كتيبة الشفافية أمام القضاء

كتيبة الشفافية أمام القضاء
الإثنين 21 يناير 2013 - 15:51

محمد رضى وعبد المجيد ألوزير ومحمد عاشق، ثلاثة مهندسين وكوادر عليا يدفعون اليوم ثمنا باهظا لغياب الشفافية والحكامة في وزارة المالية، ولغياب دولة الحق والقانون في المملكة، لكن المحنة التي نزلت فوق رؤوسهم، بسبب نشر جريدة «أخبار اليوم» لوثائق «بريمات» مزوار وبنسودة، لم تكن بلا نتيجة إيجابية.. وإليكم القصة…

في شهر يونيو من السنة الماضية، حصلت «أخبار اليوم» على ثلاثة قرارات صادرة عن وزير المالية السابق، صلاح الدين مزوار، وعن الخازن العام للمملكة، نور الدين بنسودة. فحوى القرارات الموقعة باسميهما وصفتيهما، والتي كانت موضوعة في «مكان مظلم»، تنص على استفادة مزوار من «بريم» غير قانوني قيمته 80 ألف درهم في الشهر، خارج راتبه وتعويضاته المنصوص عليها حصريا في الظهير، وفي المقابل، منح مزوار بنسودة «بريما» يصل إلى 100 ألف درهم كل شهر. تأكدنا من صحة الوثائق، وطلبنا تعليق المعنيين، لكنهما فضلا الصمت وعدم التعليق على الوثائق…

لكن صمت بنسودة لم يطل كثيرا، حيث فتح تحقيقا غير قانوني لمعرفة من سرب الوثيقة إلى الصحافة، فيما بقي وزيرا المالية، بركة والأزمي، يراقبان الوضع من بعيد والمفاجأة تعقد لسانيهما. مزوار امتلك جرأة استثنائية، وعوض أن يعتذر ويرد ما أخذه من أموال دافعي الضرائب، قفز إلى الأمام وقال إن «البريمات الغليظة» التي كان يضعها في جيب سرواله الطويل قانونية، وإن كل وزراء المالية السابقين كانوا يفعلون مثله… أما بنسودة فكان رده قاسيا وماكرا. أولا، تحول إلى وكيل ملك وشرطي قضائي، واستدعى عبد المجيد ألويز، ووجه إليه التهمة، وانتقل معه إلى منزله الخاص (منزل ألويز)، وهناك صادر حاسوبه الشخصي، ثم رفع تقارير خاطئة إلى جهات في السلطة يحذر من «مؤامرة» لإفشاء أسرار الدولة، وأن ما نشر ما هو إلا جزء مما تسرب، أو يمكن أن يتسرب، وكأن الخزينة العامة للمملكة أصبحت مقرا لـ«CIA»، وكل هذا من أجل تحريك المتابعة القضائية ضد أبرياء لم يكن يتحكم فيهم في إدارته…

بركة، الذي كان عليه أن يفتح تحقيقا داخليا حول قانونية «البريمات» القادمة من الصناديق السوداء، فضل أن يطلب الإذن من رئيس الحكومة لمتابعة نائب المدير، عبد المجيد ألويز، خريج المدرسة الوطنية للمهندسين بباريس، وصديقه محمد رضى، خازن الدار البيضاء سابقا وخريج جامعة «هارفرد» في أمريكا… والتهمة هي إفشاء سر مهني. بنكيران، الذي «فرع» آذان المغاربة بمخططات محاربة الفساد، وافق على متابعة عبد المجيد ورضى، ولم يلتفت إلى الدستور الجديد الذي يعطي المواطنين حق الوصول إلى المعلومات، ولا إلى برنامجه الحكومي الذي ينادي بالشفافية والنزاهة. وفعلا، وصل الملف إلى وزارة العدل، ومنها إلى فرقة الخيام التي اعتمدت على مكالمات هاتفية لمحمد رضا مع جريدة «أخبار اليوم»، لتوجيه تهمة المشاركة له مع عبد المجيد في تسريب وثائق سرية.

ومن الفرقة الوطنية خرج الملف إلى القضاء الذي وصل إليه «حارقا»، وفارغا قانونيا وممتلئ سياسيا… اليوم تشرع المحكمة في الاستماع إلى مرافعات الدفاع، وكذا إلى شاهد النفي، محمد عاشق، المهندس خريج مدرسة المناجم في باريس، الذي بمجرد موافقته على الدلاء بشهادته التي تبرأ زميله لويز من التهمة، حتى أقدم بنسودة على نقله تعسفيا من الإدارة المركزية انتقاما منه لأنه يريد أن «ينور» المحكمة بما يعرف عن الحادثة، في الوقت الذي رفض فيه موظفون آخرون تسلم دعوة الحضور إلى المحكمة، بعدما أدلوا بأقوال متناقضة لدى الشرطة القضائية.

الوثائق ليست سرية، وكان المفروض أن تنشر في الجريدة الرسمية، و«البريمات» غير قانونية، وكان المفروض أن تستمع الشرطة إلى أصحابها، كما أمر وزير العدل، لكن «لا أمر لمن لا يطاع».

هذا كله أثار نقاشا غير مسبوق في البرلمان، وهنا مربط الفرس، وهنا عزاء المهندسين الشرفاء الثلاثة… لما جاءت وزارة المالية بمشروع القانون المالي إلى البرلمان، وضع أكثر من برلماني، في الأغلبية والمعارضة، أيديهم على الصناديق السوداء، والحسابات الخصوصية التي كانت «بريمات» مزوار وبنسودة وآخرين تخرج منها، وطالبوا بإدراج أموال هذه الحسابات، وخاصة الأموال المملوكة للخواص، والموضوعة رهن إشارة الدولة، والتي تدر أرباحا كبيرة، ضمن نفقات وموارد الميزانية، أي أنهم طالبوا بكشف المستور واللعب على الواضح…

قاوم وزير المالية الاستقلالي في البداية مقترح مجلس النواب، لكن وأمام إصرار النواب، وافق على إضافة المادة 18 مكرر، التي تسمح بتعرية هذه الحسابات سنة 2015… هنا انكشفت اللعبة. خصوم «الشفافية» لم يستسلموا. لما ذهب مشروع القانون المالي إلى الغرفة الثانية، زرعوا وثيقة غير قانونية تتحدث عن خطأ مادي وقع في المادة 18 مكرر، والغرض كان إفراغ التعديل من محتواه. انفجرت الفضيحة، واضطر وزيرا المالية إلى سحب ورقة الخطأ المادي، وأصبحت الحسابات الخصوصية عارية بلا غطاء.

شكرا للمهندسين الثلاثة الذين سيذكر تاريخ الشفافية أسماءهم وتضحياتهم، أما الصحافة فمازال أمامها طريق مليء بالأشواك والمتاعب والمشاكل، فقط لأنها تعري الوقائع، وتضع المجتمع أمام صورته الحقيقية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • وادي زم
    الإثنين 21 يناير 2013 - 16:16

    هؤلاء الاساتذة شرفاء بالفعل ولكن يجهلون القانون وهوسرية المهنةوكان عليهم ان يستفسروا محاميا عوض اتباع صحفي لا يفقه شيئا في القانون هل من مهام هؤلاء ان يقدموا معلومات للصحافة لقد ورطتهم اسي بوعشرين لو كانوا ينتتمون لحزب معين ربما تصرف القضية عبر القناة الصحيحة وهي البرلمان او القضاء راكم ابطال لو كانت لكم النية الحسنة فالله لن يخذلكم و نتوجه الى الضمائر الحية والشرفاء الى مساندة هؤلاء والاكتفاء بعقوبات من قبيل الانذار او التوبيخ او القهقرى في الترقية اما انت اسي بوعشرين قبل ان تكتب اي شئ استشر القانونيين لان حق الوصول الى المعلومة وليست اي معلومة حتى تنشر فه سار المهنة وليست معلومات حتى تنشر في الجرائد مع العلم انني مراسل صحفي ومدير ثانوية ولا ارضى ان تسرب معلومات من مكتبي ولكني اخاف الله ولن اقوم بائ مخالفة ضد القانون والله الموفق لكل مواطن شريف ويحب مصلحة وطنه وملكه

  • Ingénieur dans la formation
    الإثنين 21 يناير 2013 - 16:47

    شكرا للمهندسين الثلاثة الذين سيذكر تاريخ أسماءهم وتضحياتهم، و اطلب من جميع المهندسين أن يتحلوا بالشجاعة الكافية لكشف المستور و تعرية الوقائع و لان الطريق مليء بالأشواك والمتاعب والمشاكل، عليهم أن يعلموا أن مستقبل المجتمع بيدهم. فبالله الاستعانة. إن التاريخ محطات فعلى من سنحت له الفرصة و اكمنه ذلك أن يستقل القطار الصحيح فليفعل.

  • Yasser
    الإثنين 21 يناير 2013 - 17:53

    الأخ الكريم "واد زم" يقول بأنه لن يرضى بأن تُسَرّب معلومات من مكتبه وهنا أصل الحكاية، كيف يمكن لشخص يخرق القانون أن يوافق على تسريب معلومات عن خروقاته إلى الصحافة؟ .
    مشكلة الإنسان المغربي أنه يريد الديموقراطية والازدهار الثقافي والمعرفي والتكنولوجي..لكن بدون تغيير الممارسات الرديئة والخاطئة التي أنتجت لنا هذا الواقع المتخلف. أي الاحتفاظ بنفس بنية التفكير المتخلفة.

  • SARA
    الإثنين 21 يناير 2013 - 22:13

    وا اسفاه كنا نظن أن الحال سيكون غير الحال معك يا…

  • اللهم إن هذا منكر
    الثلاثاء 22 يناير 2013 - 01:25

    محاسبة الفئران و العظايات (بوبريص) و ترك التماسيح و العفاريت تسرح و تمرح.. يقع كل هذا في دولة الحق و القانون.. زمان واشمن زمان

  • تحية للقلم الصادق
    الثلاثاء 22 يناير 2013 - 03:04

    بداية أشكر الأستاذ الجليل توفيق بوعشرين، على نضاله الدائم في قول كلمة الحق، و أقول جزاكم الله عن هذا الوطن كل الخير، كنا نسمع عن السيد بن كيران عزمه محاربة فساد الكبار، إلا أنه عند ساعة الجد و الحقيقة نتواجه بعفا الله عما سلف، و استوعب دور النيابة العامة في المتابعة و عدم المتابعة فاختار عدم المتابعة، و العجيب في الامر هو أن السيد الرميد الذي كان من الحقوقيين الذين ظلوا ينادون بضرورة تقوية السلطة القضائية واستقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيدية و السياسية، إلا أنه اليوم نجده هو الآخر استسلم للأمر الواقع و لضغط الكبار في الإبقاء على النيابة العامة تحت جلباب الأهواء السياسية و حرص على خروج توصيات الحوار الوطني على هذا النحو… و زد على ذلك العديد من الشواهد…

  • MOHA
    الثلاثاء 22 يناير 2013 - 16:29

    تحية إجلال وتقدير لهؤلاء الشرفاء الذين ضحوا بمناصبهم من أجل فضح مصاصي دماء هذا الوطن من جهة وكشف القناع عن بائعي الوهم الذين وصلوا الى هذه المحكومة من اجل محاربة الفسادمن جهة اخرى..فمعذرة ايها الشرفاء لأننا خذلناكم ولم نقف في صفكم كما خذلنا الكثيرين من الأوفياء مروا من هذا الطريق قبلكم..واكتفينا بالدعاء لهم ولكم.

  • ziad
    الثلاثاء 22 يناير 2013 - 22:16

    لن أصدق أحدا حتى لو كان بنكيران يقول لي أن المغرب والمغاربة
    يقبلون الشفافية والنزاهة ووو,,, لن أصدق أحدا يقول لي أن المغاربة يرغبون
    في بلدالقانون . ولن أصدق أي صحفي حتى لو كان بوعشرين يقول لي أنه
    يدافع عن الحقيقة ولا شيء إلا الحقيقة .لست متشائما بل لي قناعةأن جميع
    المغربة مستضعفيهم والمتحكمين في الرقاب يؤيدون الوضع كما هو فاسد ونتنا
    ولا يرضون عنه بديلا. ولن أصدق أن هؤلاء المهندسين الثلاثة الغارقين
    في الإمتيازات التي تمنحها الدولة لإمثالهم قد سربوا الوثائق دفاعا عن الشفافية وليس لإغراض تهمهم و أطماع في أنفسهم .المغربة يحبون الفساد حبا جما ,ولن تفيدهم الشفافية في شئ بل ستعقد حياتهم و تجعلهم يعيشون الجحيم ,و لينصرف كل إلى شأنه و يدخل سوق رأسه إلى أن يقضي الله أمرا كان مقدرا

  • rachido
    الأربعاء 23 يناير 2013 - 10:38

    يتغير كل شيئ من أجل ألا يتغير أي شيئ

  • هل من مُدافع
    الأربعاء 23 يناير 2013 - 11:20

    السيد الكاتب المحترم والقراء الاعزاء،
    قرات المقال جوج مرات وعلى جوج الايام واستعنت بصديقنا google لمزيد من المعلومات حول الموضوع وزيدون ما كان لدي من مخزون حول القصه دراستى لقانون المرافق العموميه بالكليه.
    اولا ادين الفساد والمفسدين منهم انا وانت ونحن جميعا لاننا ندفع الرشوه نعم ندفعها يوميا ونمارس الزبونيه بالتوسط لهذه البنيه داك الدري لشى واحد اباه صحبى .
    هذا كله يمكن ان يغتفر ولكن ما لا نغفره لنفسك لصاحب الضمير الشبه حى ان تقف موقف المتفرج على هؤلا وهم امام القاضى ، يجب ان يضغط كامل المجتمع حتى لا يعاقب هؤلا بعقوبه اكثر من اداريه لانهم اقاموا سنه حسنه فلنسميها"بدعه حسنه" حيث ان ربما فانون الوظيفه العموميه يدينهم ولكن يجب الضغط المدنى السلمى كما يجب المطالبه بتعديل القانون حتى يواكب قواعد الشفافيه التى اصبحت حق للشعوب كمكتسب للربيع العربى.
    والله المستعان
    ومن الخرطوم سلام

صوت وصورة
السوق والغلاء
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 12:27

السوق والغلاء

صوت وصورة
التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 09:42

التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة

صوت وصورة
جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 00:16

جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي

صوت وصورة
"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:31

"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس

صوت وصورة
المغرب يستعد لمونديال البيتزا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:30 5

المغرب يستعد لمونديال البيتزا

صوت وصورة
اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 20:12 3

اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية