليسار المغربي من استقلاليته، عن تجارب اليسار العالمي المشوهة، واتخاذ مسافة منها، وتقويمها تقويما نقديا، قصد تبيئة يسار مغربي معاصر يشبه المغاربة، رهانه النضال من أجل الحرية والعدالة والمساواة، لا الإجهاز على اليسار وتغييب قيمه باسم الشرعية التاريخية، وديكتاتورية الزعيم، والعنف الثوري.

والناظر في كتاب “الطريق الرابع” يجد أن اليسار الآخر المعاصر الذي يدعو له الطريق الرابع، هو يسار التحرر من ضروب التعارض الثلاثة اللاعقلانية التي سقط فيها اليسار المغربي القديم، وما تبقى من يسار اليوم، إنه يسار تقدمي جماهيري حداثي متجدد، ومواطن موصول بقضايا المجتمع، ملتحم مع الجماهير، في القرى والجبال والسهول والسهوب، ومستقل في مواقفه، وعقلاني في رؤاه، وعملي في ممارسته، وحداثي في اختياراته، ومتصد لكل أشكال السلفية الفكرية، والممارسات الشعبوية، والخطابات الفاشية النكوصية.

وقد حرص مؤلف الطريق الرابع في القسم الثالث من الكتاب، بكل جرأة نقدية، على الجهر بضرورة رفع الوصاية عن الفكر اليساري الجدير بالتسمية، بعدما عرّى واقع ما تبقى من اليسار بالمغرب، وعمل على سد الثغرات المنهجية والتصورية والعملية التي وقع فيها يسار المنظومة الكلاسيكية بالمغرب، من أجل بلورة سمات اليسار الآخر المعاصر الذي يسعى إلى توطينه جماهيريا في راهن المشهد السياسي المغربي.

ولأجل هذا الغرض تبنى الدكتور المصطفى المريزق مفهوم المغربة باعتباره مفهوما إجرائيا، لإعادة بناء يسار آخر مواطن، يقطع مع المفاهيم المنقولة التي تسربل بها اليسار الكلاسيكي لعقود، والتي بموجبها سقط في ما اصطلح عليه عرّاب الطريق الرابع بــ (السلفية اليسارية) التي قيدت تيارات اليسار بالمغرب، و زادت من هوة الشقاق والتفرقة بينهم، بعد جمود كل تيار على نموذج مُستعار من نماذج اليسار العالمي، والعربي واعتباره النموذج الأمثل دون أي نقد أو مراجعة فكرية أو توسيع.

حيث نصَّ على أن آفة اليسار السلفي التقليداني بالمغرب تكمن في سقوطه في آفة التقليد المزدوج، والمتمثلة من جهة، في تقليد نسخ مشوهة من تيارات اليسار العالمي المتصارعة بالغرب، ومن جهة أخرى في تقليد اليسار العربي في نسخته القومية التي ضيقت الفكر اليساري واختزلت قيمه الكونية.

إذ بموجب هذا السلوك التقليداني البرّاني فشل اليسار بالمغرب، بأن يكون مغربيا بامتياز، ومتماهيا مع الشخصية المغربية بفيوضها الحضارية ومميزاتها التاريخية وتعدديتها الهوياتية وتنوعاتها المجالية والجغرافية.

وفي هذا الصدد اعتبر المؤلف أن اكتفاء اليساريين المغاربة بالنقل والتقليد المزدوج، الذي وصل حد حمل يساريي المغرب للمظلات متى أمطرت السماء بموسكو، قد ضيع عليهم فرصة مغربة اليسار، بما يوافق خصوصية المجال التداولي المغربي، وتطلعات المغاربة الذين وجدوا في قيم اليسار المثلى، و تنظيرات المؤسسين جزءا من هويتهم التي لم يلحظوها على أرض الواقع في ممارسات وقراءات ما تبقى من اليسار، الذي اختار أن يكون سلفيا تابعا ومتعصبا يدين بالولاء حد القداسة لنماذج يسارية راديكالية دون نقد أو اعتراض، أو تهذيب لرؤاها، أو تصويب لمنهجها في تدبير الدولة كما هو الشأن في النموذج الستاليني الدموي، الذي وجد في جغرافية العرب من يبرر أخطاءه، ويتعصب له، ويدعو للاقتداء به في ضرب سافر لروح الفكر اليساري الحق القائم على خدمة الإنسانية، وتحريرها لا استعبادها، أو الاعتداء على حقوقها، أو إعاقة نضالها التقدمي المشروع، وتقييده بأغلال الإيديولوجية المنغلقة على نفسها، والفتك بالأبرياء.

وفي هذا الصدد أيضا، انتقد كتاب “الطريق الرابع” صنيع تيارات اليسار بالمغرب مع المفكرين المغاربة الذين قوبلت أعمالهم بالإهمال، حين حاولوا تنظيريا توطين مفهوم اليسار المواطن بالمغرب وتبيئة قيمه في جغرافية المغرب فكرا وممارسة، أمثال محمد عابد الجابري، حيث عاب عرّاب الطريق الرابع الإغفال الذي واجه به يساريو المغرب، المفكرين المغاربة التقدميين المجددين، وعدم احتفالهم بجديدهم النظري، واختبار كفايته التفسيرية والإجرائية، مما جعل هؤلاء المفكرين يعتزلون المشهد السياسي، وينفقون ما تبقى من أعمارهم في الكتابة للأجيال القادمة، حين تأكدوا أن يساريي المغرب المقلدين أبعد عن التحرر من مقولات اللينينيين والماويين والستالينيين والتروتسكيين، التي تعصبوا لها، ولأصحابها حد التقديس، ظنا منهم أن العقل المغربي عاجز عن تجاوز مسلمات المنظومة اليسارية التقليدانية، وتفكيكها ونقدها، وتوسيعها بما يلائم الواقع السياسي المغربي، وخصوصيته التاريخية والحضارية والهوياتية.

من هنا، جاءت دعوة المؤلف في فصل” الرؤى و المعارف”، إلى أن مغربة اليسار مشروطة بإعادة الاعتبار لمفكري المغرب التقدميين، والوفاء لروحهم، وإعادة قراءة التراث الفكري الذي تركوه قراءة معاصرة، وتطوير فتوحاتهم المعرفية، وتوسيعها بما يلائم الراهن المغربي، حالا ومآلا لبناء يسار مغربي قح، له القدرة على خلق البدائل، وإبداع المشاريع، ونقد الْمُعَطِّلَةِ الذين اختاروا تعطيل العقل المغربي، وحرمانه من حقه في الاختلاف الفلسفي، و تفكيك القراءات اليسارية العالمية، و سد نقائصها، وتجاوزها، والقطيعة مع نظرة التقديس التي تسربل بها ما تبقى من اليسار الذي أضحى جراء جموده على القراءات المنقولة، عاطلا عن التفكير والإنتاج، منذ صدمة سقوط جدار برلين، وأفول نجم التجارب التي قدّسها، مما جعله شبيها بالتيارات الدينية، ومحافظي الإسلام السياسوي الذين ولوا وجوههم شطر الماضي، وانتسبوا لتنظيمات إخوانية مشرقية، وحاولوا نقل فكرها ومنهجها وممارساتها وآفاتها، للمغرب، في ضرب سافر لخصوصية التدين المغربي، ونظامه الملكي القائم على إمارة المؤمنين، ودستوره التوافقي، وتاريخه الحضاري المشرف، والإسهامات الفكرية لرجالات النبوغ المغربي الذين طارت شهرتهم في الناس كل مطار.

وحري بالذكر، أن اليسار الآخر المعاصر الذي ينشده الطريق الرابع، باعتباره طريقا نحو المستقبل، كما يظهر بين ثنايا الكتاب، يقوم على خاصيتين:

خاصية الوصل: التي بموجبها تغدو قيم اليسار المثلى موصولة بخصوصية المغرب الحضارية والتاريخية، والهوياتية، واللغوية، والعرقية، وعبرها يغدو الفكر اليساري المعاصر مغربيا بامتياز، موصولا ومرتبطا عضويا بواقع المغاربة، يناضل من أجلهم، ويحقق آمالهم، وتطلعاتهم، نحو مغرب المستقبل.

خاصية الفصل: التي بموجبها ينتصر الطريق الرابع لليسار المغربي المواطن، وينفصل عن كل ما لا يمت للمغرب والمغاربة بصلة، من ممارسات وسلوكات، من قبيل الوصاية الفكرية الأجنبية، والولاءات الإيديولوجية الخارجية التي جعلت المغرب مِزَقًا، يتنازعه تياران، يسار كلاسيكي متعصب للقراءة الغربية، و متأثر بتنزيلها الخاطئ لقيم اليسار، ويمين إسلاموي، تنكر لخصوصية التدين المغربي، واستعار تدينا مشرقيا، يتسم بالخلاف، والتعصب، والنظرة الدونية للمرأة، ومعاداة المواثيق الوضعية، و الأبعاد الكونية لحقوق الإنسان، فضلا عن ضبابية موقفه من الدولة المدنية، والعلمانية، والحداثة، والفنون، وكثير من قضايا الساعة.

إن كتاب الطريق الرابع، باعتباره مشروعا طليعيا متجها نحو المستقبل، لم يقف عند سرد آفات اليسار المغربي وتناقضاته، فحسب، بل جعل من هذه الآفات، والتعارضات مطية لبناء يسار آخر، يسار جديد ومتجدد، تشكل هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المغرب التربة الخصبة لولادته من أجل بناء مغرب المستقبل، وإعادة الاعتبار لقيم اليسار الحق، لا اليسراوية المترهلة التي أنهكها التشرذم والصراعات الداخلية والآفات المذكورة أعلاه، أو دعاوى التجديد المحتشمة، رؤيويا وإجرائيا على أرض الواقع.

فما هي سمات اليسار الجديد الذي دعا له مصطفى المريزق في مشروع الطريق الرابع؟ انطلق

المؤلف، في أوراق الطريق الرابع ومرتكزاته، من اعتبار دعاوى التجديد السابقة، التي ظهرت من أجل تقوية صفوف اليسار، دعاوى محتشمة حملت بذور موتها -عربيا ومغاربيا- منذ الوهلة الأولى، لتغليبها الحلم الوحدوي على العمل النقدي، هذا الحلم الوحدي الذي تحول إلى نزوة عاطفية همها الرغبة في تجميع مكونات اليسار في إطار واحد فقط، حيث يرى أن الحرص على تحقيق هذه الرغبة السيكولوجية الحالمة والبريئة، قبل خلق شروط رص صفوف التيارات اليسارية، قد حرم أنصارها من الوقوف على الآفات الكامنة وراء هذا التشرذم، ونقدها نقدا منطقيا، لخلق بدائل نظرية وعملية لبعث اليسار من جديد، حيث أدى اكتفاء أنصار هذا الحلم الوحدوي، بأفول دعاويهم التجديدية التي أصبحت في حكم رسائل التمني والترغيب الخلوة من أي مشروع عملي، يوجهه النظر النقدي والممارسة العقلانية الواعية بشروط التجديد و إعادة البناء الحق. ولهذه الأسباب نصَّ على أن اليسار الجديد الذي يؤسس له مشروع الطريق الرابع، هو يسار آخر، يسار جديد ومتجدد بكل ما تحمله الكلمة من معاني الجدة والتحديث والمغايرة والتجاوز.

إنه يسار قائم أولا: على رؤية نقدية مغايرة، مرتكزة على أسس علمية-عملية، متحررة من عقدة استعادة التاريخ، ومن هوى التجارب اليسراوية السابقة، وطقوسها التحريفية، ومن تقديس الأفكار المتحجرة، ومن الجمود على مقولات التأسيس، التي ابتليت هي الأخرى بآفات النسخ والسلخ، والمسخ التأويلي والتحريف الرؤيوي.
ثانيا: إنه يسار القيم اليسارية الحق، التي شوهتها القراءات اليسارية القاصرة، حين حرّفت قيمه البانية، وعمدت على تنزيلها على أرض الواقع تنزيلا خاطئا، بابتداع ممارسات هي من صميم الممارسات الماضوية، وسقوط كثير من التجارب اليسراوية في سلوكيات مناقضة للفكر اليساري برمته، سلوكيات هي بنت الهويات النكوصية، والتيارات المحافظة والرجعية المنغلقة على رؤاها.

ثالثا: إنه يسار مقاومة هادئة، وتأطير مجتمعي تنويري، ونضال تصحيحي رسالي، وسلوك فكري تقدمي مناهض للسلوكيات الشعبوية، وهوية مواطنة حداثية ضد الهويات السياسوية النكوصية والإيديولوجيات المتعصبة والإمبرياليات الاحتكارية المتوحشة، والتنظيمات الأصولية.

رابعا: إنه طريق رابع، وليد شروط موضوعية، ونظر نقدي تفكيكي بعد انسداد أفق الطرق الثلاثة السابقة له، وفشل برامجها في تحقيق سعادة الإنسان على الأرض، وأفول نجمها.

خامسا: إنه طريق اليسار المواطن، المتحرر من سلطة العمى الإيديولوجي، وسلطة الاستلاب والحجر الفكري، وسلطة الهيمنة الراديكالية في مختلف المجالات.
سادسا: إنه يسار التنزيل الصحيح لقيم الفكر اليساري المثلى، ويسار النظرية المتجددة فكرا وممارسة، ويسار السلوك اليساري الواعي بحريته واستقلاليته، في التدبير والتأطير والاستشراف.

سابعا: إنه يسار المواطنة الصادقة المسؤولة تجاه المواطنات والمواطنين، ويسار حقوق الإنسان الكاملة بأبعادها الكونية، ويسار الديموقراطية الاجتماعية الملتحمة بقضايا مجتمعها.

ثامنا: إنه يسار التعددية والهوية التقدمية الكاملة لأفراده بغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية، ويسار اللاتمركز، والانتصار لهوية الهامش، باعتبارها مجالا متميزا وخاصا، جغرافيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا.

تاسعا: إنه يسار مؤسساتي مناضل من أجل العدالة المجالية، والبنيات الأساسية، والثروة الوطنية، ويسار القيادة التشاركية الموزعة لا القيادة الأحادية المستبدة.
عاشرا: إنه يسار المشاريع الخلاقة التي تضع نصب عينها، أولويات حاضرها، وآفاقها المستقبلية، على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وفق استراتيجيات عملية توقعية لا تؤمن بالصدف، لأنها تستبق الأزمات عمليا وتضع حلولا لها.

حادي عشر: إنه يسار إسعاد البشرية لا سحق البشر والتسلط على حقوقهم الطبيعية، والانقضاض على مكتسباتهم، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والجنسية واللغوية، والصحية والبيئية والفكرية، إنه يسار يعلي من قيمة العمل المجتمعي الأفقي والعمودي، ولا يرتمي في حضن المشاريع الفضفاضة، والبرامج الخرافية والشعبوية المقيتة.

فمن خلال هذا التركيب المتكامل للهوية اليسارية الجديدة التي يقترحها عرّاب “الطريق الرابع”، نجد أن الهوية اليسارية التي يؤسس لها، هي هوية تكاملية تعددية موسعة، ومتجددة، تعلي من قيمة العمل الخلاق، وتؤمن بالحق في الاستقلالية الفكرية والاختلاف، لا الخلاف الذي تغذيه الخطابات الإقصائية، مما يجعل هوية الطريق الرابع نقيض الهويات التجزيئية السابقة لها، التي وقعت في شراك العدمية، جرّاء تجزيئها لكينونة الإنسان ووجوده الممتد، وانتهاجها لسلوكيات إقصائية هدّامة، وممارسات شعبوية عدمية.

وبناء على هذه الأسس يطمح اليسار الجديد إلى ترسيخ ممارسة مدنية وسياسية عقلانية، رهانها الحضور المواطن والخدمة المجتمعية الدائمة، لا الظهور المناسبتي، والانشغال بالمزايدات السياسوية.

كما الناظر في رؤى الطريق الرابع، لا محالة يلمح مدى إدانته للفكر الشعبوي بمختلف تجلياته، وانتصاره للفكر العقلاني العملي الملموس، وقطيعته مع مختلف أشكال الاستغلال السياسوي للدين، في التدبير الدنيوي لحياة الإنسان، باعتبارها شكلا من أشكال الاختلاس القيمي، وعائقا أمام التقدم والتحديث المجتمعي.

حيث يقر مصطفى المريزق أن العلمنة الواعية هي الخيار الأمثل الذي يدافع عنه الطريق الرابع لوضع حد للمزايدات الدينية والجنسية والعرقية واللغوية، التي ابتليت بها حياتنا المعاصرة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وفكريا وثقافيا وحقوقيا.

ومهمة اليسار الجديد من هذه الزاوية هي مناهضة هذا الاستغلال السياسوي الذي يمارس سطوته على اختيارات الجماهير، ويغرق الشعوب في خطابات شعبوية تبريرية خرافية غير مسؤولة، وفارغة النتائج على أرض الواقع، حيث يقر مصطفى المريزق أن فشل التجارب اليسراوية في محاربة تيارات الاقصاء السياسي باسم الدين والعرق واللغة، هي التي كرَّست الهوة بين الشعب والسياسة، وسمحت بسقوط شباب أبرياء في شراك التيارات المتطرفة وتبني الفكر العدمي وأطروحات الإرهاب، والعدول عن المشاركة الانتخابية.

إن مهمة اليسار الجديد، كما يفصح عنها كتاب الطريق الرابع هي مهمة طليعية عقلانية عملية، يوجهها من جهة، مبدأ تصفير المشاكل مع المؤمنين بقيم اليسار المثلى، وكل التواقات والتواقين للحرية والعدل والمساواة، ومن جهة أخرى مناهضة الاستغلال بكل ألوانه، والتصدي للخطابات العدمية بكل أشكالها، ومحاربة التفاوتات واحتكارية الإمبريالية المتوحشة أنى كانت الجهة الداعمة لها داخليا، ومواجهة الحجر الفكري والإيديولوجي الخفي والمعلن بكل الوسائل الحقوقية والقانونية.

إن اليسار الجديد من هذا المنظور، الذي ينتصر لقيم اليسار، نظريا وعمليا، لا للممارسات اليسراوية الممتدة في التاريخ، هو يسار مواطن بكل ما تحمله الكلمة من دلالات عميقة، لأنه ينتصر للوطن لبناء مغرب المستقبل، وللمواطنين من أجل سعادتهم الدائمة، ولدولة المؤسسات الاجتماعية ضد كل دعاوى الفوضى والهدم، والتطرف الإرهابي، والحياد العدمي.

وصفوة القول في هذا التذييل الذي ذيلنا به هذا الكتاب الباني لمشروع مجتمعي كُبَّارٍ، أن اليسار الذي يؤسس له الطريق الرابع من منظور المصطفى المريزق، يسار آخر، يرتكز على فعل المحو، أي محو تقليدانية اليسار المغربي الكلاسيكي، وفعل البعث، أي بعث قيم اليسار الكونية المثلى بعثا مغربيا، وتوطين الفكر اليساري، من خلال مغربته، وتبيئته في المجال التداولي المغربي، وفعل الوفاء، من خلال إعادة الاعتبار للمفكرين المغاربة المجددين الذين تمَّ إهمال تراثهم، و فعل الإبدال، من خلال استبدال جمود وعجز ما تبقى من اليسار، بفعل التجديد، عن طريق إبداع براديغمات وطنية جديدة، وخلق مشاريع تنموية بانية، ودعم نخب مواطنة جديدة، وفعل القطيعة، أي القطيعة مع كل ما هو ماضوي فكرا وممارسة، وسلوكا، وفعل التصحيح، أي تصحيح مسار التنمية بالمغرب، من خلال الانتصار للدولة الاجتماعية، والمؤسسات المواطنة، والعدالة المجالية، والبنيات الأساسية، وفعل الدمج، أي دمج كل القوى الحية التقدمية، في هيئة وطنية للترافع عن حق المغاربة في الثروة الوطنية، والمساواة بين سكان الجبال والواحات والسهول والسهوب بسكان المراكز، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلا عن التحرر من قيود الإيديولوجيات المنغلقة على نفسها باسم الشرعية التاريخية، أو اللغوية، أو العرقية، أو العقدية، وتعويضها بميثاق تعاقدي عملي تكاملي رهانه خدمة المغاربة، وضمان حقوقهم كاملة بغض النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي أو الطبقي، أو الجنسي.

وعلى الإجمال، فإن اليسار المغربي المعاصر الذي أبدعه الطريق الرابع، كما تجلى من خلال أقسامه، قد تخلص من الأسباب الخارجية، التي ساهمت في تشرذم اليسار الكلاسيكي بالمغرب، وفشله، في التجذر الجماهيري، وعجزه عن تصفير مشاكل المغاربة، وطرح بدائل لبناء مغرب المستقبل.

إن المصطفى المريزق، من خلال وقوفه على نقائص اليسار الكلاسيكي، ووصل قيم اليسار الكونية بكل ما هو مغربي، وإعادة قراءة الفكر المغربي، والعناية بمساهمات المفكرين المغاربة التقدميين في مختلف القطاعات، والانتصار لحق المغاربة الجدد في بناء يسار جديد يشبههم، يكون قد مهَّدَ لِطَيِّ صفحة التقليد والجمود التي تسربل بها ما تبقى من اليسار لعقود، وافتتح صفحة يسار آخر معاصر ومواطن، قريب من المغاربة ومتصالح معهم، وقادر على المساهمة المدنية والسياسية من داخل المؤسسات على بلورة حلول لأزماتهم الحالية، وتوفير شروط ميلاد وبناء مغرب المستقبل الذي ينشده المغاربة قاطبة، مغرب العدالة المجالية، والبنيات الأساسية، والحقوق الكاملة لكل المواطنين.

من هنا يجوز لنا وسمه بأنه نداء من أجل المستقبل، وطريق النجاة القادر على بناء مغرب المستقبل، وتنزيل القيم اليسارية المثلى تنزيلا صحيحا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • مغربي أصيل
    الثلاثاء 22 يونيو 2021 - 02:02

    لا يوجد يسار مغربي… هناك يسار عروبي ناشط بالمغرب..كل أفكاره و مبادئه و قضاياه مستوردة من المشرق لا علاقة لها بالواقع المغربي. ما يجعله ضعيفا جدا في الساحة السياسية المغربية…حتى قوته في اواسط القرن الماضي كانت بفضل المساعدة الخارجية التي كان يتلقاها من الدكتاتوريين الشوفينيين في المشرق لاغير.
    اما الخطاب فبقي حبيس حلقيات الطلاب في الجامعات و بعض صغار العقول.
    اليسار العروبي اليعقوبي الشوفيني النازي لا مستقبل له

  • sifao
    الثلاثاء 22 يونيو 2021 - 19:36

    يقول بترنالد راسل ” اللغة العامية هي الخزان الاستراتيجي للمفاهيم الفلسفية ، والمثل يقول ” ا”لشيطان في التفاصيل” اليسار الجديد الذي يبشرنا به صاحبنا هو بسار لفظي ، جدته تكمن في حدة الالفاظ التي يصف بها غيره الذي يزاحمه على السلطة والمال ، الفاشية ، الفوى الظلامية.الراسمالية المتوحشة..وما الة ذلك من عموم الكلام وقوة الكلمة التي ورثناها عن اليسار المنتهية صلاحيته مع اسقاط جدار برلين بالفؤوس وسواعد الالمان من الجهتين…لسنا في حاجة الى لغة الشلالات والخضروات وانما الى الجديد اليساري بالارقام وألمعطيات الدقبقة التي يمكن اثباتها او نفيها ، ان يقدموا لنا برنامجهم الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي والسياسي بتفاصيل وارقام واضحة وليس على شكل جمل شعرية ومفاهيم عامة لم يحسم بعد في معناها رغم طول مدة الزمن…سيدة اليسار عندما حصرت بسؤال الوضع في الصحراء واهتمامها اكثر بحرب غزة هربت عبر نافذة الحل الاشمل في اطار اتحاد المغرل العربي ، واين الجديد في “جدة اليسار”نفس الكلام ونفس الاحلام والهلوسات…نحن في حاجة الى حزب وطني ديمقراطي بالمعنى الشاسع للديمقراطية وليس المعنى الانتخابي فقط ..

  • sifao
    الثلاثاء 22 يونيو 2021 - 22:20

    يقول ان المخزن سيطر على البوادي والقرى والهامش الذي يتشكل من غالبية الشغب ، نعم لانه عرف من اين يؤكل الكتف ، هو يعرف انه في حاجات الى أكياس الدفيق والشاي والزيت و..وليس الى معنى الرأسمالية المتوحشة ، التي يسميها الجوع منذ زمان…الاحزاب اليسارية لا تعرف لغة الشعب لانها ليست جزء منه ، نشات في المكاتب ومقرات الاحزاب وليس في الشارع واماكن العمل والانتاج ، نقطة صعفهم هي قوة خصومهم الاسلاميين لان هؤلاء يمتلكون ناصية الخطابة ….اول خطوة نحو وضع سياسي جديد هو ان ينزل الساسة والمنظرين لهم من ابراجهم العاجية ليفهموا واقع المغاربة ويصبحون جزء منه وفق المقاربة الجديدة لمفهوم القيادة…حتى يتمكنوا مت الترافع باسم المواطنين بشكل جيد ، اليسار لم يستطع اختراق فئة المثقفين من الطبقة المتوسطة خزان طقات التغبير …اليسار يتحدث باسم الفقراء وهو يجهل تماما ثمثل هذا الاخير لاسباب فقره وبؤسه…في مجتمع يرى الفقر والبؤس والمرض حضه من الدنيا وفي الاخرة له اجرين…اليسار يخاطب نفسه وهو يعتقد انه يتخدث باسم شعب غير واع بتفويض ثوري….ثورة اليسار الاشتراكي على البمين اللبيرالي…المتوحش..

  • مولاي سعيد
    الأربعاء 23 يونيو 2021 - 00:03

    لامعارضة ولايسار ولا يمين ولا أمام ولا دبر ولا هم يحزنون القصر فوق كل شيء وله كل شيء ومنه كل شيء، وإنما هنا أناس يستمتعون ويستغلون الناس لصالحهم ولغيرهم

  • فريد
    الأربعاء 23 يونيو 2021 - 05:28

    أعتقد أنه من البلادة أن نصنف نبيل بنعبدالله أو إدريس لشكر أو نبيلة منيب وجماعتها أو…من اليسار.هؤلاء صنعهم القصر على مقاسه ولا علاقة لهم بالحياة اليومية للمواطن،وهذا لايعني أن الأحزاب الأخرى تعبر عن آلام وآمال المواطن.نحن على أبواب الإنتخابات فكم منا سمع أو قرأ البرنامج الإنتخابي لهاته الأحزاب؟ربما حزب صديق الملك هو الوحيد الذي خرج إلى الجمهور بوعود لن يُصدق ولو جزء منها إلا أبله.مجتمعنا لازال خارج ثقافة الأحزاب بيمينها وشمالها،لأن حاكمنا الفعلي لازال مصرا على تقليد الحكم الإسماعيلي،ولاتهمه عصرنة البلاد لا من قريب ولا من بعيد،وهمه الوحيد هو الإستمرار وكل ما هو حوله من أحزاب وحكومة ونقابات و…ما هو إلا واجهة للتزيين فقط ليبقى نظام الحكم كما كان في الماضي:كل شيء يُقرر في القصر ولاأحد يعرف ماذا يقع في القصر.ولنحلل أوضاع يسارنا كما يحلو لنا والواقع شيء آخر

  • إلى فريد العدمي
    الأربعاء 23 يونيو 2021 - 12:14

    العدمية في صالح من يريدون إبقاء الوضع الحالي على ما هو عليه و ليس في صالح المطالبين بالتغيير لأن الحكومة تملك صلاحيات كبيرة جدا عكس ما يشاع فهي قادرة على إحداث التغيير ، كتذكير من عارض التغيير سواء أثناء إقرار مدونة الأسرة أو أثناء كتابة الدستور أو في إصلاح بعض مضامين التعليم كانت القوى الرجعية فلنكن حذرين . ذكرتني ببعض من كانوا بالأمس يمدحون البيجيدي و قبله حزب الاستغلال بداعي أنها أحزاب مستقلة فيما كان السب و الشتم نصيب قوى أكثر تقدمية بكثير بداعي أنها أحزاب إدارية أو أنها أحزاب الملك!!

  • الى 6
    الخميس 24 يونيو 2021 - 14:38

    التعليم المفرنس، المدونة المعلمنة المفرنسة، كلها خرجت من القصر، اي ان النقاش هو مجرد واجهة فقط، لتنفيذ مشروع المخزن السابق، لك يكن هناك مقاش حقيقي، الدستور الممنوح مازال موغل في منح كافة السلط لشخص واحد، المخزن يمكن له ان يلعب دور التقدمي ودور الرجعي على حساب شعبه المغلوب على امره، نحن دولة بوليسية تابعة بالاساس لماما فرنسا

  • sifao
    الخميس 24 يونيو 2021 - 22:36

    الى 7…
    دستور ممتوح ، ماما فرنسا ، المخزن….لغة النضال الخشبي القديم….نغس الكلام يجتر على مدى عقود ومن الزمن لم يتغير ، به ومن خلاله يطالب بالتغيير ، لدي سؤال بسيط وحاسم ، ما هي البدائل التي تطرحها وترى انها مناسبة ومضمونة النجاح ،.. اما اجترار كلام الحرس النضالي القديم فلن يغير شيئا مت واقع الحال ، الشعوب المتخلفة تحتاج الى محطات كثيرة قبل ان تدخل نادي المتقدمين…الديمقراطية لا تعني انتخابات شفافة ونزيهة..لان هذه الاخيرة قد توصل حزبا متطرفا لا يؤمن بالديمقراطية والتعددية كما حصل في الجزائر مع جبهة الانقاذ الاسلامية…اللهم دولة بولبسبة ولا دولة لاهوتية…

صوت وصورة
لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:48

لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:31

أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 22:19

الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله

صوت وصورة
الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 21:29 4

الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج

صوت وصورة
محافظ ثقيلة وأطفال صغار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:29 2

محافظ ثقيلة وأطفال صغار

صوت وصورة
استفدت من 800 درهم وسأدعم "الأحرار"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:00 5

استفدت من 800 درهم وسأدعم "الأحرار"