“أمي سترين. أنني أنا من يحبك أكثر. سأصبح ملء القلب والفم والكيان منشدا لك: عشقي فيك مؤبد” محمد برادة، لعبة النسيان.
في يوم عيد الأم يذكر الناس أما وأذكر اثنتين، الثانية فقدتها من قريب والأولى من زمان. كانت الأولى غالية العشق، والثانية ربيعة القلب، عوضا عن ضياع الأولى وبلسما لمرارة الفقدان. كانت زكية النفحات، عبير اللحظات، أجمل الأمهات. تحيي في لقائها زهرة الطفولة حتى وأنا ما فوق الكهولة. كانت تنتظرني، حين أعود من البعيد. يخفق القلب إلى حنانها، يشتهي لطفها، حديثها الشهي الذي يحمل في طياته سرا، عشقا كان يشدني بأغلال الشوق إلى مدينة فاس. كان لقاؤها عينا معينا، تنبع منها حرارة الوجد وكلماتها الطالعة من عالم الصفاء، الذي يوثقني بميثاق العودة، لأن هناك من ينتظرني في الضفة الأخرى بعيدا عن عالمي الذي تصدعت فيه العلاقات. ذات ليلة من ليالي الربيع الدافئة، كنت عائدا من عمل مع مؤسسة “غوتة” في الرباط، فهتفت لها والشوق ينقصني من أطرافي، إنني سأطرق بابها في العاشرة ليلا؛ غير أن القطار القادم من مراكش المتوجه إلى فاس حلف يمينه على أن ينقض شوقي واشتياقي إلى أمي الثانية، ويرغمني على أن لا أفي بوعدي، فماطل التأخر تلو التأخر وأنا أكتوي بنار اللقاء بربيعة قلبي. كنت كلما أعلن في محطة القطار المدينة أنه قادم إلا وبادرت لأهتف لها وأبشرها وأبشر نفسي مثل طفل وجد ضالته بعد انتظار طويل بأنني سأطرق بابها في ساعة متأخرة عن الموعد الذي أنبأتها به. لقد كانت لعبة عبثية سادية بيني وبين السكك الحديدية. راودتني بها هذه الأخيرة عبر ذلك القطار الخمول غير الآبه بما يعتريني من شوق وعذاب، لتزيد السكك من آلامي وعدم تحقيق أمنيتي باللقاء القريب بربيعة القلب أمي الثانية. كانت كلما هاتفتها مغتاظا يشد الحنق بتلابيبي من هذا التأخير المتكرر والمتماطل، المصر على عذاباتي وتأجيج قلقي، إلا ويمنحني صوتها نفس صبر طويل ويقين ثابت غير مرتاب، ويشد من عضدي. كانت كلماتها تمسح صدري وتعطيه اليقين. كان جوابها مثل نفحات تعبر المساحة المتأججة في صدري، وتطمئنني أنه سيكون بيننا اللقاء، فتجيبني بكل ذلك الارتياح وتلك الأناة والصبر الأيوبي:
“هنا كنعاينك، يا ولدي، فوق ما جيتي”.
من ناحية كنت أبتهج لصوتها الطري النافذ إلى وجداني، الذي رافقني كل مسافة الرحلة من الرباط إلى فاس، بل من برلين حتى اللقاء بها. كنت فرحا، لأنني لا أرغب في أن آوي إلى فراشي الليلة قبل أن أملي عيني بطلعة وجهها البهي، المشع بنور السر الذي لا تحيط به الكلمات. ومن ناحية أخرى، كنت أشفق عليها من أن أحملها ما لا طاقة لها به، وهي في سن متقدمة؛ لكن ذلك العشق الذي يجمعنا والشوق كان يحثنا معا حثيثا على أن يتحمل كلانا مشقة الليلة والسهر وبعد الساعات الفاصلة بيننا وبين ما سيكون بيننا منه أيام اللقاء والعناق والحوارات والأسئلة والاستفسارات. أياما كنت أفتتحها كل صباح بقبلة اليد، التي أحسها سر الله الذي وضعه في كفها، حيث يعود ذلك اللمس من شفتي لظاهر كفها وباطنه بطاقة متجددة. تمنحني قوة اليوم والأيام. كانت المسافة تلك الليلة بين الرباط وفاس مثل أمد الدهر، لم أغف فيها برهة ولم تأخذني فيها سنة من نوم، وكانت المشاهد والصور تتراءى أمامي مثل فيلم طويل مدته نصف قرن من الزمن.
في تلك الليلة بدأت أمرر الصور معها من بداية العلاقة بأمي الثانية، في متوسط السبعينيات من القرن الماضي، حيث أخذني ابنها البكر عبد الفتاح معه ونحن آنذاك معا في فرقة “مسرح الأقنعة” إلى دارهم بحومة “راس الزاوية”، بعوالمها السخية والسريالية، دار كبيرة مستندة إلى أحد أسوار المدينة القديمة. كان سكان هذه الدار يتعايشون مع العابرين والمقيمين ومع القطط والكلاب والحيات والفئران، فيحار الإنسان أمام شساعة الدار وعلوها وأمام هذا الخليط البشري والحيواني أن يصدق أنه في الدار أو أنه لا يزال في الشارع. يتوسطها صهريج كبير كان يمثل حاوية كبيرة يتوزع مه قديما الماء على الدور المجاورة وشجرة تين تخرج من جدار المدينة. عشنا تحتها “عشويات” من لعب “الكارطة” و”الضامة” و”تفراق اللغة”. في هذه الدار عشنا أمسيات ثقافية وحوارية مع شعراء وكتاب جمعتنا معهم فرقة مسرح الأقنعة كأحمد العراقي ومحمد بودويك وسالم كويندي ورشيد المومني وغيرهم. الآن، تحولت هذه الدار إلى روض للأطفال، حيث محيت معالمها وشوهت هندستها. ثم انتقلت أمي ربيعة إلى دار بحومة باب الحمرة، حيث كنا نجتمع في بيت في مدخل الدار كان يسكنه ابنها البكر الوحيد بين ثلاث بنات عبد الفتاح. هذا البيت، الذي طوله ثمانية أمتار وعرضه متران، أطلق عليه اسم قصر النملة، كان هو الآخر يعرف الحوارات الفلسفية والنظريات الفنية والمسرحية الساخنة وتخطيط أشغال الفرقة المسرحية. كان محجة نهارها كليلها موزعة بين الحديث عن المسرح والسينما وما يدور في الساحة الثقافية المغربية. ثم دار بحومة الخراشفيين، دار صغيرة الحجم، لكن لها عشقا وتأثيثا فنيا، يعبر عن ذوق “السماق والتاويل” أمي ربيعة. ثم كانت دار حي سيدي أحمد بن يحيى، دار أندلسية الطراز الهندسي، رحبة الفضاء سيحولها لاحقا فرنسي إلى دار ضيافة. أذكر في إحدى الأمسيات الصيفية في هذه الدار، ونحن مجتمعين في صحنها أبناء وبنات وأحفاد، قادمين من الدار البيضاء ومن فاس ونواحيها، ومن ألمانيا والتلفزيون يصدح والكبار يتحدثون والصغار يلعبون وكلهم عن التلفزيون لاهين، ولا أحد مستعد لإيقاف هذا الجهاز وضجيجه وكلما حاولت أنا أن أوقفه أسمع من كل الجهات: “لا خليه شاعل. كيونسنا”. ثم خطرت لي فكرة، قلت مع نفسي، لا ملجأ من هذه الصداع التلفزيوني إلا أمي ربيعة. فبادرتها بسؤال ينطوي على حيلة:
“هل تذكرين أمي نهاية حكاية سالف لونجا، لقد نسيتها”.
في الواقع، لم أكن قد نسيت نهايتها؛ ولكن أردت أن أستعيد من خلال سؤالي هذا حيزا ولو ضئيلا من ذكرى الزمن الماضي، حين كنا نتحلق حول أمنا، أو داخل فراشنا نسمع منها حكايات وأساطير، عن “سبعة دالفرحات وسبعة دالقرحات” أو عن “لالة عويدات”، أو عن “ميات حيلة وحلية” أو “هنا والغول”… إلخ.
بدأت أمي ربيعة، التي منذ أن حجت إلى مكة، أصبح اسمها، “الحاجة” بدل اسم أمي. بدأت بصوتها الندي الهادئ، وطبعها المتأني اللطيف، تقص علي وحدي حكاية سالف لونجا. لم يمض وقت طويل حتى بدؤوا ينضمون إلى الاستماع إليها، واحدا تلو آخر، وفي لحظة، تجمع الكل من حولها. توسد حفيد فخذها الأيمن، وحفيدة فخذها الأيسر، وثالث جلس بين يديها، ورابع أخذته الغيرة فأراد أن ينحشر هو الآخر بين يديها، فأجلسته في حجرها. والكل كبارا وصغارا مولين وجوههم شطر مكان جلوسها، عالقة أعينهم بشفتيها، كأن كل واحد منا، على موعد مع لؤلؤة، ستنزل من فمها، ويريد أن يتلقفها حتى لا يسبقه أحد إلى التقاطها. أطفأت التلفزيون عن بعد، لم ينتبه إلى ذلك أحد، ومن انتبه إلى ذلك لم يعبأ بما فعلت. انتهت حكاية سالف لونجا، وتلتها حكاية أخرى ثم أخرى. مرت قطعة من الليل، وحين انتهت الحكاية الأخيرة من تلك الليلة، التفت من حولي، فرأيت الكل نائما، ولم يبق من الجمهور المستمع للحاجة إلا قليل من الكبار. لقد كان لصوتها سر مثل منوم مغناطيسي، أو غبار سحري ذر على العيون فجعلها تنام سريعا. لقد أدركت عندها سر الكلمة وسحر الحكاية. لقد أحسست بغبطة وسرور، حين وفقت ولو على الأقل تلك الليلة، أن انتصر للصوت وللخيال الإنساني، على صوت والإغراء الإلكتروني الأجوف.
وأخيرا وبعد عناء من الأشواق، وصل القطار ركبت، في ساعة متأخرة من الليل وأنا مثل غيري من منتظري القطار نفوض أمرنا إلى الله، حيث لم يجدنا كيل لعنات الله والملائكة والناس أجمعين على السكك الحديدية. تنفست الصعداء وأنا أخرج من محطة قطار فاس، أخذت سيارة أجرة إلى شارع لسان الدين ابن الخطيب، حيث كان سكن الحاجة. كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا، طرقت بابها، متأخرا عن الموعد الذي ضربت لها بأربع ساعات ونيف. كانت لا تزال تنتظرني، وقد أعدت المائدة كعادتها وعليها ما لذ من الأكل، ذي المذاق الذي لا يضاهيه مذاق. كانت تنتظرني صابرة محتسبة مثل “أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها”. في اليوم التالي، نعد معا وجبة فطورنا ونجلس لنتناولها أمام شجرة الرمان وشجرة الرند. ثم تبدأني بجملتها، الخالدة في كل زيارة:
“راني ياوليدي موجدا لك شحال ديال الشغالات فالدار. ولكن حتى ترتاح”.
ما إن أسمع هذه الجملة، حتى أقول لها، “لنبدأ الآن”. أبدأ في إصلاح وتركيب كل ما فسد في غيابي. وهي مصرة على أن لا يلمس أحد شيئا وترفض أن يأتيها أحد “بالمعلم” حتى أعود أنا. إنني أجد في ذلك لذة وغبطة، لأنني أرى في ذلك تعبيرا قويا عن محبتها لي. لا أخرج من الدار ثلاثة أيام، فتكون أمي ربيعة لي وحدي. الآن أفتقد طيبة معشرها، وحسن تدبيرها، أفتقد حبها غير المشروط الذي لا ينتهي في ساعة ولا في يوم أو ليلة ولا في عمر برمته. لقد كانت أم الجميع وصديقة الجميع، وجدة الجميع، مغاربة كانوا أو أجانب. لها صديقات في عمر بناتها، فحيويتها تجذب كل من رآها ولو مرة واحدة. كان لها حضور قوي في الأفراح وفي المآتم. رغم المرض الذي كان لا يبارحها، فقد كانت تتغلب على نوائب الدهر والضعف والاستسلام للكآبة، بقوة نظرة إيجابية وإرادة. لا تسكن إلى الشكوى ولا تميل إلى الكآبة تستقبل الأشياء كما هي وتحاول أن تجعل منها أفضلها. فإذا غامت السماء ترى في ذلك ظلا ورحمة، وإذا كانت في نزهة مع أولادها فسقط المطر وتأفف الكل منه لأن “النزاهة” ضاعت، تقول هي:
“شوفوا على منظر شحال غزال، عمركم تنزهتوا فالشتا”.
كانت كل ما يبدو سلبيا تهزمه بقوة الإرادة وحب الحياة. كانت تحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.