في مشروعية تسجيل محتوى المحادثات الهاتفية؟

في مشروعية تسجيل محتوى المحادثات الهاتفية؟
الثلاثاء 22 نونبر 2022 - 08:51

مقدمة:

كثر في الآونة الأخيرة السجال حول مشروعية تسجيل محتوى المحادثات الهاتفية التي تجري بين الأفراد خاصة من قبل أحد طرفي المحادثة.

انطلاقا من ذلك نطرح السؤال التالي: هل يجوز تسجيل محتوى المحادثات الهاتفية من قبل أحد طرفيها؟

من أجل الإجابة على هذا السؤال يجب التمييز بين (تسجيل) المحادثة الهاتفية من قبل أحد طرفيها وبين حالات المساس الأخرى بمحتوى المحادثة الهاتفية (التصنت + المراقبة) ما دام أن لكل فعل نظام قانوني خاص به.

أولا: التنصت على المحادثة الهاتفية أو مراقبتها

سنتحدث عن التأطير القانوني لفعل المساس بسرية محتوى المحادثة الهاتفية من قبل طرف ثالث (التصنت) أو من قبل السلطات القضائية (المراقبة).

أ- (التصنت) على المحادثة الهاتفية من قبل الغير

نتحدث عن (التصنت) عندما يتعلق الأمر بمحادثة هاتفية تتم بين طرفين، فيقوم طرف ثالث بالتنصت عليها وذلك باستعمال جهاز من الأجهزة.

هذا الفعل مجرم في جميع الأحوال بموجب المادة 1-447 من القانون الجنائي باعتباره اعتداء على حرمة الحياة الخاصة لطرفي المحادثة.

حيث تنص الفقرة الأولى من هذه المادة أنه: “يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم كل من قام عمدا، وبأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، بالتقاط أو تسجيل (…) أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص أو سري، دون موافقة أصحابها.

نلاحظ أن المشرع المغربي لم يتعرض إلى موضوع المكالمات الهاتفية بشكل مباشر، وإن اعتبر بعض الفقه أن هذا النوع من المحادثات يدخل في نطاق “الأقوال والمعلومات” التي تحدث عنها النص.

ب- (مراقبة) المحادثة الهاتفية من قبل السلطات القضائية

نتحدث عن (مراقبة) المحادثة الهاتفية عندما تقوم السلطات القضائية في إطار البحث في الجرائم وضع المشتبه فيه تحت المراقبة.

فهناك حالات يسمح فيها القانون (قانون المسطرة الجنائية) بإجراء مراقبة للمحادثات الهاتفية التي تجري بين الأفراد.

غير أن ذلك يبقى مرهونا بصدور إذن مسبب من الهيئة القضائية المختصة بالمراقبة.

نشير إلى أن إمكانية وضع المحادثات الهاتفية تحت المراقبة مخولة بموجب المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية لقاضي التحقيق أو للوكيل العام للملك.

وقد حدد القانون مدة وشكليات هذا الإجراء الاستثنائي بكل دقة وأحاطه بقيود صارمة تكفل حماية الحياة الخاصة للأفراد.

ثانيا: (تسجيل) المحادثة الهاتفية

نتحدث عن (تسجيل) المحادثة الهاتفية عندما يتعلق الأمر بمحادثة هاتفية تتم بين طرفين، فيقوم أحد الطرفين بتسجيل محتوى المحادثة.

في هذا الفرض يتعين التمييز بين حالتين: الحالة التي لا يجوز فيها بالمرة تسجيل محتوى المحادثة والحالة التي يجوز فيها بشروط القيام بذلك.

أ- الحالة الأولى: لا يجوز بالمرة تسجيل محتوى المحادثة الهاتفية

تسجيل المحادثة الهاتفية من قبل أحد طرفيها يعتبر مجرما من الناحية المبدئية بنفس المادة 1-447 التي تحدثنا عنها أعلاه، لأنه يعتبر اعتداء على حق الطرف الآخر في حياته الخاصة.

ب- الحالة الثانية: يجوز بشروط تسجيل محتوى المحادثة الهاتفية

يعتبر تسجيل المحادثة الهاتفية من قبل أحد طرفيها غير مجرم إذا تم ذلك من قبل الطرف المجني عليه من أجل تقديمه كدليل لإثبات جريمة (سب / قذف / ابتزاز / تهديد / …) تعرض لها من قبل الطرف الآخر.

غير أنه لا يعد هذا التسجيل مشروعا إلا إذا تعلق الأمر بجريمة حسب مفهوم القانون، وأن تكون هذه الوسيلة هي الوسيلة الوحيدة أمام المجني عليه لإثبات الجريمة التي تعرض لها.

هذا يعني أنه في هذه الحالة لا يتم تكييف هذا الفعل (تسجيل المحادثة الهاتفية من قبل أحد طرفيها) على أنه اعتداء على حرمة الحياة الخاصة، بل على أنه ضبط لدليل إدانة في جريمة تم ارتكابها.

لا بد من ملاحظة أن القضاء المغربي والمقارن اختلف في الأخذ بهكذا دليل، الأمر الذي ينتج عنه لا محالة انعدام الأمن القانوني.

خاتمة:

أقرت التشريعات المقارنة حماية جنائية (على مستوى القانون الجنائي) للمحادثات الهاتفية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الحياة الخاصة للأفراد.

التشريعات نفسها، أقرت كذلك حماية مسطرية (على مستوى قانون المسطرة الجنائية) للمحادثات الهاتفية في حالة وضع هاتف أحد المشتبه فيهم تحت المراقبة القضائية.

كما أعطت أخيرا ضمن نطاق ضيق للمجني عليه الحق في تسجيل محتوى المحادثات الهاتفية من أجل تقديمه كدليل إثبات.

نخلص إلى أنه في التشريع المغربي هناك حالات لا يجوز فيها بتاتا تسجيل المحادثات الهاتفية (المادة 447-1 من القانون الجنائي) وهناك حالات لا بد فيها من الحصول على إذن قضائي من أجل تسجيلها (المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية).

غير أن المشرع المغربي لم يتطرق (فراغ تشريعي) للحالات التي يمكن فيها تسجيل المحادثات الهاتفية من قبل أحد طرفي المحادثة دونما حاجة إلى الحصول على إذن قضائي من أجل تقديمها كدليل إثبات جريمة تعرض لها.

بمعنى آخر، إذا كان المشرع المغربي قد عالج حالات التصنت وحالات المراقبة، فإنه لم يتطرق إلى حالات تسجيل المحادثات الهاتفية من قبل أحد طرفي المحادثة من أجل إثبات جريمة تعرض لها .

لهذا السبب ندعوه إلى تجاوز هذا القصور التشريعي والتنصيص في القانون الجنائي تحت التعديل على حق المجني عليه في تسجيل محتوى المحادثة الهاتفية التي أجراها مع الجاني من أجل استعمالها كدليل إثبات.

ويعود ذلك في نظرنا إلى أولوية مبدأ ضبط أدلة إثبات الجرائم على مبدأ حماية الحياة الخاصة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان