يوميات حاج (6): الوقوف في عرفة .. لحظة كونية تتوق إليها الأرواح

يوميات حاج (6): الوقوف في عرفة .. لحظة كونية تتوق إليها الأرواح
صورة : صفحة وام
الخميس 5 يونيو 2025 - 09:30

عرفة ليست مجرد أرض، ولا مجرد يوم. إنها لحظة كونية تتوق لها الأرواح كما يتوق العاشق إلى رؤية محبوبه بعد طول غياب. الوقوف بعرفة ليس توقفًا جسديًا فحسب؛ بل هو قفزة في مدار القلب، لحظة يُرفع فيها الزمان من أفقيته المعتادة، ويصبح للحظة “الآن” معنى أبدي.

هنا، على صعيد عرفة، يقف الإنسان عاريًا من كل شيء إلا منقلبه. لا يطلب، لا يفاخر، لا يُعدّ إنجازاته. فقط يقف. وما أعمق هذا الوقوف… كأنه شهودٌ على النفس، ومثولٌ أمام الحقيقة، وتحرّرٌ من ثقل ما كان.
وقد قال النبي ﷺ: “الحج عرفة”.

كأن الوقوف فيها، لا المناسك كلها، هو الجوهر. هو “اللقاء”. وفي كل وقوف، ثمّة اعتراف، وثمّة رجاء. يرفع الحاج يديه، لا ليطلب فقط، بل ليُسلّم، ليقول لله: “أنا هنا.. كل ما فيّ لك، فأعدني إليّ كما تحب”.

لا شيء في عرفة يُشغلك عنك. لا بناء يُلفت النظر، لا شعيرة تُشغلك عن الشعور. السماء وحدها هي السقف، والأرض امتداد مفتوح لخطاك، وكل ما بينهما هو مجالك الشخصي للابتهال. هنا يتجرد الإنسان من كل ما يمنعه من البكاء. وتصبح الدموع لغة مشتركة بين الغرباء.

في عرفة، تسقط الحدود: بين عربي وعجمي، بين فقير وغني، بين متعلم وبسيط. الكلّ يتساوى في الانكسار، ويتشابه في الدعاء. ومن لم يبكِ في عرفة، فقد أخطأ في الطريق إلى قلبه.

الوقوف هنا هو تدريب على الحضور الكامل. ليس فقط أن تكون في المكان، بل أن تكون فيه بكل جوارحك، بكل أحزانك، بكل فراغك، بكل آمالك. لأن عرفة لا تُدخل إليها إلا من دخل على نفسه أولاً، وجلس في صمت مع ما خبّأه العمر في أعماقه.

وقد شبّه بعض العارفين عرفة بيوم القيامة، لا لأن الحشود تتشابه؛ بل لأن القلوب تُبعث هنا. تقف وحدك، بينك وبين الله، لا وسيط ولا مقام. فقط أنت وصوتك الداخلي، ينادي: “ربّاه، إن لم أكن أهلاً لعفوك، فأنت أهلٌ لأن تعفو”.

وهكذا، تصبح عرفة أكثر من شعيرة، بل هي نقطة التحول. فيها يتحرر الإنسان من صورة نفسه القديمة، ويبدأ رحلة العودة إلى ذاته الأصلية: تلك التي كانت تعرف الله قبل أن تُعميها الحياة.

ولأنها أعظم الأيام، فإن أعظم الأدعية تولد فيها، وأعظم الغفران يُكتب فيها، وأعظم الأمل يُستعاد فيها. فليس في الدنيا لحظة أكثر شبهًا بالرحمة من لحظة الغروب في عرفة، حين تصطبغ السماء بلون المغفرة، وتغمر الأرض نسائم القبول.

وفي تلك اللحظة، يدرك الحاج أنه لم يأتِ بعرفة ليضيف إلى حياته صفحة جديدة؛ بل ليبدأ كتابًا جديدًا، بعنوان: “ها قد عدتُ يا ربّ، فاجعلني كما كنت أحب أن أكون”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • السعدية عطفاوي
    الخميس 5 يونيو 2025 - 09:58

    بل هي ارقى وافضل من ذلك ففيها متعة الروح بمناجاة الخالق والاحساس بقربه منه والالحاح في الدعاء ورجاء القبول
    أسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يمتع بها كل مسلم ومسلمة ويجعل لنا في هذا اليوم دعوة مستجابة بجاه الصلاة على الحبيب محمد عليه افضل الصلاة والسلام آمين يارب العالمين.

  • تقبل الله منا
    الخميس 5 يونيو 2025 - 10:07

    في هذا اليوم المبارك اعاده آلله تعالى علينا باليمن والبركات، نطلب الرحمة والمغفرة والهداية لنا ولجميع للبشرية جمعاء.

  • ابو آدم القنيطري
    الخميس 5 يونيو 2025 - 10:20

    تحية لكاتب المقال “احمد و الزهراء” مقال بالف معنى و ما جاء بين السطور رسائل مشفرة لمن اراد ان يستقيم في دنياه و آخرته..كل التحية لكاتب المقال

  • aziz
    الخميس 5 يونيو 2025 - 10:23

    من كان قلبه مليئا بالإيمان فإن تلك اللحظة هي أجمل ما في العمر. فهي لحظة تجرد تام من الدنيا و استكانة و رجاء وتوجه إلى الخالق عز وجل .فيها يتوج المسلم مصاره في الدنيا لنيل رضى الله و الانتماء للصالحين المتقين

  • محمد
    الخميس 5 يونيو 2025 - 10:57

    يا أمة كانت يوما خير أمة غير أنها لم تعد كذلك، فجلب الخير هنا مرتبط بدفع المنكر، يا أمة ضحكت من جهلها الأمم و سخرت من ضعفها الدول و استهزأ من خضوعها واستسلامها كل الوجود، يا أمة كانت حية لكنها ماتت إلى الأبد بسبب الإستسلام والخذلان والتطبيع و التواطؤ ، شعب عربي مسلم يذبح من الوريد إلى الوريد ولا أحد يستطيع أن ينهي هذا المنكر، يا أمة لبست الإحرام وإخوان لها يلبسون الأكفان، يا أمة وقفت بجبل عرفات وإخوان لها يطوفون على قبور الأطفال والنساء والشيوخ، يا أمة ترجم إبليس بالحصى وشيطان الإنس يرجمها بقوة السلاح، يا أمة تقف على صعيد عرفات و أهل القبلة الأولى و مسرى النبي يقفون في غزة جائعين بدون مسكن ولا طعام مجردون من كل شيء. كيف تسقط الحدود بين المسلمين في الجح ولا يسقط الحصار على غزة، اللهم انتقم من كل الصهاينة المجرمين واهزمهم فإنهم لا يعجزونك.

  • الى محمد - تعليق 5
    الخميس 5 يونيو 2025 - 11:26

    الحمد لله لازال هناك اناس مثلك لهم عقول يفكرون بها ! قال رسول الله: “لأن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون على لله من أن يراق دم امرئ مسلم “.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام