12 يونيو..عرس الديموقراطية..مأتم الوطن

12 يونيو..عرس الديموقراطية..مأتم الوطن
السبت 20 يونيو 2009 - 22:56

كالعادة تحولت محطة 12 يونيو إلى “عرس” ديموقراطي، على الأقل بناء على تصريحات المسؤولين الحكوميين والفاعلين الحزبيين، فضلا عن الإعلام العمومي الذي استعاد قاموس زمان عن التلقائية والانخراط الكلي ودولة المؤسسات والمسلسل الديموقراطي والمغرب الجديد. بعيدا عن لغة الأرقام ومن فاز ومن انهزم، هناك ملاحظات خطيرة لم ولن يتوقف عندها أحد إطلاقاً، لأننا اعتدنا ألا نشاهد وجوهنا في المرآة، بل نكتفي بتحويل متمنياتنا إلى واقع نحاول أن نقنع به الغير أيضا..ومن رفض تصديقنا فهو متآمر أو متحامل أو عدو مترصد أو مكابر جاحد.


أولى هذه الملاحظات أنه بعد مرور خمسة ايام كاملة على إجراء الانتخابات، لم تتوصل لا الصحافة الوطنية ولا الرأي العام الوطني بالنتائج الكاملة لاستحقاقات جرت في زمن ثورة الاتصالات والمعلوميات. والأدهى من ذلك أن الإعلان عن نتائج العاصمة نفسها لم يتم لا ليلة الجمعة ولا صباح السبت ولا حتى يوم الأحد، بمعنى أن الصحافة الوطنية كانت مطالبة بتجميع أطراف النتائج من مصادر حزبية أو من المرشحين الناجحين، لتبقى بعد ذلك الأمور نسبية وأولية وغير رسمية ولا نهائية. وهذا ما يقودنا إلى ملاحظة أخطر بكثير، تتعلق بدور الإعلام العمومي.


فليلة الجمعة الماضية لم تختلف في شيء عن باقي الليالي الانتخابية التي جرت زمن الرصاص والحديد والنحاس، نفس السحنات ونفس العبارات ونفس الممارسات التي تؤكد أننا لسنا أمام مرفق عمومي يقدم خدمة للمواطنين وإنما أما إدارة بيروقراطية لا يهما لا محيطها ولا أي شيء آخر.. لقد صدم كل الذين اعتقدوا أن التلفزة يمكن أن تتحرك بجد هذه المرة، وأية مناسبة أفضل من الانتخابات لتأكيد حصول تغيير من نوع ما؟ بكل أسف أظهرت هذه الاستحقاقات أن الإعلام العمومي يمكن أن ينجح في كل شيء ما عدا أن يكون إعلاما عمومياً بالمعنى المتعارف عليه في العالم.


برود وجمود تامان طبعا الليلة الانتخابية على القناتين، ليس مرده إلى “رقابة ” من أي نوع وإنما إلى ضعف العنصر البشري، وانعدام الكفاءة.. كيف نفسر مثلاً الإصرار على قراءة أسماء مرشحين ناجحين في دوائر فردية بجماعات قروية لا يعرفها أحد؟ بل وكيف يستمر البث -أو العبث لا فرق- إلى ساعات الصباح الأولى دون أن يعرف المواطن من النتائج سوى أن حزب الأصالة والمعاصرة حصل على الأغلبية المطلقة في جماعة تاركيست بأقصى الشمال وجماعة تفاريتي بأقصى الجنوب؟ بل حتى تحركات مبعوثي التلفزة سواء في جولاتهم على مقرات الأحزاب أو من خلال مراسلات مباشرة من عواصم الجهات، لم تخرج عن التهريج الإعلامي الصريح.


ما الذي يهم المواطن من كون وزراء بلا ربطات عنق يشربون الشاي والقهوة في مقراتهم الحزبية المركزية ويتبادلون الابتسامات ويتحدثون عن “نتائج” مبشرة لم يرد عنها أي رقم؟ ولماذا “سكن” المراسلون في محيط مكاتب الولاة على أمل الحصول على معلومة مجتزأة من هنا أو هناك تتعلق بنسبة المشاركة في أحسن الأحوال؟ مع أن العمل الإعلامي الحقيقي يتمثل في الحصول على أكبر كم من المعطيات ومن مصادر مختلفة؟ بكل أسف تصرف المراسلون كموظفين لا كإعلاميين، وإلا فقد كان بإمكانهم الحصول على نتائج جزئية من عدة مصادر..لكن أنى لهم ذلك إذا كانت نتائج العاصمة نفسها لم تبدأ في الاتضاح إلا بعد أكثر من 48 ساعة من إغلاق صناديق الاقتراع؟ الأدهى من ذلك أنه كان بالإمكان إعفاء المشاهدين من سماجة بعض المذيعين باعتماد الشريط الإخباري لإعلان نتائج بعض الجماعات القروية، لكن لا يبدو أن في التلفزة بقناتيها تقني واحد مؤهل للإشراف على هذه العملية التي تعتمدها حتى قنوات السحر والشعوذة؟ وربما يجد هذا الوضع تفسيره في الخطإ المهني الفادح الذي ارتكبه مدير القطب العمومي عندما فضل قضاء السهرة الانتخابية في مقر حزب الأصالة والمعاصرة، وهو تصرف لا يمكن قبوله تحت أي ظرف من الظروف، بل أستطيع أن أجزم أنه لو حدث في فرنسا التي نتغنى بها وبقوانينها، لقرأ السيد المدير العام خبر إقالته كخبر عاجل قبل أن يرتد إليه طرفه.


هو خطأ مهني لأنه صدر من شخصية يفترض أن تكون على نفس المسافة من جميع المتنافسين، بل إن زيارة المقرات الحزبية هو أمر غير مقبول مهما كانت متانة العلاقات الشخصية، وإلا فما المانع من أن يتجمع في مقر التراكتور الوالي وقائد الحامية العسكرية والوكيل العام..وغيرهم من المسؤولين المحليين الذين لا يجتمعون إلا للاستماع إلى خطاب ملكي، بل ما المانع من حضور أعضاء السلك الديبلوماسي أيضاً، ولم لا بعض الضيوف الأجانب؟ إن الصورة المهينة التي تداولتها مواقع إلكترونية عالمية، للسيد المدير وهو في وضع التابع للسيد الهمة المنشغل بإجراء مكالمة هاتفية ، وصورة التراكتور في الخلفية ، توحي حتماً بأننا نعيش زمن ما قبل الديموقراطية..الإعلامية على الأقل.


أما الملاحظة الثالثة وهي الأخطر، لأنها تؤكد انبعاث الماضي بكل شروره، فتتمثل في قبيلة “المحللين” الذين وجدوا الطريق ممهداً أمامهم لإظهار هزالة مستواهم. لنحدد أولا أن المحلل السياسي هو شخص يتوفر على معطيات لا يعرف كثيرون غيره، وله شبكة علاقات واسعة توضح الصورة أمامه، كما أنه يعتمد على منهجية علمية، فهو لا يمزج بين المتمنيات الشخصية والوقائع الفعلية. بكل أسف، فإن كل الذين أتيحت لهم فرصة الكلام أبانوا عن إسفاف تام، وعن رغبة شخصية في ركوب التراكتور في أسرع وقت. إن التحليل السياسي، مختلف تماماً عن “التلقين” المعتمد في تعليم الطلبة في الجامعات، ولذلك لا يمكن استظهار مفردات محفوظة ومملة من فرط التكرار، بل كيف يقبل من أستاذ قانون أن يقول إن الانتخابات الجماعية أدت إلى تغيير الخريطة السياسية؟ وهل سبق أن سمعنا عن تشكيل حكومة بناء على نتائج انتخابات جماعية؟ المتعارف عليه في الدول التي أنعم الله عليها بفضيلة الفهم، أن أقصى ما يمكن اللجوء إليه في حال هزيمة منكرة لحقت بالأغلبية الحكومية، أن يتم اللجوء إلى انتخابات برلمانية مبكرة، لإعادة ترتيب الأوراق، وهو على كل إجراء لا يمكن توقعه في المغرب.


أكثر من ذلك، فإن أحزاب الائتلاف الحكومي حصلت على 49,5 بالمائة من الأصوات، بل حصلت على 13732 مقعدا مقابل 11048 لأحزاب المعارضة المتصارعة أصلا في ما بينها؟ فأية خريطة سياسية هذه التي تغيرت؟ إنه منتهى الاستخفاف بالعقول، والذي بلغ أوجه من خلال حوار ادعى فيه أحد هؤلاء أن أكبر خاسر في هذه الانتخابات هو حزب العدالة والتنمية.. من حق المعني بالأمر ألا يحترم ذكاء القراء، لكن ما مبرر أن تقدم جريدة يومية مثل هذا الكلام لقرائها، دون أن تطلب من هذا المحلل تفسير نظريته هاته؟ بالسياسة أو بالحساب المجرد، فإن حزب العدالة والتنمية من أكبر الفائزين، بما أنه احتل الرتبة الأولى على صعيد الجماعات الحضرية، وبفارق كبير عن حزب الاستقلال الذي حل ثانيا، وبفارق أكبر عن الأصالة والمعاصرة الذي حل ثالثاً؟ بل كيف يكون الخاسر الأكبر وقد حل أولا بالرباط والدار البيضاء وطنجة وغيرها من المدن الأخرى الرئيسية، وهو مرشح للحصول على رئاسات من العيار الثقيل؟ إننا إذا أمام رغبة في إرضاء طرف معين أكثر من ممارسة التحليل السياسي بمفهومه الحقيقي.. الملاحظة الختامية، تتعلق بكون المغرب قطع كل هذا المشوار ليعود إلى نقطة البداية. إن الطريقة التي جرت بها الانتخابات، أكدت ألا شيء تغير من ممارسات الماضي، مادام الفوز يتطلب الاعتماد على “الأعيان”..مع فوارق بسيطة لكنها حاسمة.. فأعيان الماضي كانت لهم سلطة معنوية مشهودة إما لأسباب عائلية أو قبلية، أو إقطاعية، أو لأنهم كانت لهم كلمة مسموعة عند المخزن، أما أعيان هذا الزمان، فهم المرادف اللغوي للفساد والإفساد وشراء الأصوات والاعتماد على الشكارة في كل شيء لقد كان مغاربة الماضي أميين لكن وعيهم السياسي كان كبيراً، ولذلك اندلعت ثورات عدة غداة الاستقلال وفي كل مكان ضد الحكرة، بينما مغاربة اليوم أميون فعليون في السياسة والأبجدية ومستعدون لحل أربطة سراويلهم لمن يدفع أكثر.. لقد أخرت الحكومة التوقيت بساعة مؤخرا..ولا أدري ما الذي يمنعها من تأخير التاريخ أيضاً..


فلماذا لا نعود إلى الستينات، وبدل أن نكتب 12 يوينو 2009، لنكتب 12 يونيو 1960؟


*سكرتير تحرير أسبوعية أصداء

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • عزيز باكوش
    السبت 20 يونيو 2009 - 22:58

    لا يسعني ايها الوميل الا ان اشاطرك ماتفضلت به جملة وتفصيلا.
    ولله الامر من قبل ومن بعد

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول

صوت وصورة
أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 12:12 2

أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي

صوت وصورة
متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 00:40 1

متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس

صوت وصورة
ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:52

ميطا 3 | "أسود الفوتسال" يكتسحون الجزائر

صوت وصورة
"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 22:45

"إنوي" تطلق قافلة الألياف البصرية

صوت وصورة
"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 21:49 1

"اتصالات المغرب" تعزز الأمن السيبراني