التعمير بالعالم القروي

التعمير بالعالم القروي
الأحد 2 أبريل 2023 - 17:30

يعود أول تدخل للتعمير في العالم القروي إلى بداية عهد الاستقلال حيث صدر أول قانون للتعمير بالمغرب سنة 1960، يهدف إلى تنمية المراكز القروية وتقنين كيفية استعمال الأرض بها. وازداد هذا الاهتمام بصدور القانون 12-90 المتعلق بالتعمير سنة 1992 والذي أفرد مجموعة من مواده لتنظيم عمليات البناء بباقي المجالات القروية الاخرى.

وعلى الرغم من وجود ترسانة قانونية متعددة، مازالت قضايا التعمير، خاصة تلك المتعلقة بمنح رخص البناء، تطرح عدة إكراهات والتي ازدادت تعقدا بفعل التحولات العميقة التي تعتري تنظيم المجالات القروية خصوصا بعد ظهور أشكال جديدة للطلب على السكن. مما يمثل ضغطا إضافيا على الموارد الطبيعية ويزيد من حدة التحديات الاقتصادية والبيئية ويشكل تهديدا كبيرا لمستقبل التنمية المستدامة بالعالم القروي.

ترسانة قانونية متعددة لمواكبة التطور المجالي للعالم القروي

يسعى قانون 1960 المتعلق بتنمية التكتلات القروية إلى توفير شروط تطور ونمو المراكز القروية وتقريب الخدمات الأساسية من الساكنة القروية، خاصة تلك المتعلقة بالتعليم والصحة مع تنظيم الأنشطة الحرفية والتجارية والخدماتية. ويتم تنزيل هذه الأهداف من خلال تغطية المراكز القروية بوثيقة تعمير بسيطة في مسطرتي الإعداد والمصادقة والتي تعرف بمخطط تنمية التكتلات القروية.

ويقوم هذا المخطط كذلك بتأطير عمليات التجزيء والبناء بالمراكز القروية المعنية بهدف تنظيم مجالاتها الترابية من أجل استقطاب الساكنة القروية للاستقرار بها. وقد أقر قانون 1960 مجموعة من الإجراءات المرنة خصوصا في ما يتعلق بأحداث التجزئات السكنية. غير أن الممارسة قد أبانت عن عدم استغلال المرونة التي يتيحها هذا القانون حيث يتضح أن هناك خلطا كبيرا بين المقتضيات القانونية لقانون 1960 وبين تلك المنصوص عليها في القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات مما يحول دون تطور سلس للمراكز القروية ويزيد من تعقيد عمليات الترخيص بالبناء بها.

إن الهدف من تنمية المراكز القروية يكمن في العمل على إحداث شبكة من المراكز تتطور بطريقة منظمة لتلعب دورا محوريا في تنظيم التراب الجهوي والوطني. إذ سيمكن تطوير هذه الشبكة من التوفر على مكونات مجالية قادرة على أن تلعب دورا استراتيجيا في هيكلة المجال القروي وتصبح حلقة وصل بين المدن والقرى ومنصة ترابية في عملية تحديث العالم القروي والحد من الهجرة القروية.

كما أولى القانون 12.90 المتعلق بالتعمير هو الآخر أهمية كبرى لعمليات البناء بالمجال القروي خارج مدارات المراكز المعنية بتصاميم التنمية بهدف الحد من الانتشار الواسع للتجمعات السكنية المتفرقة غير المنظمة بالعالم القروي. إذ يشكل السكن المتفرق خطرا كبيرا على البيئة الطبيعية ويلحق ضرارا كبيرا بالنشاط الفلاحي بفعل غياب التجهيزات الأساسية خصوصا تلك المتعلقة بتدبير النفايات السائلة والصلبة. لهذا اشترط هذا القانون التوفر على مساحة لا تقل عن هكتار لمباشرة عملية إنشاء بنايات مخصصة سواء لأنشطة اقتصادية أو للسكن مع السماح بإقامة بناية لا تتجاوز مساحتها الإجمالية 200 م2 وبعلو لا يجب أن يتعدى 8.50 مترا وكل ذلك حفاظا على الموارد الطبيعية (المياه، الغابات، المناطق الرطبة، الأراضي الزراعية…) من خطر زحف السكن العشوائي.

ورغم فرضه لمعايير قانونية وتقنية صارمة تهم المساحة وكثافة البناء، فإن القانون نفسه يراعي الحالات التي لا تتوفر فيها شروط المساحة الدنيا حيث يسمح لرؤساء الجماعات الترابية المعنية، وبتنسيق مع المصالح المعنية بالتعمير، بمنح الاستثناء والترخيص بالبناء في مساحات تقل عن الهكتار الواحد شريطة أخذ رأي المصالح التقنية لوزارتي الفلاحة والتجهيز، للتأكد من أن المشاريع المعنية لا تؤثر على سلامة الأراضي الفلاحية ولا تعرقل حركة السير على الطرقات العمومية.

ولضمان توسع أمثل للمدن وحماية المناطق المحيطة بها، فقد أدرج القانون 12.90 المجالات القروية المحيطة بالمدن، والموجودة داخل مسافة تمتد إلى عمق 15 كيلومتر من حدود الجماعات الحضرية، ضمن المجالات المعنية بالمقتضيات القانونية التي تطبق على المجالات الحضرية خاصة ما يتعلق بضرورة تغطيتها بتصميم للتهيئة.

ورغم توفر ترسانة مهمة من القوانين، فإن إشكالية التعمير والبناء بالعالم القروي ماتزال تطرح نقاشات متعددة وسط الفاعلين المعنيين سواء على المستوى المؤسساتي أو وسط الساكنة المعنية. وتظل مسألة تدبير طلبات رخص البناء من أهم الإشكاليات التي تطرح حاليا، ويعزى ذلك إلى عدة أسباب ناتجة عن تفاعل عوامل مختلفة يتقاطع فيها الثقافي والاقتصادي والقانوني والتقني والعقاري والبيئي.

تغير نمطي العيش والاستهلاك وبروز أشكال جديدة من الطلب على السكن بالعالم القروي

منذ صدور قانون 1960 الخاص بتنمية المراكز القروية وقانون 12.90 المتعلق بالتعمير سنة 1992، عرف التراب الوطني تحولات بنيوية بفعل تغير العلاقات التقليدية بين المجالين الحضري والقروي والتي تعكس في الأساس التغيرات العميقة التي همت البنيات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمجتمع المغربي بفعل التحولات التي مست أنماط الإنتاج والاستهلاك. وقد صاحب ذلك تحول عميق على الطلب المتزايد على السكن الحضري بفعل الحركة المجالية الكبيرة للساكنة القروية نحو المدن.

وبسبب عدم استجابة المدن للطلب المتزايد على السكن، فقد أصبحت ضواحي المدن هي المستقبل الأساسي للطامحين في امتلاك سكن حضري والراغبين في الاستفادة من امتيازات القرب من المدينة ومن البنيات التحتية والتجهيزات العمومية التي تتوفر عليها.

وللوصول إلى تحقيق هذا الهدف، يتم تبني استراتيجيات متعددة من طرف المهاجرين المعنيين والتي تختلف حسب حجم الرساميل المادية والرمزية المتوفرة لكل فاعل على حدة. وتتشكل هذه الرساميل من أرصدة مالية وكذا من معلومات وأخبار حول ما توفره السوق العقارية من إمكانيات من خلال شبكات متنوعة من المعارف والوسطاء. ولا يقتصر هذا الأمر فقط على المهاجرين القرويين القدامى والجدد، بل تهم أيضا فئة عريضة من سكان المدن والذين استعصى عليهم أمر تملك المسكن داخل مدنهم، فلجؤوا إلى الضواحي لتحقيق استراتيجيتهم الخاصة بالتملك. وذلك ما تؤكده المعطيات الميدانية حيث تشير نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014 إلى أن 15 في المائة من مجموع تيارات الهجرة كان مصدرها المدن في اتجاه العالم القروي.

كما أصبحت ضواحي المدن أخيرا قبلة لفئة من الساكنة الحضرية الراغبة في التوفر على سكن فردي، سواء أساسي أو ثانوي وبمساحة نسبيا كبيرة، من أجل الاستفادة من هدوء البادية وإمكانيتها الطبيعية والابتعاد عن ضجيج المدن مع البقاء بالقرب منها خصوصا مع ما توفره حاليا التجهيزات الطرقية ووسائل النقل الخاصة من حرية لحركة التنقل. وأصبح هذا التوجه يأخذ أبعادا مجالية خطيرة وينتشر بشكل واضح خصوصا في ضواحي المدن الكبرى مما يساهم بشكل كبير في الاستهلاك المفرط للأراضي الفلاحية خاصة مع المضاربات العقارية التي تكون موضوعها هذه الأراضي والإغراءات المالية التي لا يمكن أن يقاومها ملاكها في غياب آليات قانونية لمحاربة هذا النوع من المضاربة. ويتأكد هذا المعطى إذا علمنا أن 30 في المائة من البنايات المشيدة سنويا على المستوى الحضري تقام على أراض زراعية محيطة بالمدن دون تخطيط مسبق حسب تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2013.

ومما ساعد في سرعة انتشار السكن الحضري بهذه المجالات، هناك الضبابية التي تميز الوضع القانوني لضواحي المدن حيث تعتبر حسب الوضعية الإدارية ترابيا ينتمي إلى الجماعات القروية، أما من الناحية الوظيفية فهي مناطق تابعة للمدن المجاورة وتشكل المجال الحيوي لتوسعها المستقبلي. وتخلق هذه الوضعية المبهمة لبسا في طرق تدبير هذه المجالات الحساسة وتطرح عدة إشكاليات تهم كيفية معالجة طلبات رخص البناء بهذه الضواحي.

كما أن الطبيعة الفلاحية لأغلبية هذه الأراضي وضعف نسبة التحفيظ العقاري بها، بالإضافة إلى غياب رؤية عملية لدى الفاعليين المؤسساتيين المعنيين بمسالة تكوين احتياطيات عقارية لاستيعاب التوسع المستقبلي للمدن، جعل المجالات المحيطة بالمدن عرضة لتقسيمات عقارية عشوائية ومتتالية. ونتيجة تشتت الوعاء العقاري، فيصبح من الصعب في كثير من الأحيان تعبئة العقار بطريقة احترافية قصد إنجاز عمليات عقارية أو مجموعات سكنية مندمجة طبقا للمعايير العمرانية والتقنية التي تنص عليها قوانين التعمير. وبالتالي فقد أصبح السكن الفردي والبناء الذاتي هو المهيمن على نوعية الطلب على رخص التعمير بهذه المناطق دون توفير الحاجيات الأخرى من بنية تحتية وتجهيزات عمومية.

وكنتيجة لما سبق، وعلى الرغم من أن الضواحي تعتبر وظيفيا جزءا من المدن المحيطة بها، فأنها تعتبر إداريا مجالات قروية بفعل انتمائها ترابيا لجماعات قروية. ويوحي رفض بعض طلبات رخص البناء بهذه الضواحي، بسبب عيوب تقنية أو قانونية خاصة تلك المتعلقة بالتقسيم غير القانوني للعقار وغياب التجهيزات التحتية، وكأن الأمر يتعلق برفض الترخيص للسكن القروي وهو في حقيقة الأمر وعلى عكس ذلك يعتبر سكنا حضريا بامتياز.

كما يتجلى انعكاس تغير أنماط السلوك وانتشار نمط العيش الحضري الحديث كذلك في ارتفاع الطلب على السكن الثانوي الفردي بالمناطق القروية التي تزخر بمؤهلات طبيعية متميزة. إذ يلاحظ في السنوات الأخيرة مثلا ارتفاع الطلب على السكن الثانوي بتراب الجماعات القروية المطلة على الساحل مما شجع على انتشار ظاهرة التقسيمات العقارية غير القانونية بهذه الجماعات. وقد ترتب عن ذلك انتشار كبير للسكن الفردي الذي يكون له انعكاسات سلبية على المنظومة الإيكولوجية للساحل وعلى المشهد الطبيعي ككل. ورغم أن المجالات الساحلية أصبحت موضوع حماية قانونية من طرف القانون رقم 81.12 لسنة 2015 المتعلق بحماية الساحل، والذي أقر ضوابط صارمة للحفاظ على مقومات هذا المجال الهش، فالملاحظ هو اتساع رقعة انتشار السكن العشوائي المتفرق على طول المجالات القروية الساحلية.

وعلى عكس ذلك، ومن أجل المحافظة على المنظومة الإيكولوجية للساحل، فإن إنتاج البنايات ذات الطابع السياحي والترفيهي بالمناطق القروية الساحلية يجب أن يتم في إطار مشاريع مندمجة ومدروسة تحترم مختلف الضوابط القانونية والتقنية والبيئية من أجل حماية هذه المجالات الحساسة والحرص على استدامتها. ولهذا، فإن رفض مجموعة من طلبات البناء بالمناطق الساحلية، والتي تندرج في إطار مبادرات فردية لتملك سكن ثانوي، تعتبر هي الأخرى في بعض الأحيان وكأنها رفض للترخيص بالبناء للساكنة القروية المحلية.

ومن مظاهر التحولات الكبرى كذلك، والتي مست السلوكيات المجالية للساكنة سواء الحضرية والقروية، اتساع الطلب على السكن الفردي ذي الطابع الحضري على طول الطرقات العمومية المارة بتراب الجماعات القروية. فبفعل انتشار الاستعمال الكثيف للسيارة الخاصة ووسائل النقل العمومي، ارتفع الطلب على تملك السكن الفردي على طول الطرقات الرئيسية بفعل سهولة الولوجية إليها. وقد نتج على هذه الظاهرة انتشار تعمير خطي تكون له انعكاسات جد سلبية سواء على مستوى حركة السير على الطرقات أو على مستوى استهلاك الأراضي الفلاحية مما يؤثر بشكل سلبي على المناطق ذات الخصوصية الإيكولوجية والبيئية.

كما أن عملية ربط هذه المناطق بالبنيات التحتية وتوفير التجهيزات العمومية لها تصبح صعبة التحقيق، بسبب كلفتها الباهظة نظرا لطول شبكات توصيلها وانعدام الجدوى الاقتصادية لتوفير التجهيزات بهذه المناطق نظرا لضعف الكثافة السكانية بها. ويؤدي امتداد السكن بشكل خطي على طول الطرقات الرئيسية كذلك إلى تشويه الهوية الطبيعية للعالم القروي بسب الحاجز المرئي الذي تشكله البنايات القائمة. ويؤثر ذلك سلبا على المشاهد الطبيعية ويكون له انعكاس خطير على الأنظمة البيئية المحلية وربما الجهوية، نظرا لمرور مجموعة من الأودية بهذه المناطق مع ما يمثله من إمكانية تلويث مجاريها بفعل الطرق العشوائية المستعملة في التخلص من النفايات السائلة والصلبة الناتجة عن إحداث بنايات سكنية في مناطق غير مهيأة لذلك.

نحو تعمير مستدام بالعالم القروي

يعد بناء المسكن حق مكفول لكل مواطن ما دام له الحق في التصرف في ملكيته العقارية. لكن هذا الحق يبقى مقيدا لأن الفصل 35 من دستور 2011، الذي ينص على أن حق الملكية حق مضمون بقوة القانون، هو الفصل نفسه الذي يقيد كذلك حق التصرف في الملكية ويلزم صاحبها احترام القوانين والضوابط المعمول بها من أجل تحقيق متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا الإطار، تعتبر قوانين التعمير من القوانين المنظمة لحقوق التصرف في الملكية العقارية وتحد من حق هذا الاستعمال من أجل تنظيم أمثل للمجال وحماية المناطق الهشة المعرضة للخطر بفعل الضغط البشري خاصة بالعالم القروي. ويتطلب ذلك مراقبة دائمة لكيفية استعمال هذه الأراضي ويقظة مستمرة لأشكال استغلالها بفعل خصوصيات مكوناتها الطبيعية والإيكولوجية.

وتأسيسا على ذلك، فإن القاعدة الدستورية المتعلقة بشروط استعمال حق الملكية العقارية تنطبق على العالم القروي بامتياز لكونه يعد مجالا حيويا نظرا لانتشار الأراضي الفلاحية به والتي تلعب دورا استراتيجيا في تحقيق الأمن الغذائي للبلاد، لذا فإن كل استغلال مفرط لهذه الأراضي يشكل تهديدا للثروة الغذائية. وبالفعل، فقد وصلت حدة استهلاك الأراضي الفلاحية من طرف البناء خصوصا البناء الذاتي مرحلة جد حرجة إذا علمنا أنه ما بين سنتي 1990 و2011 تم استهلاك حوالي 80000 هكتار من الأراضي الفلاحية علما أن 28000 هكتار منها هي أراض تتوفر على مصادر مياه، حسب ما أشار إليه رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول السكن بالعالم القروي الصادر سنة 2019. وبذلك تفقد الأراضي الفلاحية أكثر من 4000 هكتار سنويا من احتياطاتها مما يشكل تهديدا وجوديا لمستقبل هذه الأراضي التي لا يمكن تعويضها. ويمثل ذلك خطرا كبيرا على مستوى مقدرات الإنتاج الفلاحي ككل في سياق مناخي يطبعه التغير المستمر مما يستدعي تدبير عقلاني ومستدام للثروات الطبيعية. كما أن حماية المجالات القروية الأخرى مثل الساحل والغابات والمناطق الرطبة ومصادر المياه من انتشار السكن والاستعمالات الأخرى الملوثة تعد ضرورة ملحة للحفاظ على المنظومات الإيكولوجية للعالم القروي والتنوع البيولوجي به والتي تعتبر أنظمة طبيعية غير متجددة وسهلة الإتلاف.

لذا فإن اعتماد منهجية التعمير المستدام من خلال تفعيل المقتضيات القانونية المتوفرة خاصة تلك المتضمنة في ظهير 25 يونيو 1960، المتعلق بتنمية المراكز القروية سيساهم بشكل عملي في الحفاظ على الثروة الطبيعية القروية والاستجابة للحاجيات الحقيقية للساكنة القروية في ميدان السكن. حيث أن وضع مخططات التنمية للمراكز القروية وخاصة تفعيل مضامينها سيساعد على استقطاب الساكنة القروية والحد من انتشار السكن المتفرق والهجرة القروية. فمخطط التنمية يعتبر وثيقة تعمير بسيطة ومرنة تحتوي على برنامج تنموي ترابي يتضمن مختلف حاجيات الساكنة المحلية من سكن وخدمات وأنشطة اقتصادية ورياضية وثقافية. كما أن تفعيل مضامين هذا البرنامج يمكن أن يتم من خلال عقد شراكات بين مختلف الجماعات الترابية خاصة الجهات والمجالس الإقليمية والجماعات القروية المعنية من جهة وبينها وبين الدولة من جهة أخرى، خصوصا إذا علمنا أن الدولة قد وضعت برنامجا طموحا للحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية بالعالم القروي، إذ بإمكان المراكز القروية الاستفادة من تمويلات هذا البرنامج. وسيؤدي تفعيل هذا التصور إلى تقوية دور المراكز القروية في إعداد التراب الوطني لتكون قاعدة صلبة في تحديث العالم القروي وخلق التوازن بين البوادي والحواضر.

كما يجب تطوير ومواصلة الاجتهادات القانونية والتقنية لمواكبة الطلب على رخص البناء في التجمعات السكنية التقليدية، من خلال تحديد مدارات الدواوير القروية والتي يتم التعامل مع طلبات رخص البناء بها بلونية أكبر مراعاة لخصوصياتها وتشجيعا للسكن المتجمع بالجماعات الترابية القروية. وسيساهم ذلك في تثبيت الساكنة المحلية بهذه الأنوية السكنية الأصيلة ويسهل أيضا من عملية توفير الخدمات الأساسية لها بالنظر لكثافتها السكانية. وسيشكل ذلك أيضا عاملا مساعدا للحفاظ على التراث المادي واللامادي لمختلف المناطق القروية باختلاف خصوصياتها الطبيعية والثقافية وسيساعد في تنمية السياحة القروية بمختلف أشكالها.

كما أن تفعيل القوانين المختلفة، مثل قانون الساحل وقانون الماء وقانون حماية الأراضي الفلاحية والقوانين المتعلقة بحماية الغابات والمناطق الرطبة والتنوع البيولوجي، من شأنه الزيادة في حماية الثروات الطبيعية للعالم القروي لتلعب دورا تكامليا مع قوانين التعمير من أجل توفير شروط الاستدامة لهذا المجال الحيوي والهش. لذا فإن تضافر جهود المعنيين بتفعيل هذه القوانين سيساعد على الحد من الانتشار الواسع للسكن الحضري المتفرق غير المرتبط بالنشاط الفلاحي والذي يضر بالبيئة ويشوه المناظر الطبيعية الاصيلة للعالم القروي. فقد أضحى هذا النوع من السكن ينتشر بوثيرة سريعة إذ انتقلت نسبة السكن الحضري بالعالم القروي من 13.6 في المائة سنة 2004 إلى 25.9 في المائة سنة 2014 حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى. وتعتبر حدة هذا الانتشار تهديدا خطيرا لمستقبل الهوية البصرية والطبيعية والثقافية وسيلحق ضررا كبيرا بكل مكونات الاستدامة بالعالم القروي.

وكخلاصة، فإن تدبير التعمير وخاصة رخص البناء يجب أن يراعي خصوصيات العالم القروي ككل. فمن جهة يجب مراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية لغالبية الساكنة المحلية وكذا الإشكالات القانونية خاصة تلك المتعلقة بالعقار من خلال اعتماد الليونة في دراسة طلبات رخص البناء، ومن جهة أخرى يجب حماية الثروات الطبيعية والتي تتعرض لضغط بشري كبير ومستمر.

ولتحقيق التوازن بين مبدأ الحق في السكن ومبدأ الاستدامة، يجب أولا التمييز بين الحاجيات الفعلية للساكنة القروية من السكن وبين الأشكال الأخرى لهذا الطلب خاصة المرتبط بالسكن الثانوي لأغراض ترفيهية وسياحية والذي ينجز في إطار مبادرات فردية وغير منظمة ويكون له انعكاسات سلبية على المنظومة القروية ككل. إذ أن استمرار وتيرة الضغط الكبير على الموارد الطبيعية، خاصة ذلك الممارس على الأراضي الفلاحية والمجالات الساحلية وبمحاذاة مجاري المياه والأنهار وقرب الغابات، سيكون له عواقب وخيمة على استدامة العالم القروي وعلى مستقبل التنمية به، وذلك ما نبهت إليه مؤخرا مجموعة من التقارير الرسمية مثل تقرير الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة لسنة 2017 وتقريري المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنتي 2013 و2019.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Amaghrabi
    الثلاثاء 4 أبريل 2023 - 14:34

    صراحة سيدي سعيد المحترم اكاد اجزم انه في مدينة الناظور في الاعوام العشرة الاخيرة بنيت فيه اكثر من 5000 منزل عشوائي على حسب تقديري والغريب في الامر قبل ان تضع لبنة واحدة لبناء المنزل يقف امامك الشيخ ولمقدم وفي وقت قصير من الزيارة ترى عمارة واقفة تسر الناظرين فحلل وناقش

  • Mre
    الأربعاء 5 أبريل 2023 - 10:34

    Les autorisations pour construire sont une arme de pression et extortion dans les mains de ceux qui decident ils les donnent á qui ils veulent et qui paie mieux
    Meme si ton dossier remplit toutes les conditions legales ca be veut rien dire mais si tu paie bien tu n ’ as meme pas besoin de dossier!!! C’ est notre pays malheureusement!!!

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط