الكرة والجنرال

الكرة والجنرال
الثلاثاء 30 ماي 2023 - 14:03

يبدو أن مصطلح Obsession، -أي الهوس- هو الأقرب للتعبير عن الحالة “المرضية” التي يعاني منها النظام الجزائري، والتي تجاوزت مرحلة الأعراض، لتتحول إلى حالة مزمنة مستعصية على العلاج.

هذه الحالة الفريدة في “السياسة الدولية”، لا نجدها اليوم مثلا حاضرة حتى في الحرب الروسية على أوكرانيا، التي أصبحت لها أبعاد دولية، بل إنها بمثابة السطور الأولى في صفحة نظام عالمي جديد مختلف تماما عما قبله.

لا تنقطع مضحكات و”مغربات” النظام الجزائري، الذي لا يشعر بالحرج، ولا يتغير لون وجه مسؤول من مسؤوليه حتى حين يضبط متلبسا بالكذب والافتراء.

بل لا تبدو في الأفق أية نهاية لهذا الانحطاط الذي لا يليق بكيان يدعي أنه دولة ثورية قامت على دماء وأشلاء ملايين الشهداء.

وحتى لا يتهمنا أحد بالمزايدة أو التجني، تكفي متابعة وسائل الإعلام، وكلها رسمية حتى لو تدثرت بشعار “الاستقلالية”.

لا نظن أن هناك إعلاما على امتداد النقط المشتعلة في أي مكان من العالم، موضوعه الرئيسي التهجم على الجار، على مدار الساعة، إلى درجة أن البعض صار ينكت على الإحصاءات المتعلقة بـ”هوس” وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية التي تخصص وفق معطيات إحصائية دقيقة وموثقة، 60% من موادها للمغرب، مقابل 4.5% فقط لأخبار “الدولة” الجزائرية نفسها.

وهو رقم يصبح له مدلول خاص، حين نعكس هذه الأرقام، حيث تخصص وكالة المغرب العربي للأنباء، أقل من 4% من مجمل قصاصاتها ومقالاتها للجزائر، رغم أن حق الرد يبرره قول الشاعر “لكل كلام يا بثين جواب”.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن المغرب حاضر بشكل “مَرَضي” في معظم البرامج الحوارية والمواد الإخبارية في الفضائيات “المستقلة” و”العمومية”، إلى درجة أن لفظ “المروك”، يتكرر يوميا في “بلاطوهات” الجيران، وبأضعاف مضاعفة عن تكراره في الإعلام الوطني خلال أسبوع أو أكثر.

والغريب في الأمر، أن اسم وزير الخارجية بوريطة الذي كان الهدف المفضل لعمليات القصف الكلامي تراجع كثيرا، خلف اسم رئيس جامعة كرة القدم، الذي يخيل لمن يتابع الهجوم اليومي عليه، بأنه يتحكم في الكاف والفيفا وحتى في الناسا والمحطة الفضائية الدولية، بما أن الكواكب والنجوم كروية الشكل.

لا أحد يستطيع أن يفهم كيف تتحول “كرة القدم” إلى وقود لهجوم متواصل على بلد جار، مع أن الرياضة عموما، مسرحها الملاعب، وهدفها نشر قيم التسامح والمنافسة الشريفة، اللهم إلا إذا كان نظام العسكر الشرقي، مازال يعيش في زمن حرب “المائة ساعة” التي اندلعت بين السلفادور والهندوراس نهاية ستينيات القرن الماضي، حيث كانت مباراة إقصائية بمثابة الشرارة التي فتحت الباب أمام مواجهة عسكرية كانت لها أسبابها ومسبباتها “الموضوعية” البعيدة عن “الجلدة” المتدحرجة.

إن الشحن المتواصل للشارع الجزائري، وتصوير المغرب على أنه السبب في كل الهزائم الكروية، سيكون له مفعول عكسي حتما، لأنه سيرسخ قناعة أن “المروك” قوة كبرى بدليل أنه نجح في تهميش “القوة الضاربة” ومحاصرتها وحرمانها من “حقوقها”.

إن مشكلة الأنظمة العسكرية الشمولية، أنها تفكر بمنطق “التعليمات”، فهي لا تحتاج إلى دراسة أو حتى تفكير، ولا تستشير ولا تقبل النصيحة، وهذا ما يوفر لخصومها “ذخيرة” حية وكافية لإصابتها في المقاتِل.

فالإعلام الذي تم تجييشه لترويج “أسطورة” أن “كان 25″، أصبحت في جيب دولة الجنرالات، فقط لأنها بنت أو أعادت تهيئة خمسة ملاعب، أصبح اليوم يُعِد المواطن الجزائري نفسيا، لـ”هزيمة” أخرى أمام “المروك” في “كواليس” الاتحاد الإفريقي، بعد شهور من الشحن والتعبئة والوعد بالنصر المبين، لا تتعلق بدورة 25 بل أيضا بدورة 27 التي قد لا تكون القشة التي يتمسك بها الغريق.

إن العدو الأول للنظام الجزائري هو غباؤه المزمن.

فتحويل الرياضة إلى جبهة جديدة للمواجهة مع المغرب، لن يكون في صالحه، بل سيجعله في وضع من يطلق النار على قدمه، لأن شهورا من النفخ في فقاعة “القوة الضاربة”، سينتهي إلى انفجار هذه “الفقاعة” في حجر أصحابها، بما أن “البروباغندا” على طريقة زمن الحرب الباردة، لن تغير حقائق الواقع التي لم يعد ممكنا التغطية عليها في زمن ثورة المعلوميات.. ومن هذه الحقائق مثلا أن عاصمة واحدة من عواصم السياحة المغربية تتوفر على عدد أسرة ربما أكثر مما تتوفر عليه كل فنادق دولة بحجم قارة… ومع ذلك تعتبر أن تنظيم تظاهرة رياضية قارية، أمر يتطلب فقط “الجبهة والسنطيحة”؟

أقول إن العدو الرئيسي لنظام العسكر هو الغباء المتأصل، لأن الجيل الجديد من الحروب، يحتاج إلى “القوة الناعمة”، أي الإنجاز في صمت، لا إلى الضجيج أو التهريج الإعلامي، وقرع الطبول الفارغة.

فكل ما تغزله وسائل الإعلام الموجهة، ينقضه سائح جزائري واحد يدخل المغرب من أية بقعة في العالم، باستثناء بلده، حيث يكتشف ويكشف لمواطنيه، أن الواقع مختلف قطعيا عن الصورة التي ترسمها صحافة العسكر، وتراهن على سرعة النسيان وضعف الذاكرة.

فمن يذكر اليوم الحملة التي رافقت عدم تجديد اتفاقية أنبوب الغاز، ووعيد أبواق القوة الضاربة للمغرب والمغاربة بالعودة إلى زمن الشموع، مع أن تحليلات نشرت مؤخرا، أوحت بأن عدم التجديد كان فعلا مقصودا تم التخطيط له مسبقا في إطار استراتيجية “دولية” استباقية لغزو روسيا لأوكرانيا، لضمان التحكم في تدفق الغاز إلى أوروبا؟

ولم لا تتطوع جهة رشيدة للقيام بالعمليات الحسابية الضرورية لتحديد حجم خسائر دولة الجنرالات من هذا القرار الأرعن؟

ومن يتذكر التهديدات المتكررة بالرد والانتقام، عقب “اعتداءات” مفترضة اتهم المغرب بالوقوف وراءها، قبل أن يتم الانتقال إلى “موضوع” آخر، دون رد فعل يذكر باستثناء تصريف فعلي “أرغى وأزبد”؟

لا أحد ينتظر إجابة عن هذه التساؤلات لأن نظام “العسكر الشرقي” غير قادر على الحرب، وغير مستعد للسلام.. ويفضل خسارة كاملة على علاقة مبنية على مبدإ “رابح/رابح”.

ومن هنا فإن الرهان على تغيير هذه العقلية هو من باب إضاعة الوقت، في لحظة تدور فيه عجلة التاريخ بسرعة غير معهودة..

فهل نعيش إلى اليوم الذي يحكم فيه الجزائريون بلدهم بأنفسهم، بعيدا عن قبضة “المعمرين الجدد”؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • مصطفى يعكوبي
    الثلاثاء 30 ماي 2023 - 16:12

    كل التوفيق الأستاذ التهامي بهطاط ونتمنى للإخوة الجزائريين الهداية و الرزانة

  • علال
    الثلاثاء 30 ماي 2023 - 17:22

    الحراك قال كلمته الحاسمة حين رفع مطلب الاستقلال ودولة مدنية ماشي عسكرية.. مخابرات إرهابية تسقط المافيا العسكرية
    لما تتحقق الدولة المدنية في لانجيري لن يبقى هناك لا نزاع مع المغرب ولا تدخل في شؤون تونس ومالي وليبيا وموريتان.

    ارفع القبعة للكاتب

  • ممد فضيل
    الثلاثاء 30 ماي 2023 - 17:51

    صدق من قال 10 في عقل
    للاسف بدل العمل على تنمية الجزائر و إنقاذ الشعب من براثين الجهل و الفقر و مسايرة الدول فيما هو تنموي بقوا يعيشون على أمل الانتقام من ممن قدم لهم كل معروف ايام الشدة و الظلم

  • هدى
    الثلاثاء 30 ماي 2023 - 21:20

    غباء النظام الجزائري لا يعادي النظام المغربي فقط بل يعادي كل ما هو مغربي و الدليل واضح على القنوات و الصفحات الجزائرية و أيضا شحنه لشريحة واسعة من الجزائريين لكره المغاربة عامة و تحريضهم ضد المغرب . تحياتي لكم

  • Amaghrabi
    الأربعاء 31 ماي 2023 - 08:19

    المشكلة في العصابة العسكرية الجزائرية التي تملك القرار الجزائري والتي تسبح ضد التيار والتي لا تدري ولا تدري انها لا تدري ورفع عنها القلم وهي تتصف بالاخلاق المذبومة طعا ولا تطبعا من جهل وحماقةوغباء وسفاهةوغدر وحقد وجنون وحسد وووووو, زكما قال الشاعر”لكل داء دواء يستطب به الا الحماقة اعيت من يداويها والاحمق يحمل ما يضره مع علمه لقبحه وجواب الاحمق او السفيه السكوت,فلا حول ولا قوة لنا الا ان نوكل الله سبحانه وتعالى ليبعد عنا شر العصابة العسكرية الجزائرية التي تؤذي شعبها قبل جيرانها وان شاء الله اجلهم قريب وتعود العلاقة الطبيعية بين الشعبين الشقيقين ان شاء الله

  • متتبع
    الأربعاء 31 ماي 2023 - 11:42

    يقول المثل المغربي “الا كان المتعلم حمق المعلم يكون بعقلو”.اذا كان المتعلم اخرق فيجب على المعلم ان يكون ذو عقل.فما بالك اذا انضاف الى الحمق والخرق الحقد والحسد والضغينة.فما علينا نحن المغاربة الا ان ترك حمقى حكام الجزاءر وحالهم.يخربون بيوتهم يايديهم وايدي المؤمنين.
    وندعو للاخوة الجزاءريين ان يخلصهم الله من هؤلاء المرضى.

  • نظام في صالحنا.
    الأربعاء 31 ماي 2023 - 20:12

    أتمنى من كل الأعماق أن يستمر هدا النظام عند الجيران،إنه يعمل لصالحنا،
    إنه يساهم تاطير الشعب المغربي وشحنه لا قدر الله وقعت حرب،فستدهل كل مرضعة عما أرضعت،لتشارك في الحرب.وكما قال أحد المعلقين ،يخربون بيوتهم بأيديهم.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 15

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة