في الحاجة إلى مثقف فضولي

في الحاجة إلى مثقف فضولي
الأربعاء 29 مارس 2023 - 16:04

ما أحوج المجتمعات العربية والإسلامية إلى ما أسميه بـ”المثقف الفضولي”؛ ولا أعني بـ”الفضولي” هنا ذلك المصطلح الدال على المثقف الذي يتدخل في ما لا يعنيه على حد تعبير جون بول سارتر….. بل أقصد به ذلك الذي يفوض لنفسه عمدا، وعن سبق إصرار وترصد، القيام بعمل ما دون علم الآخر على أساس أن يكون هذا العمل فيه مصلحة هذا الأخير، وبالتالي يصبح هذا المثقف الفضولي ملزما بل منخرطا تلقائيا في مهمة النظر من زوايا متعددة إلى القضايا الحارقة التي تهم هذه المجتمعات، وتحليلها وتقديم حلول للمعنيين بالأمر؛ فالمثقف، اليوم، وجب عليه أن يساهم بما لديه من تراكم معرفي في مناقشة قضايا مجتمعه بكل جرأة وشجاعة دون الاكتراث لرقابتي الذات والسلطة، فالمثقف -حسب تشومسكي- تقع عليه مسؤولية قول الحقيقة وإظهارها للناس والكشف عن الأكاذيب، وهي إشارة واضحة للدور الحاسم الذي يجب أن يضطلع به المثقف دون مواربة أو خوف أو تردد.

إن هذه المجتمعات باتت تتوق إلى اعتناق الحرية والعيش في كنف ديمقراطية ضامنة لكل الحقوق وفي كل المجالات، وبالتالي فهي في حاجة ماسة إلى مثقف من طينة نعوم تشومسكي، مثقف يترك برجه العاجي ويخرج إلى الواقع المرير ويمشي بين الناس ويطلع عن كثب على المشاكل والويلات التي يتخبط فيها مجتمعه ويدلي بدلوه في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والأدب والإبداع…. دونما تردد أو خوف، مثقف يسعى دائما إلى الانفلات من حيل السياسي والسلطة حتى لا يقع تحت ذبذبات “رايموت كونترول” هذين المدبرين للشأن العام الوطني، اللذين يسعيان دون يأس أو ملل إلى تكبيل المثقف الذي تتملكه جاهزية الاستعباد والخنوع وتسخيره في النهاية لخدمة أجنداتها ومآربها الضيقة. إن كتابات المثقف في قضايا الفكر والتاريخ والإبداع…. لها أهمية ودور أساسي في تنوير المجتمع؛ دور لا ينكره إلا مكابر، ولكن يظل خروجه إلى الواقع والنظر إليه بعين العقل والفكر والإبداع من زوايا متعددة وتقديم آرائه حول ساسة بلده واقتصاده واجتماعه أكثر أهمية بل يشكل أوجب الواجبات التي ينبغي أن يضطلع بها ما دام حيا يرزق، خاصة إذا علمنا أن هذا الخروج سيمنحه مصداقية معتبرة وحضورا لافتا مؤثرا على حياة المواطنين بأبعادها المختلفة؛ عبر توعيتهم وتسليط الضوء على قضاياهم وتحديد الأولويات والضروريات في مجال العيش الكريم والحقوق والواجبات. إن المثقف الذي يملك قدرة على الخوض في مشاكل وإشكاليات السياسة والاقتصاد والاجتماع والتدبير والخلق والإبداع والدين…. من زوايا مختلفة متسلحا بإيمان قوي وراسخ بدوره في بناء مجتمع ديمقراطي حي لا يخشى لومة لائم في الصدع بقول الحق وكشف الكذب، هو مثقف يقوم بدوره المنوط به في بناء مجتمع حر يحترم القوانين والتشريعات الحمالة لحياد وموضوعية لا غبار عليهما. إن حال المثقف، اليوم، في هذه المجتمعات يبعث على الشفقة، وأيضا على الريبة والشك، فحينما تجد مثقفا يمتطي صهوة الانتهازية، ويلتزم الصمت حتى نهاية المعركة، فيعلن انضمامه للأغلبية، على حد تعبير الإعلامية المقتدرة فاطمة الإفريقي، فاعلم أنه مثقف باع نفسه بأرخص الأثمان وسلم نفسه إلى جوقة السائرين في طابور الانهزاميين والوصوليين الذين يوظفون ثقافتهم ومعرفتهم ومهاراتهم في كسب وتحصين زينة الحياة والشهرة المزيفة.

إذا كانت “موسوعية” المثقف تعني التأليف الغزير في مجالات متعددة، ولا تعني الخوض في قضايا مجتمعه وتنوير المدبرين بمختلف تلاوينهم ومستوياتهم ومواقعهم بآرائه وتصوراته، فإنها تظل “موسوعية” زائفة وجوفاء لا تقدم ولا تؤخر، قد تخدم المثقف نفسه ولكن لا تخدم مجتمعه في شيء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''