"واكل سبرديلة"!

"واكل سبرديلة"!
الأربعاء 12 أبريل 2023 - 18:47

تقديم

في حوار مع السيدة فرانس من أصول كندية زارت اليابان في أواخر الثمانينات من القرن الماضي لاستكمال الخبرة في مجال التمريض، قالت لي في أحد اللقاءات التي كانت تجمعنا بجامعة كبيك بمونتريال على هامش التحضير لشهاد الماجستير في تدبير المال والأعمال، المعروفة اختصارا ب MBA :”…أول ما التصق بذهني في الأيام الأولى لزيارتي لطوكيو هو أناقة اليابانيين؛ يعتنون جيداً بصحتهم، وبرشاقة أجسامهم، ويهتمون بأقدامهم، ويميلون أكثر للباس الأحذية الرياضية الخفيفة، وارتداء الملابس الأنيقة.”

هكذا تأتي لقاءاتنا مع غيرنا دائما بأشياء وسلوكيات لا تشبهنا، لسنا متعودين عليها وعلى رؤيتها؛ ننبهر تارة، ونقول تارة أخرى هذا ما سيصيبنا وسيصل إلينا في قادم الأيام، فصبراً جميلاً. في الأيام الأولى لالتحاقي بالديار الكندية، أواخر التسعينات من القرن الماضي، علقت بذهني عدة أمورعند اللقاء الأول، فأثارت انتباهي، وتثير انتباه المهاجر عامة. وهذه الانطباعات تختلف من شخص لآخر حسب السن والجنس، والمستوى الدراسي، وبلد الميلاد والنشأة، وهلم جرا من المتغيرات، التي تحتاج لبحث ميداني ومتابعة دقيقة لما تمليه الحواس، والحدس، وما يدور في عمق الوجدان. من هذه الملاحظات ما هو مستجد، ومنها ما يذكرنا بموطن الميلاد. وهذه الأمور المتعددة والتي يمكن اختزالها في كلمات ومواقف عابرة، تحتاج حقا لوصف وتحليل لأن ” وظيفة أي تمثل اجتماعي هي توجيه السلوكيات والسماح بالتواصل بين الأفراد”، كما يقول مؤسس علم النفس الاجتماعي سيرج موسكوفيسي Serge Moscovici (1925-2014). انطلاقا من هذه التمثلات يمكن الإبحار حفراً لمعرفة الأنا العميق وعلاقتها بالوجه الآخر، كما قعد له الفيلسوف المعاصر إيمانويل لفيناس (1906-1995).

فإذا كانت المظلة مثلاً تستعمل في كندا في فصل الربيع وليس في فصل الشتاء فهذا أمر نجد ما يبرره بفعل تساقط الثلوج شتاءً؛ أي أن المقولة المتداولة في الثقافة المغربية في فصل الشتاء “الشتا تا تاتا، أولدات الحراثة”، لا تنطبق على مثل هذه البلدان المتواجدة في أقصى شمال الكرة الأرضية، والتي تتحكم فيها جغرافية أخرى، وبالتالي ثقافة خاصة تستدعي تعريف معنى فصل “الشتاء” وتحديد معنى “المطر”. هذه نماذج من أسئلة يطرحها بنو جلدتنا عند التواجد بالشمال الكندي : “….متى يزرع الكنديون حقولهم الفلاحية؟ ومتى يحصدون ؟ وهل يعصرون؟” مشترك البحر المتوسط قد لا نجد له ذكراً، إلا ما علق بذاكرة الإيطاليين واليونانيين من ذكريات، يؤثثون بها أحاديثهم المسائية، وتثبت كأشياء على جدران صالوناتهم الواسعة. أما المغربي والمغربية فيحملان معهما علماً وطنياً، طربوشا أحمراً، جلابة، قفطان، وفي بعض الأحيان وعاءً خزفيا من سلا أو من واد لاو. يتوجه الكثير منهم لسوق جون طالون بمونتريال لشراء “الشيبا والنعناع” كلما اشتد الحنين ” لرائحة البلاد” ولجلسة شاي بقواعدها.

1- انتعال الحذاء الرياضي على نطاق واسع: المشي الممتع ؟!

علقت بذاكرتي في الأسابيع الأولى تفاصيل دقيقة يمكن أن نضع لها عنوانا تحت اسم “برغماتية الشمال الأمريكي”؛ برغماتية لها إطارها النظري العميق وسيقاتها التاريخية والثقافية لدول بحثت عن ما يميزها عن باقي دول العالم القديم، بالاستثمار فيما يسمح بأداء العمل بنجاعة، لأن المناخ العام متقلب. هذه المتغيرات تضع الأفراد والمؤسسات أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تكون دائما على استعداد لمواجهة الصعوبات: عاصفة ثلجية، ذوبان الثلوج، فيضانات، …كتحديات طبيعة صرفة أو بشرية، وإما الاختفاء تحت جناح المساعدات. النقاش بين بعض ركاب الحافلات أو في مقرات العمل عند فترات الاستراحة، يكون غالبا حول مواضيع مثل: السياحة والسفر، سوق البورصة، وتداول أسهم الشركات بحسب القطاعات. وتارة أخرى حول الانحباس الحراري، والانقطاع الكهربائي المفاجئ بسبب عاصفة ثلجية، وحول قضايا محلية مرتبطة بأعياد الميلاد وتدبير الشأن المحلي، وما إلى ذلك. ويصبح البحث عن الشغل هو الشغل الشاغل ليس للمهاجر بل للجميع، لأن المكوث عند مشغل واحد لبضع سنوات ولو قليلة لا ينظر إليه في البلدان الأنجلوسكسونية بنظرة الرضا؛ التغيير يفرض نفسه على الجميع. ولا يمكن ضمان الاستمرارية للكفاءة إلا بصقلها عبر التكوين بالجامعات المنتشرة في كل مكان. الممكنات كذلك لا حصر لها ومنها إمكانية إعداد شهادة الدكتوراه بعد سن الستين.

شخصيا أول ملاحظة استرعت انتباهي في الأسبوع الأول من الإقامة بمونتريال هو انتعال الكنديين، نساءً ورجالاً، شباباً وشيوخاً للحذاء الرياضي؛ اللباس الرسمي، رابطة العنق، و” السبرديلة” Espadrilles ! فلماذا يا ترى هذا الاختيار؟ ولماذا عادت البشرية قاطبة، في مطلع هذه الألفية لانتعال الحذاء الرياضي “سبرديلة “؟ كيف جاء هذا التحول؟ ومن يقف وراءه؟ هل هو سلوك يمكن تبريره بالفعالية أو بالجمالية؟ هل له علاقة باستحضار رمزية الحركة الرياضية في غيابها، أي في زمن ركوب المحركات على حساب المشي على الأقدام؟

يبدو أن العالم كله “واكل سبرديلة”، يعني بالدارجة المغربية العالم بأسره وقع تحت “سحر” الحذاء الرياضي في تحول غير مسبوق. هذا المنعطف تفسره بعض الدراسات بالرغبة في التميز، أي كوسيلة للبحث عن الاعتراف، الذي يتخذ طابعا يبرز الانتماء الاجتماعي، ويعزز الاستمتاع بوقت الفراغ والترفيه الذي أخذ يتسع نتيجة التوجه لتخفيض عدد ساعات العمل بالأسبوع، وتشجيع الجمهور على الاستهلاك والمشي الممتع المفيد للصحة.

الدراسات المتخصصة في مجال التسويق المتناولة لهذه الظاهرة استنتجت بأن استخدامات الأحذية الرياضية لم تعد متوقفة على ممارسة النشاط الرياضي فحسب، بما أن الإقبال عليها أصبح بمثابة تحقيق حلم؛ تقف خلفه، بطبيعة الحال، الموضة التي تكتسح الحواضر العالمية تحت تأثير ماركات معروفة. فإلى وقت قريب (بداية التسعينات)، كان سوق الأحذية الرياضية محدود للغاية مرتبط استخدامه بممارسة الرياضة. حاليا تتجه هذه الأحذية للظهور كزي الشوارع، والمناسبات الرسمية والغير الرسمية. يلاحظ المتتبع بأن كل مجموعة من المستهلكين تتبنى علامة تجارية وفقًا لدوافع الشراء، يقوم بالترويج لها أفضل العدائين في العالم، كأحذية مصممة لامتصاص الصدمات عند المشي.

وكنتيجة للدوافع الاجتماعية، الظاهرة والخفية، وتحت وقع الترويج الإعلامي ازدهرت سوق الأحذية الرياضية لتكتسح الأسواق العالمية، وتهم جميع الفئات الاجتماعية والأعمار والجنس، من مختلف البلدان الغنية والفقيرة على حد سواء. يقدر سوق الأحذية (جميع الأنواع مجتمعة) سنة 2022 بنحو 163 مليار دولار أمريكي، ورغم مخلفات الأزمة الصحية لكوفيد 19، فمن المنتظر أن يعرف سوق الأحذية الرياضية ما بين 2023-2026 تطوراً بنسبة 4،56% حسب موقع (https://fr.fashionnetwork.com). سوق تعرف تنافسا قويا بين كبريات الشركات العالمية، فثلاثة شركات تحتكر نسبة 60% من الانتاج العالمي لهذا النوع من السلعة. بلغت مبيعات شركة نايكي سنة 2019، حسب نفس الموقع، ما يناهز 31،5% من المبيعات العالمية متبوعة ب أديداس بمعدل 15،5%. واحتلت مبيعات شركة رايبوك المرتبة الثالثة بنسبة 9،1% (انظر موقع https://www.etudier.com/). منتوجات هذه الشركات تتجه لمختلف الأعمار والأجناس مع إعطاء الأولوية للطبقة الوسطى وللنساء العاملات. واستطاعت شركات مثل أديداس وبوما أن تنقل انتاجها من أوربا إلى الشرق الأقصى حفاظا على التنافسية في مواجهة شركات أمريكية مثل النايكي والرايبوك الذين التجأوا للتصنيع مبكراً في آسيا باعتبارها مناطق منخفضة التكلفة.

2- صناعة ثقافة الحذاء الرياضي: الفاعلون الجدد ؟

هذا الانتشار الكاسح للأحذية الرياضية جعل “السبرديلة” تخرج من حلبة الرياضة لتقتحم دوائر جديدة وتصبح لباس الشارع بامتياز بألوان زاهية قوية وأشكال مبتكرة، وهكذا ولجت مجالات جديدة بجرأة لتتحول لحذاء الرسميات في المناسبات الخاصة كالأفراح، ليرافق هذا الحذاء العرائس يوم الزفاف معوضاً الكعب العالي المؤلم. وعلى هامش هذا التطور نظمت معارض في بعض العواصم العالمية مبرزة أهمية ثقافة الأحذية الرياضية، ومن بينها معرض بروكلين بنيويورك في بحر 2015، بحيث كشف المنظمون عن تطور تصميم الأحذية الرياضية التي انتقلت من الأحذية المطاطية في أواسط القرن 19، إلى أحذية الركض سنوات الستينات، حتى وصولها اليوم لنماذج ذات التصميم الفريد والصيحات بلمسات تشكيلية بنوستالجيا “فينتاج” (https://marketing.thus.ch/loader.php). مع هذه النهضة في التصنيع والتسويق والإقبال يعود الاهتمام بصحة القدم على غرار الاهتمام بالوجه. بدا الاهتمام بالأقدام كعلامة للوفرة، والسعادة، والنجاح “الكعب العال”. بالمدن المغربية يلاحظ المتتبع اكتساح هذه الظاهرة لكل الفئات العمرية، وتخرج النساء للعمل والتسوق وهن ينتعلن الحذاء الرياضي مع اللباس العصري والتقليدي (الجلابة والسبرديلة). فمن يقف وراء هذه الصناعة يا ترى؟ هل لمشاكل التهاب الأوتار والمفاصل دور في هذه الصيحة؟

صحيح أن الأحذية الرياضية تكون بحسب الأطباء أكثر ملاءمة للقدمين وراحة خاصة التي تتوفر على مواصفات طبية ينصح بها حسب طبيعة الأنشطة الممارسة لتجنب الإصابات العرضية والصدمات المتوالية خاصة بالنسية لكبار السن (فالحذاء شديد النعومة يسبب مشاكل في المفاصل، والحذاء شديد الصلابة يتلف الأربطة). لكن ما تعيشه سوق الأحذية الرياضية يتجاوز نصائح الأطباء، مرتبط أشد الارتباط بالموضة في السوق العالمي لتداول الماركات والصيحات. فالموضة تقترن هذه المرة بجديد الابتكارات التقنية بالرغم من مظاهر القرصنة والتزييف المنتشرة على نطاق واسع والتي تواكب الصيحة بتقليد الماركات المعروفة. ويقدر الخبراء قيمة تداول الأحذية المزيفة ما يقرب 7% من الحجم الإجمالي للمبيعات.

الحذاء الرياضي موضوع يستأثر اليوم باهتمام الباحثين بفعل اختزاله لتمثلات مادية، وذهنية، وكعلامة تجارية تستهوي شرائح اجتماعية مختلفة. تهمنا هنا كذلك لأنها تعبر عن تحول استراتيجي لبعض الشركات التي تبحث عن تجاوز الاستعمالات التقليدية بتوسيع الدائرة لاستقطاب فئات عمرية من غير الشباب ومن غير الرياضيين. الجديد الذي يقدمه صناع ومروجو هذه “السبرديلة” هي قدرتهم على الابتكار التقني والفني لاستيعاب أحلام الشباب والكبار، بالإضافة لأخذ بعين الاعتبار الجانبان البيئي وصحة الأقدام اللذان يعطيان مشروعية لتبرير خطاب التسويق. ومكنت “السبرديلة” الشركات المنتجة من التحالف مع عدة شركاء؛ رياضيين و فنانين كبار من أجل إبداع تصاميم فريدة وخلق دينامية تسمح للحذاء الرياضي بالانتشار على نطاق واسع. هكذا تعزز الجانب الاستعمال الرياضي، بالحلم في ارتداء شكل جديد بلمسة فنية أقبل عليه الزبناء بقوة. وتلعب التجارة والتوزيع الالكتروني دوراً مهما في تحقيق إشعاع الأحذية الرياضية للماركات المعروفة.

خلاصة القول

ينطبق على انتشار الحذاء الرياضي بكل القارات المثل المغربي القائل “واكل سبرديلة”، لأنها سحرت كل الأجيال كعلامة الاعتراف الاجتماعي والمشي الممتع المفيد. إذا كان الرياضي بعد الثلاثين “يعلق السباط”، ف “السبرديلة” بشكلها الجديد تطارد جميع الفئات حتى في الحلم. “السبرديلة” هي اليوم لباس العروسة وهي على العمارية كتعبير عن “قدام الربح”، وفي بعض الدول أصبحت جزءاً من اللباس الرسمي لبعض الوزراء “روح رياضية”. ومن المنتظر أن يصبح الحذاء الرياضي بمثابة لوحة المراقبة لصحة الجسد؛ يقدم أدق المؤشرات ” فين كنتي؟ ومنين جيتي؟”، ومن هذه المؤشرات نسبة استهلاك الكالوريات في كل دقيقة وثانية. قبل التفكير في انتعال ” السبردية” فهي تلبسنا كنوع من المس، وتصبح، إن صحت الاستعارة، من مظاهر ما بعد الحداثة : “الجلابة مع السبرديلة ” كتعبير عن طريقة فعالة لتصحيح المسار على الأقدام بشكل يحافظ على الجوهر. أم أن الحذاء الرياضي هو وجه من أوجه مشروع الحداثة الذي لم يكتمل بعد؟ في انتظار معطيات جديدة تدخل ” السبرديلة ” لسوق المزادات العلنية (حذاء مايكل جوردان نموذجاً).

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 6

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 13

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا

صوت وصورة
ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 16:20 4

ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب