ورقة بحثية تقارب تحوّلات علاقة الولاة برؤساء الجهات بعد "دستور 2011"

ورقة بحثية تقارب تحوّلات علاقة الولاة برؤساء الجهات بعد "دستور 2011"
صورة: و.م.ع
السبت 11 يونيو 2022 - 11:00

ورقةُ سياسات جديدة تبحث في تحولات علاقة الولاة برؤساء الجهات بعد عام 2011، الذي شكّل انعطافة دستورية حاسمة في مسار التطوُّر التاريخي للدساتير بالمملكة، ليشهَد بَعدَهُ التدبير الجهوي بالمغرب قفزة نوعية ارتقتْ بموقع الجهات في التنظيم الترابي باعتبارها هيئات لامركزية تتبوأ دوراً قياديا في تحفيز الاستثمار وتنشيط التنمية الجهوية، في حين تم تمتيعها بـ”آليات جديدة تتساوق مع الرهانات المتوخاة من مشروع الجهوية المتقدمة”.

وسَجّلت الورقة البحثية التي أنجزها عبد الرفيع زعنون، الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، ونشرَها المعهد المغربي لتحليل السياسات (MIPA)، تحت عنوان “تدبيرٌ جهوي برأسَيْن: تحولات العلاقة بين الولاة ورؤساء الجهات بعد 2011″، أن الدستور المغربي أفرز “توسيع مجالات تدخُّل ولاة الجهات، مع مَنحهم سلطات تقريرية واسعة تجعلهم يستأثرون بالقرار الجهوي”، الأمر الذي قد يشكل، حسب مؤلِّفِ الورقة، “منفذًا لتكريس تدبير جهوي تقنوقراطي مَنزوع “الدَّسم السياسي””.

وأضافت الورقة في مقدّمتها أنه، “وللوهلة الأولى، يَظهَر أن منح الوالي سلطات واسعة وآليات غير مُقيَّدة هو عامل مساعد في تنسيق السياسات العمومية الترابية، إلّا أن نظرة معمَّقة تبرز أن الدور التدخُلي للولاة له أيضا آثار سلبية على التدبير الجهوي، لاسِيَما على مسار الديمقراطية الترابية، من خلال النزع العملي لصلاحيات المؤسسات المنتخبة وإفراغها من وظائفها”.

ورصد زعنون، ضمن الورقة ذاتها، أن تعدُّد السلطات التي يتمتع بها الولاة له تداعيات على مسار الحكامة الترابية، في ظل محدودية إعمال متطلبات التشارُك والشفافية في تدبير الشؤون الجهوية، لافتاً الانتباه إلى أن “ضُعف الانضباط لمقومات الحكامة الجيدة كان له تأثير سلبي على مؤشرات التنمية المندمجة، نتاج عوامل شتى، لعل أبرزها تكريس ازدواجية البرامج بين الولاية والجهة داخل الحيز الترابي نفسه”.

ويَرجع تنامي المكانة التنفيذية لـوُلاة الجهات، حسب الباحث الذي صدرت له دراسة مقارنة عن “تدبير التنمية الترابية بالمغرب”، إلى عوامل تشريعية وعَملية “سمحت بإعادة إنتاج النزعة المركزية على الصعيد الترابي وبتحوّل الولاة إلى حُكّام محليين “أوصياء” على رؤساء المجالس الجهوية”، وفق الورقة، التي خلُصت إلى أن “تحقيق التوازن بين سلطات الولاة ورؤساء الجهات لا يحتاج فقط إلى تدقيق الصلاحيات، بل يتوقف، كذلك، على توفير شروط سياسية وتدبيرية تعيد التوازن بين المؤسستيْن وترسم مُمكنات التكامل بينهما في قيادة التنمية الجهوية”.

وتوقّف كاتب الورقة البحثية عند تحليل الجذور والمسارات التي سَلكتها “ازدواجية التدبير الجهوي بالمغرب”، مورداً في هذا السياق قوانين وظهائر أطّرت عمل مجالس الجهات منذ ظهير يونيو 1971، وصولاً إلى الميثاق الوطني للاتمركز الإداري الصادر عام 2018، مروراً بمشروع الجهوية المتقدمة كـ”مرجعية مُلهِمة لبلورة صيغة مغربية للتنظيم الجهوي”، دون إغفال القانون التنظيمي للجهات عام 2015.

وعلى ضوء الممارسة العملية، أبرز زعنون أن “موازين القوى تميل لصالح الولاة، بفعل امتلاكهم أدوات تدخل استثنائية تجعلهم يحتكرون تدبير معظم الشؤون الجهوية؛ وبفضل تركيز عدة سلطات بين أيديهم، كالتمثيل والتنسيق والمراقبة، علاوة على اكتسابهم خبرات استثنائية تمكنهم من لعب أدوار مهيمنة”، مفسراً ذلك بكون التحسن التدريجي في قدرات وكفاءات رؤساء المجالس الجهوية لم يسمح لهم بأن تكون خبرتهم تُجاري تلك التي يمتلكها الولاة، في ظل مسار اعتبره الباحث ما فتئ “يتعزز في ظل هيمنة المعايير “التكنوقراطية” في اختيار الولاة والعمال”.

وخَلُص تحليل الباحث إلى تِعداد العديد من السلطات التي يُراكِمُها الولاة ضمن اختصاصاتهم القانونية، من سلطة تمثيل رمزية “تجعلهم عملياً ممثلين للملك بالتراب الجهوي”، ثم سلطة الولوج بشكل سريع ودائم إلى مواقع اتخاذ القرار، بما يمكّنهم من تعبئة الموارد وعقد الشراكات المطلوبة لإنجاز المشاريع، ما يمنحهم “قوة اعتبارية في مواجهة باقي الفاعلين الترابيين”، فضلا عن سلطة مساعدة الولاة لمجالس الجهات في وضع وتتبع وتقييم مشاريع التنمية الجهوية والسياسات الترابية.

وكان من أبرز خلاصات الباحث أن الممارسات التي تلَتْ تفعيل مشروع الجهوية المتقدمة “لم تُفلح في تجسيد صدارة الجهة، التي لم تتحول بعد إلى بنية وسيطة بين الدولة وباقي الجماعات، ولم تمارس بعد دورها كرائد للتنمية ضمن حيزها الترابي”، مؤكدة في المقابل أن السلطة التنسيقية للولاة أصبحت أكثر رسوخاً بفضل الآليات والبنيات المتاحة أمامهم، إلى الحد الذي يتحول فيه بعض الولاة إلى ما يشبه “رؤساء حكومات جهوية”، وخاصة في المجالات ذات الأولوية كالاستثمار والتعمير والسكن والتنمية الاجتماعية والتأهيل الحضري؛ وهو ما يعني في منظور زعنون أن “السلطة المركزية تستعيد عبر صدارة الجهة أهم الاختصاصات المخولة للجماعات الترابية المتعلقة بقيادة التنمية على الصعيد الترابي”.

وختم زعنون تحليله بالقول إن الحصيلة الأولية لتنزيل ورش الجهوية المتقدمة تُؤشّر على دور ريادي للولاة في تنشيط التنمية الجهوية، مقابل خفوت الدور التدبيري لرؤساء المجالس الجهوية، وهي مفارقة بحسب الباحث “يمكن تقبُّلها على اعتبار فترة 2015-2021 تتعلق بولاية “تأسيسية” خُصِّصت لوضع الأطر التشريعية والتنظيمية، مستدركاً بأنه “من زاوية الرهان السياسي، فالمؤشرات الأولية للولاية الثانية للجهوية المتقدمة 2021-2027 توحي بتعميق التدبير الموازي (ِcogestion)، في ظل استحواذ الولاة على مفاصل القرار الجهوي”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

15
  • مٌـــــواطن مَغربــــــي
    السبت 11 يونيو 2022 - 11:19

    منصب رئيس الجهة وما بتطلبه من نواب ومساعدين وموظفين وبنابات وادارات ووسائل نقل وأجر سمينة. جاء فقط لينخر خزينة الدولة َ..

  • adam
    السبت 11 يونيو 2022 - 11:22

    المواظن لم يتجسس هدا التقدم الدستوري والقانوني بل أثبتت القرارات .. أن الحكومة هي من تشرع القرارات والبرلمان بغرفتيه هو من ينفذ من خلال تصفيقه على الأغلبية المحكومة.. أما الولاة ومعهامجالس الجهات والعمالات فهي في سبات عميق تستفيد من الريع وتتفرج على هشاشة الرعاع من أبناء هدا الوطن وجشع المضاربين في أسواق المحروقات والعقار والمواد الغدائية…. الخلاصة أننا أمام دستور متقدم ولكن في دولة فيودالية ينخرها الأفطاع وهيمنة الأسياد

  • HASSAN
    السبت 11 يونيو 2022 - 11:31

    إذا كانت جل السلط والاختصاصات بيد الولاة فما الجدوى من رؤساء المجالس والمستشارين وما اكثرهم ؟

  • مغريبي
    السبت 11 يونيو 2022 - 11:32

    تحليل في المستوى.هيمنة المركزية الممثلة في القواد الباشوات العمال الولاة على التمثيليات سواءا سياسية أو غيرها.وتبقى الامركزية او الجهوية المتقدمة مجرد وعاء دعاءي فارغ.وأفضل مثال واقعي أن رءيس جماعة لا يستطيع شراء مصباح بدون تأشير خليفة أو قايد

  • jmili jmili
    السبت 11 يونيو 2022 - 12:05

    كثيرا ما تكون اختلافات بين الوالي ورئيس الجهة فتبقى السكينة هي الضحية الأولى وتبقى الجهة مهمشة فلا مناصب شغل ولا بنيات تحتية محاربة للعصر ولا ولا ولا وهذا واقع مر نحس به في جهة درعة تافيلالت ارجوا العمل على إعطاء الأولوية لهذه الجهة التي عانت وتعاني في صمت كل مرارة الحيف والحكرة والتهميش وأرجوا أن لا يكون هذا العمل مقصودا الله المستعان

  • omar
    السبت 11 يونيو 2022 - 12:11

    مجالس الجهات و العمالات و الأقاليم و المكاتب و الصنادييق ما هي إلا إقطعيات مثلإإقطاعيات القرون الوسطى حاليا يتم إختلاقها و توزع على المنعم عليهم و على من يريدون إسكاته عن الكلام الكبير و على السياسيين. كل هذه المجالس يتلقى أصحابها الأوامر لينفذوها و إلا لن يبقون في كراسيهم. هذه هي العلاقة بين السلطة و أصحاب المجالس.

  • ممارس
    السبت 11 يونيو 2022 - 12:20

    الذين يعتقدون أن الولاة والعمال او رجال الداخلية هم من يتحكمون في زمام الأمور لم يفهمو بعد الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها المنتخبون بمجلس الجهات، المجالس الإقليمية والجماعات.
    آليات الاشتغال يحددها الدستور والقوانين التنظيمية التي انتجها منتخبو الأمة على مستوى البرلمان تعطي كامل الصلاحية للمنتخب. المنتخبون يجب أن يشتغلو ويكفو عن اتهام الداخلية ويعلقو عليها فشلهم في كل مرة.

  • تايكة غرماد
    السبت 11 يونيو 2022 - 12:22

    مع الاسف مع التراجع في المسار الديمقراطي وعودة تحكم الداخلية في كل شيء صار منصب رئيس الجهة منصب بروتوكولي ريعي يستهلك يجازي الموالين من الاحزاب بمناصب لمرافقة خادم الدولة الوالي الذي يعد المؤسسة الوحيدة التي تحكم وتتحكم في المناطق !!
    في الواقع ليس هناك دور سياسي واداري لمجالس الجهات يتمتعون فقط بالامتيازات من اموال الشعب مقابل خدمة المنظومة المتحكمة !!

  • abdou
    السبت 11 يونيو 2022 - 12:57

    كل مسؤول مسؤول سواء سياسي أو تقنقراط يمثل صاحب الجلالة . في حين المحاسبة تقتضي محاسبة النسؤول المباشر ! هنا لماذا يحاسب رئيس الجماعة أو الجهة بدل الوالي او العامل ؟ الحبر على الورق شيء و الواقع المعاش شيء مناقض و ٱستوى داخل الزجاجة . هل يخرج من العنق ؟ كيف ؟ مستحيل ! يا تقنوقراط يا سياسي يا ياسي . و ما شأن التدبير بالأزمة ؟ الأزمة تبقى أزمة ، بينما التدبير يقتضي خفض حدة الأزمة ! لكن الذدي حصل أزمة أزمة و التدبير غير معني بالتكليف ؟ هل هذه مسؤولية أخلاقية ؟.

  • amazigh
    السبت 11 يونيو 2022 - 13:20

    التغير فقط في المقال والخطب اما الوقع نفس الفساد ونفس الوجوه التعيسة البالية فقط يتم تغيرها من جهة لاخرى ومن منصب لاخر في غياب شبه كامل لمصلحة الوطن والمواطن الذي يرى ثروات وطنه والضرائب التي يقدمها تمنح على شكل رواتب سمينة واكراميات لفاسدين مرتشين

  • عبد الرحيم
    السبت 11 يونيو 2022 - 17:18

    تعليق ودراسة في محلها شكراً هسبريس نأمل أن المرحلة المقبلة تكون الأمور أحسن .

  • المخزن
    السبت 11 يونيو 2022 - 19:26

    المخزن هو الكل وما ادراك المخزن فلا ولاة ولا رؤسا الجهات فهو بي قمقوم لا يعرقة احد يسير البلاد بقبضة من حديد اما ذوي البدلات فهم كراكيز يمتثلون لاوامره.

  • حمورابي
    السبت 11 يونيو 2022 - 21:10

    ان الديمقراطية المحلية او الجهوية تتطلب نضج النخبة السياسية المحلية والجهوية حتى تمكن الدولة ان ترفع وصايتها على المجالس المنتخبة . لكن الاسف ان نخبنا السياسية بمختلف اطيافها تغرق في الفساد و المحاباة السياسية والعائلية لذلك الدولة لا تترك العبث القوانين والانظمة التي تسنها وتترك صلاحيات واسعة لذا ممثلها الوالي او العامل حتى لاتكون انزلاقات في تسيير الشأن المحلي او الجهوي. ولكم عديد من امثلة في رؤساء الذين يتحاكمون بفعل تبذير المال العام و اختلاسات كبيرة وتجارة في الاملاك العامة وعبث بمصلحة المواطن والتي تنعكس على الدولة أمنيا واجتماعيا و اقتصاديا.

  • Gm
    السبت 11 يونيو 2022 - 23:20

    Dessus de ces commentaires ,que des neillistes on dirait qu’on est dans un État du non droit . Les choses ne sont pas aussi simples .Soyez raisonnables et faites confiance à nos responsables. Avec vos découragement vous chassez les élites et vous ne donnez aucun espoir aux jeunes

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 3

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء