رحيل من الطبقة الوسط

رحيل من الطبقة الوسط
الخميس 7 فبراير 2013 - 14:22

رحم الله المثقف والأستاذ والمناضل إدريس بنعلي، الذي أسلم الروح لبارئها، نهاية الأسبوع الماضي، بعد رحلة حياة حافلة بالإنتاج العلمي والنقدي لنظامنا الاقتصادي. كان الرجل أستاذ اقتصاد من طينة نادرة. لم يكتف بدروس الجامعة كما يفعل الكثيرون، ولم يسجن نفسه في تقارير الخبرة للمؤسسات الدولية كما يفعل الكثيرون، ولم يبق حبيس حديث الصالونات المكيفة التي تنتقد السياسة والقرار في المملكة من وراء دخان السيجار الكوبي الفاخر، حتى إذا خرج أصحاب الصالونات إلى أشعة الشمس غيروا من خطابهم، ووضعوا الصراحة جانبا، ولبسوا أقنعة النفاق وتحدثوا لغة الخشب.

إدريس بنعلي كان يتكلم كما يفكر، ويكتب من دواة قناعاته، ويبدي رأيه دون أن ينتظر وقع الكلام على السلطة. لقد فرحت قلاع الريع الاقتصادي لأنها تخلصت من صوت مزعج كان يشهِّر بها، ويفضح خططها ويعري ألاعيبها.

كان الراحل يشرّح السياسة بمبضع الاقتصاد، ويبحث عن السلطوية في حقل المال والأعمال، لا في مجال الخطب والتصريحات وصراعات السياسيين. كان يعتبر أن اقتصاد المملكة لا هو بالليبرالي ولا هو بالاشتراكي، وأن مخططات المغربة، كما سياسات الخوصصة، لم تفد اقتصاد البلاد، وأن الريع، أي عائد المال الذي لا يأتي على ظهر العمل والإنتاج وخلق القيمة المضافة، لم يعد يسكن في بيت الحاكم ونخبه، بل صارت له شهادات إقامة وسط المجتمع وثقافة القاعدة، التي صارت هي الأخرى تجري خلف الريع والامتيازات والهمزة…

كان يفسر الانقلابين العسكريين الفاشلين في بداية السبعينات في الصخيرات وعلى متن الطائرة الملكية القادمة من فرنسا بالرشوة التي كانت تخترق النظام، والتي لم يتقبلها جيل العسكريين الذين صدموا بفساد الطبقة السياسية، ومن ثم انزلقوا إلى مغامرة الانقلاب. كان يشرح سياسة المغربة والتأميم في السبعينات بأنها كانت سياسة ترمي إلى خلق «زبناء» للدولة في الحقل الاقتصادي، ورشوة نخب الاستقلال حتى لا تفكر في اقتسام القرار مع صاحب القرار، ولم تكن البتة سياسة المغربة تهدف إلى خلق بورجوازية وطنية من أجل تطوير اقتصاد المملكة.

كان بنعلي متابعا جيدا لحركة الاقتصاد وأرقامه، ولسلوك الساسة وصراعاتهم، ولهذا وجد في الحقل المدني متسعا لأخذ مسافة إزاء كل الأطراف، وممارسة النقد وتفكيك الخطابات وتحليل الوقائع.

لما أطل الربيع العربي، كان إدريس بنعلي حاضرا وسط هذا الحراك. تحول إلى اسم بارز وسط القليل من المثقفين المغاربة الذين كانوا في الموعد. أصبح يحاضر بفرنسيته الرائعة وأسلوب تواصله البيداغوجي مع الشباب في المدن والقرى والمناطق البعيدة. وعندما انتهى الحراك المغربي إلى ما انتهى إليه، قال: «إن حركة 20 فبراير لم تنجح في المغرب لسببين؛ أولا: ضعف نظام التربية والتكوين وسط المجتمع. ثانيا: ضعف الطبقة الوسطى في المغرب».

كان الراحل يسخر من دعاية الحكومات المتعاقبة التي تتحدث عن الإقلاع الاقتصادي في المغرب، ومخططات النمو الوردية، وبرامج التنمية المستدامة. كان يقول ويكرر أن عافية الاقتصاد في تناول أربعة أدوية ضرورية للحياة وهي:

-1 نظام للحكامة والتدبير شفاف وديمقراطي وخال من الفساد والرشوة والريع. نظام يراقبه برلمان ومؤسسات ديمقراطية مبنية على نسبة مرتفعة من المشاركة وقواعد لعب واضحة.
-2 نظام للتعليم بأهداف محددة، وفي مقدمتها: إنتاج القيمة المضافة. فمدرسة أو جامعة لا تنتج عقولا مبدعة وسواعد منتجة وخبرات لها قيمة مضافة، لن تخدم الاقتصاد، بل ستزيد عبء الاقتصاد غير المنتج.

-3 نسبة نمو مرتفعة في حدود 7% على مدار عشر سنوات على الأقل، حتى تتمكن البلاد من استعادة عافيتها، والانخراط في دورة الإنتاج العالمي بأولويات مضبوطة وقدرة على التقييم والمحاسبة والمراجعة.

-4 سياسات عمومية توسع من حجم الطبقة الوسطى حتى تصير هي قاعدة الهرم الاجتماعي، فبدون طبقة وسطى تبادر وتنتج وتستهلك وتطور آليات الاقتصاد في البلاد، لن نصل إلى أي إقلاع اقتصادي. وعندما نقول طبقة وسطى فهذا معناه إطار ديمقراطي ومؤسساتي يحتضن طموحات هذه الطبقة، ويتطور مع فكرها واختياراتها الفردية والجماعية.
إنها من أبرز دروس الراحل بنعلي، وغيرها كثير. إنه مثال المثقف الذي يقول الحقيقة للسلطة، لا ذلك المثقف الذي يلعب بالحقيقة من أجل عيون السلطة. رحمك الله يا إدريس بنعلي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • قارىء
    الخميس 7 فبراير 2013 - 14:51

    من أحسن المقالات التى اطلعت عليها باسمك،في المقالات الأخرى اشعر كأنك تخاطب بالمرموز رموزا او مؤسساتا عبرنا ومن خلالنا ورحم الله الاستاد ،وما لا يعرفه الا القليل ان أرشيف التلفزة يحتوي على مسرحية كان بنعلي مشاركا فيها وسبق ان قدمت التلفزة المغربية من خلال حوار معه ندبة له ومنها .

  • omar sadik
    الخميس 7 فبراير 2013 - 15:09

    كان يبدو عليه أنه لا يملك سوى مرتبه, فالرجل صريح حد الصدمة ومحلل كبير بحيث يفهمه حتر الامي .رحمات الله على الرجل ما أحوجنا الى أمثاله

  • marrueccos
    الخميس 7 فبراير 2013 - 15:10

    كما كان ضيف القناة الثانية يغني صفحة الإقتصاد في نشرة الأخبار بالفرنسية سابقا ولطالما حذر من التلاعب ببرنامج تأهيل المقاولات المتوسطة وإستغلال المال العام لتعميق ضعف تنافسيتها بتكريس نظام الريع الذي إمتطى خطاب التحديث والعصرنة !
    إن أردت قراءة مجتمع فإفتح عينك على صفحات إقتصاده ! إن بدت لك مغارات علي بابا فإعلم أن باب كنوزها مرصودة عند مالك كلمة السر ! إقتصاد الغموض في دولة الغموض يعوض فيها القانون بأصحاب النفوذ ! التنمية فيه خطوة إلى الأمام وعشر خطوات إلى الوراء !

  • عبد الإله أبوياسر
    الخميس 7 فبراير 2013 - 16:50

    التفاتة طيبة و مباركة، و واجبة، في حق فقيدنا الكبير، رحمه الله.بارك الله فيك ياسي بوعشرين:فلا يعرف قدر الرجال إلا الرجال،و لا يقدر قيمة العلم إلا العلماء، و لا يقيم قيمة الشرف إلا الشرفاء.

  • حسين-تنغير
    الخميس 7 فبراير 2013 - 19:42

    شكرا جزيلا أستاذ.مقال ينم عن متابعة.

  • مواطن
    الخميس 7 فبراير 2013 - 19:56

    جرت فضيحة جديدة بطلها مرة أخرى توفيق بوعشرين، الذي لم يعد يخجل من سرقة المال العام بشتى الوسائل والعيش على حساب مؤسسات عمومية، تحت مسميات عديدة، دون الحديث عن استفادته من الريع، وهو الذي يكتب كل يوميا مهاجما المستفيدين من هذا النوع من الاقتصاد، وآخر فضائح بوعشرين التي لن تنتهي على كل حال، الكشف عن فاتورة سمينة تركها الصحفي المدافع عن القيم والأخلاق، في أحد فنادق عاصمة النخيل، والتي تكلفت إدارة المكتب الشريف للفوسفاط بأدائها كدليل على كرم هذه الإدارة وسخائها مع من تحب

  • Taftechnaoui
    الخميس 7 فبراير 2013 - 21:16

    لقد كنت ممن يطالعون كتابات هدا الخبير الاقتصادي الفد ومن خلالها يعطي تشخيصا واضحا للآفات والمشاكل التي يعيشها الاقتصاد الوطني برمته بل ويتعداه ليعطي حلولا للحد من الريع الاقتصادي فرحم الله السي ادريس وألهم دويه الصبر والسلوان

  • A.B
    الخميس 7 فبراير 2013 - 21:21

    Si Bouachrine
    les vraies causes citées par le défunt M. Banali qui ont mis le mouvement 20 Fev à mi-chemin sont

    Formation et éducation faibles
    Elite politique médiocre
    Et non pas la faiblesse de la classe moyenne au maroc comme vous l'avez affirmé
    Merci de tes propos sur notre professeurDriss Benali
    Quant à la classe moyenne du Maroc déjà faible, se dégradera encore beucoups plus avec le projet de réforme de la caisse de compensation car elle en est la cible essentielle. Qelle drôle de politique

  • مغاربي
    الخميس 7 فبراير 2013 - 21:25

    أصحيح ما يقوله المتداخل رقم 6_ مواطن؟

  • Marocain
    الخميس 7 فبراير 2013 - 22:30

    Un témoignage sincère dans lequel vous avez exprimé tout l’estime et toute la considération que méritait ce grand homme qui a vécu dans l’honnêteté et l’intégrité intellectuelle .C’est vrai que c’est un témoignage posthume mais il va constituer un pincement irritant pour les consciences qui ont vu en lui un élément qui dérange. Mais l’histoire, elle , va parler de lui aux générations futures.
    Je crois que la grandeur de cette homme, réside d’un autre coté, dans le fait qu’il était respecté et aimé par tout le monde, et cela est dû à la grandeur de son âme , à sa simplicité , à sa modestie .Le fameux proverbe arabe qui dit que « les épis mûrs, bien remplis de grains s’inclinent par modestie , alors que ceux qui sont vides, s’acharnent à garder la tête haute » ce proverbe là, s’implique bien sur le cas du regretté Driss Ben Ali. Nos sincères condoléances à sa famille , à ses proches et à tous ceux qui l’ont aimé.

  • mina
    الخميس 7 فبراير 2013 - 23:09

    " وراء دخان السيجار الكوبي الفاخر، حتى إذا خرج أصحاب الصالونات إلى أشعة الشمس غيروا من خطابهم، ووضعوا الصراحة جانبا، ولبسوا أقنعة النفاق وتحدثوا لغة الخشب."
    اذا كنت لا تستحيي فقل ما شئت السي بوربعين ….فقد أذنبت مرتين….تنصب نفسك مصلح اجتماعي ….وأنت تتاجر بأعراض الناس
    …..وثيقة دفع المكتب الشريف للفوسفاط لفاتورة 7000 درهم بفندق فاخر لك ولأسرتك …ليس لسواد عينيك بل لأنك تروج ما يمليه عليك سادتك…..

  • عادل
    الجمعة 8 فبراير 2013 - 10:35

    تشخيص الواقع الاقتصادي المغربي لا يخرج أبدا عن العموميات، مثله في ذلك مثل تشخيص الواقع التعليمي المغربي والواقع السياسي والواقع الثقافي. ما يحسنه خبراؤنا هو حديث العموميات، وهو حديث بلاغة وإنشاء. الاقتصاد إجراءات وخطط دقيقة ومحددة، وليس تفسيرا بلاغيا: ما معنى «إن حركة 20 فبراير لم تنجح في المغرب لسببين؛ أولا: ضعف نظام التربية والتكوين وسط المجتمع. ثانيا: ضعف الطبقة الوسطى في المغرب». هذا ليس تفسيرا اقتصاديا بل تفسيرا إنشائيا. حين نجحت الثورة الفرنسية، كان المجتمع الفرنسي أميا وجاهلا، وكانت الطبقة الوسطى في فرنسا غير موجودة، ورغم ذلك نجحت الثورة الفرنسية لأنها قادها مثقفون وفلاسفة كبار: فولتير، ديدرو، مونتسكيو، دالامبير..في المغرب ليس لدينا امثال هؤلاء، لذلك اقتصادنا متهالك، وتعليمنا عقيم، ومثقفونا منافقون، وسياسيونا مجرمون، وشعبنا مكلخ، وإعلاميونا انتهازيون. فما الذي تحدثنا عنه يا السي بوعشرين؟ من نصدق: أنصدق الضحالة التي تحيط بنا من كل جانب أم نصدق ان من المغاربة من كان يحسن تشخيص الواقع الاقتصادي لكنه مات؟ رحم الله إدريس بنعلي وكل الذي ماتوا بحسرتهم في هذا البلد.

  • حنين طالبة
    الجمعة 8 فبراير 2013 - 13:42

    كم كان صدى موت ادريس بن علي قويا ومدويا حد الفاجعة ، بل حد الصدمة على محبيه وطلبته وكل متابعي كتاباته وتحليلاته، وهو الذي عودنا من خلال مقالاته الجريئة على تشريح النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للبلاد وتشخيص اعطابه وتوصيف دائه ودوائه. كما كانت لغته عبر إطلالته من خلال وسائل الاعلام المرئية لغة سهلة يفهمها الجميع ولا تحتاج إلى خلفية معرفية وثقافية معينة.
    رحمك الله واسكنك فسيح جنانه وزرق ذويك ومحبيك الصبر عل تجاوز محنة الفراق واليتم، اجل إنه يتم معنوي وادبي لشخصية لطلماأحسسنا بالانتساب لها ولطالما أحتوت طموحاتنا من أجل مغرب ديمقراطي عادل، وموتك اليوم يزكي هذا الاحساس.ا

  • moncef
    الجمعة 8 فبراير 2013 - 17:42

    J'ai lu ton article publié hier à propos du lache assassinat de Choukri Belaid et j'ai vraiment détésté tes insinuations basses quand tu as minimisé de l'imporatnce de la gauche aujourd'hui sur la scéne politique.Tu dis que le martyre appartenait à des groupuscules qui s'activent seulement sur facebook ou sur des canaux de TV mais la réponse est venue aujourd'hui .Je suis sur que tu as suivi les obseques du martyre et tu as vu combien il etait aimé.Il etait integre pas comme ses journalistes qui ecrivent sur commande comme toi et qui militent dans des salons attrapant la moindre opportunité pour des dollars en plus.Lui il vivait dans une maison à loyer pas dans une villa comme toi et qu'on sait comment tu l'as achetè.Alors cesse de porter atteinte aux militants de la gauche honnetes et qui t'ont permis à acquerir le droit d'ecrire grace a leurs sacrifices quand toi et ton genre etiez cachés . Quelle opportunisme!!!!!!!!! .

صوت وصورة
السوق والغلاء
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 12:27

السوق والغلاء

صوت وصورة
التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 09:42

التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة

صوت وصورة
جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 00:16

جائزة الشيخ منصور لتصوير الخيل العربي

صوت وصورة
"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:31

"أونسا" يواكب خيول معرض الفرس

صوت وصورة
المغرب يستعد لمونديال البيتزا
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 22:30 5

المغرب يستعد لمونديال البيتزا

صوت وصورة
اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 20:12 3

اتصالات المغرب تعزز الثقة الرقمية