شباب الوطنية... والمواطَنَة أيضا!

شباب الوطنية... والمواطَنَة أيضا!
السبت 10 دجنبر 2022 - 10:48

تصادف وقتُ سفري وموعدَ المقابلة بين المغرب وبلجيكا في منافسات كأس العالم 2022. وفي الطريق الى مطار الناظور – العروي عَبَرنا أربع مراكز قروية ومدن صغيرة، لولا المقاهي التي تجمع الناس داخلها وحولها جلوسا وقياما لحسبها العابر مهجورة أو كالمهجورة. فقد توقفت فيها حركة الحياة وغُلِّقت الأبواب وخفتت الأصوات إلا ما يُسمَع من حين إلى آخر من صراخ جماعي مصدَرُه حناجرُ المشجعين للفريق الوطني…

أثناء الطريق كان سائق التاكسي يتوقف في المراكز ليستجلي أخبار المقابلة من رواد المقاهي. وقبل الوصول أخبرتنا ملامح الفرح والحبور التي بدت على وجوه الخارجين من أحد المقاهي بالمركز القروي الأخير على الطريق الى المطار بنتيجة المباراة: لقد فاز الفريق الوطني…

ثم كانت المباراة الثانية وفاز الفريق الوطني ثانية… كنت عندئذ في المَهْجر، فَرُحْتُ أستقصي ردود فعل أهل الريف، وشبابه خاصة، على هذا الفوز فيما وثَّقَتْه قناة يوتيوب والجرائد الالكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي، فلم أجدْ شيئا يتفرد به أهل الريف وشبابه عن غيرهم من المواطنين المغاربة: فرح عارم تَصِفُه العناوين بالهستيري استبد بالجميع شيبا وشبابا، نساء ورجالا؛ ضجَّتْ بهم الشوارع والساحات، وقد بُحَّتِ منهم الحناجر، وضاقت بهم اللغة فاستعاضوا عنها بالأصوات والحركات والأحوال…

وأنا أستعرض تلك المشاهد المعبرة عن وطنية صادقة، غير مشروطة: وطنية مطلقة لا تقيدها الظروف ولا تحدها الأحوال، عادت بي الذاكرة إلى مَشاهد الحَراك الاجتماعي الذي أُطلق عليه “حراك الريف” (وسميته في مقال لي سابق “الحراك المواطن”): الأرض هي الأرض، الشوارع هي الشوارع، الساحات هي الساحات، الشباب هم الشباب، والأصوات هي الأصوات؛ إذْ لم يمضِ عن “الحراك” سوى خمس سنين… غير أن الفرق هو أن هذه الأصوات كانت تصدح بفضح الفساد والاستبداد، وتنادي بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية: مشاهد “الحراك” كانت ترجمة لمبدإ المواطَنة؛ ومشاهد الفرح بفوز الفريق الوطني ترجمة لمبدإ الوطنية…

لكن تعامل الدولة مع “الحراك المواطن” مختلف عن تعاملها مع “الحراك الوطني”! فبينما تفتح للأخير كل أبواب التعبير ميدانيا وإعلاميا، عمَدَتْ إلى قمع الأول وتخوين منظميه (بمعنى: التنظيم، الذي هو ضد الفوضى، وليس بمعنى التحريض)، ورميِهم بتهم الانفصالية والتآمر، وإلقائهم في غياهب السجون بأحكام تساوي ثلث أعمارهم المفترضة، وتشريد آخرين في المنافي بعيدا عم أرضهم وأهلهم الذين منهم من يتوفاه الموت دون أن يلقي نظرته الأخيرة على ابنه أو بنته، ودون أن يستطيع هذان مرافقة من كانوا سبب وجودهم في اللحظات الأخيرة من الحياة…

فهل يجوز التعبير عن الوطنية ويَحْرُمُ التعبير عن المواطَنَة؟! إن الشباب الذي احتج وتظاهر مطالبا بالإصلاح هو ذات الشباب الذي خرج الى الشوارع والساحات تعبيرا عن الفرح بالانتماء الى الوطن الفائز! أم أن الوطنية حلال والمواطَنَة حرام؟!

إن الذين تظاهروا خلال الحراك المواطن لم يكن عددهم محصورا في عدد من هم في السجن أو المنفى! فهؤلاء عددهم محدود، بينما كان عدد المتظاهرين آلافا مؤلفة. فمن أين أتى “المنظمون” بكل هذه الآلاف؟ الجواب: إن هؤلاء الذين مارسوا حقهم في المواطنة بالأمس هم أنفسهم الذين يعبرون اليوم عن فرحهم بالانتماء الى الوطن من خلال الفرح بفوز فريقه! فلا تناقضَ ولا تضادَّ بين الحدين: حد المواطنة وحد الوطنية، وإنما تناغم وتكامل.

فهل تراجع الدولة عقيدتها الأمنية التي جعلتها ترى في مواطنيها مصدر خطر وتوجس؟ وأولى المراجعات إطلاق سراح المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية، والسماح لمن فر منهم الى الخارج خوفا على نفسه من الاعتقال بالعودة الى البلاد.

فمهما كانت الإنجازات والمكتسبات التي تحققها البلاد رسميا أو شعبيا، وأيّا كانت المشاريع والاستثمارات… سيظل المغرب تلك الدولة التي يُشار اليها بالبنان كلما تعلق الأمر بالأوضاع الحقوقية فيها. مما يتأذّى منه كل مواطن وطني لا يرضى أن تُخْدَشَ صورة بلاده في المحافل الدولية، وفي أعين المنظمات الحقوقية والاعلام الدولي النافذ…

إن الخطأ الذي قد ترتكبه الدولة هو أن تعتبر تعبير المواطنين المغاربة عن وطنيتهم بمناسبة النتائج الإيجابية التي يحققها الفريق الوطني في منافسات كأس العالم تراجعا أو تخليا عن ممارسة حقهم في المواطَنَة الإيجابية.

أن قوة الدولة من قوة المجتمع؛ وإن إضعاف الدولة للمجتع إضعاف لذاتها. وإن الشعوب تعرف أن تميز بين الدول والأوطان عندما تعاكس الدول طموحات شعوبها في التقدم والإصلاح.

فَلْنُحَصِّنْ مكاسبنا في مجالات الأمن والاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية النسبية والاختراقات الجيوسياسية… بإجراءات جِرِّيئة لن تخسر بها الدولة شيئا، بينما ستجني منها ربحا لا يُقَدَّرُ بثمن: ولاء المواطن لدولته.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Hassan
    السبت 10 دجنبر 2022 - 21:29

    السبيل لربط الوطنية بالمواطنة هي الديموقراطية . و بدونها تصبح الوطنية نزوة عابرة لا سلوك نحياه . شكرا للكاتب . انحيازي لراي الكاتب ليس من باب القبلية ولا النظرة السوداوية و لكن حبا في الوطن و تحية للمواطنة .

  • عاش علم المغرب والمغاربة الشرفاء
    الأحد 11 دجنبر 2022 - 21:30

    عنوان الموضوع يتكلم على الوطن والمواطنة

    وفي طيه يتكلم عن العرقية العنصرية القبلية

    الوطن والمواطنة الحقة هي انا مغربي فقط عوني عبدي غربي شمالي مزابي سمعلي جبلي صحراوي وجدي ومن اي شبر من المغرب العزيز
    المواطنة الحقة من طنجة إلى الكويرة لا يوجد فوق هذه الارض الطاهرة إلا مغربي وطن دين شعب شعار هوية علم واحد دون أي نزعة عرقية قبلية عنصرية شعوبية كانت
    عاش المغاربة الشرفاء
    ولا عزاء للخونة و الحساد
    الى الامام يا مغرب 12 قرنا من الانجازات والعمل
    اللهم بارك اللهم بارك

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''