ٱلْآلَةُ كَشَفَتْنَا

ٱلْآلَةُ كَشَفَتْنَا
الجمعة 5 يونيو 2026 - 16:14

ثمة أحداث لا تكشف حقيقتها في ذاتها، بل في الطريقة التي يتفاعل بها الناس معها. وما رافق اعتماد جهاز رصد وسائل الغش الإلكتروني خلال امتحانات البكالوريا هذا الموسم كان واحدًا من تلك الأحداث التي تستحق التأمل. فالنقاش الذي أثير حول الجهاز تجاوز بكثير حدود الأداة التقنية نفسها، وفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بعلاقتنا بالنزاهة والاستحقاق داخل المدرسة المغربية.

في الأصل، لم يكن الجهاز سوى وسيلة تقنية الغاية منها الحد من استعمال الهواتف والأجهزة الإلكترونية داخل فضاءات الامتحان. ويمكن، بطبيعة الحال، أن تختلف الآراء حول طريقة اعتماده أو حول فعاليته أو حول بعض الصعوبات التي قد ترافق استعماله. فهذا نقاش مشروع وطبيعي في أي إصلاح أو إجراء جديد. غير أن اللافت في جزء من ردود الفعل هو أنها لم تتوقف عند مناقشة الأداة أو تقييمها، بل بدت وكأنها تنزعج من مجرد وجود محاولة لتضييق الخناق على الغش.

وهنا تبرز الإشكالية الحقيقية.

لقد أصبح الغش، في نظر فئات من المجتمع، ظاهرة مألوفة إلى درجة أن أي محاولة لمواجهته تُقابل أحيانًا بالريبة أو السخرية أو الرفض. وكأن المشكل ليس في السلوك ذاته، بل في الوسيلة التي تسعى إلى الحد منه. وهذا التحول في النظرة إلى الغش يطرح تساؤلات مقلقة حول موقع قيم الاجتهاد والاستحقاق في وعينا الجماعي.

فالمدرسة لا تعتبر فقط فضاء لاجتياز الاختبارات والحصول على الشهادات، بل أيضًا مؤسسة تُفترض فيها تربية الأجيال على قيم المسؤولية والصدق وتكافؤ الفرص. وعندما يشعر التلميذ المجتهد أن مجهوده يُوضع في الكفة نفسها مع وسائل التحايل المختلفة، فإن الرسالة التي تصله تكون بالغة السلبية. ذلك أن العدالة التربوية لا تتحقق بمنح الجميع فرصة الامتحان، بل بضمان أن تكون المنافسة قائمة على الجهد والمعرفة لا على القدرة على الالتفاف على القواعد.

ومن المؤسف أن بعض الأصوات التي انتقدت هذه الخطوة صدرت من أشخاص ينتمون إلى الحقل التربوي أو يدورون في فلكه. فبدل أن ينصب النقاش على كيفية تطوير الإجراءات وتحسين شروط تطبيقها وضمان احترام حقوق الجميع، انجرف أحيانًا نحو خطاب شعبوي يكتفي بمسايرة المزاج العام أو البحث عن التفاعل السريع. وفي خضم هذا الضجيج، غاب الحديث عن التلميذ الذي أمضى شهورًا من التحصيل والمراجعة، ودخل قاعة الامتحان مسلحًا فقط بما تعلمه واجتهد فيه.

وليس المقصود هنا الادعاء بأن الجهاز يمثل الحل السحري لمعضلة الغش، أو أن التجربة كانت خالية من النقائص. فكل إجراء جديد يحتاج إلى تقييم ومراجعة وتصحيح عند الضرورة. كما أن محاربة الغش لا يمكن أن تعتمد على الأدوات التقنية وحدها، بل تتطلب عملًا تربويًا وثقافيًا طويل النفس يُرسخ لدى المتعلمين قناعة بأن النجاح الحقيقي لا يُبنى على التحايل.

لكن من المهم أيضًا ألا نخلط بين نقد الوسيلة والدفاع الضمني عن الظاهرة التي جاءت لمعالجتها. فهناك فرق كبير بين من يسأل: كيف نجعل هذا الإجراء أكثر نجاعة وعدالة؟ وبين من ينشغل أساسًا بإفراغه من مضمونه أو التشكيك في جدوى أي محاولة للحد من الغش.

إن التجارب التعليمية الناجحة عبر العالم لم تصل إلى ما وصلت إليه فقط بفضل القوانين أو التقنيات، بل لأنها نجحت في جعل النزاهة قيمة مجتمعية مشتركة. وعندما يصبح احترام قواعد الامتحان جزءًا من الثقافة العامة، تقل الحاجة إلى وسائل المراقبة الصارمة. أما عندما تتسع دائرة التساهل مع الغش أو التبرير له، فإن المؤسسات تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن أدوات إضافية لحماية مبدأ تكافؤ الفرص.

لذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على الجهاز في حد ذاته، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى السؤال الأهم: أي مدرسة نريد؟ هل نريد مدرسة تُكافئ الجهد والاستحقاق، أم مدرسة يصبح فيها التفوق رهينًا بمهارة التحايل والالتفاف على القواعد؟

لقد أظهر الجدل الذي رافق هذه التجربة أن معركة النزاهة التعليمية ما تزال طويلة، وأنها ليست معركة تقنية بقدر ما هي معركة وعي وقيم. فالأجهزة يمكن تطويرها أو استبدالها أو الاستغناء عنها يومًا ما، أما ترسيخ ثقافة الاستحقاق فهو الرهان الحقيقي الذي لا غنى عنه.

ربما لم يكن أهم ما كشفه الجهاز هو وجود هواتف أو وسائل إلكترونية داخل فضاءات الامتحان، بل ما كشفه من مواقف ومواقف مضادة تجاه فكرة محاربة الغش نفسها. ولذلك يمكن القول إن الجهاز لم يكشف عيبًا فينا بقدر ما كشفنا نحن، من خلال ردود أفعالنا، حجم التحدي الذي ما زال ينتظرنا في بناء مدرسة يكون فيها النجاح ثمرة جهد، لا نتيجة طريق مختصر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الأربعاء 10 يونيو 2026 - 08:47

    “Don’t tie your shoes in a melon patch, and don’t adjust your hat under a plum tree”
    “لا تربط حذاءك في حقل بطيخ، ولا تعدل قبعتك تحت شجرة برقوق ”
    Old Chinese Proverb

    (إذا انحنيت لربط حذائك في حقل البطيخ، قد يظن الناس أنك تسرق بطيخة.)
    ( إذا رفعت يدك لتعديل قبعتك تحت شجرة البرقوق، قد يظن الناس أنك تسرق برقوقًا.)
    (الحكمة تكمن في تجنب أي شيء قد يضر سمعتك)

    “ليس العيب أن يخطئ الإنسان، بل العيب أن يدافع عن خطئه وكأنه فضيلة.”

    أخي أحمد،
    أقرأ مقالك فأشعر أنك تلمس جرحًا عميقًا في ثقافتنا التعليمية. نعم، الآلة كشفتنا، لكن هل تساءلت لماذا؟ لأننا ربما لم نعد نؤمن بأن الامتحان اختبار للمعرفة، بل أصبح مجرد عائق يجب تخطيه بأي ثمن. أنا أرى أن الحل لا يبدأ من قاعة الامتحان، بل من الفصل الدراسي نفسه، حيث يجب أن نعلّم التلميذ منذ اليوم الأول أن قيمته ليست في الشهادة التي يحملها، بل في المعرفة والأخلاق التي يبني بها مستقبله. ثقافة الغش لن تموت بالأجهزة وحدها، بل بتربية جيل يعتز بجهده الخاص.

    “الغشاش لا يخون الامتحان فقط، بل يخون سنوات عمره التي كان يمكن أن يتعلم فيها شيئًا حقيقيًا.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 2

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 6

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 5

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق