زلزال الحوز .. بؤرة الصدفة والفاجعة

زلزال الحوز .. بؤرة الصدفة والفاجعة
السبت 23 شتنبر 2023 - 22:07

في أيام الفاجعة يستأسد الصمت، نخجل من الكلام ونشعر بفظاعة العجز، لكن أمام وجع الفاجعة وغياب القدرة على التحكم في أحاسيسنا، وأمام قوة اللامعبر عنه، يكون الحكي هو المنفذ المتاح الذي يمكن أن يمنحنا وهم استيعاب ما حدث والتحكم في تداعياته. نشاهد التلفزة، نتابع الأخبار، نجتر المشاهد، نعيد الاستماع لما تكرر حكيه من سرديات فاجعة الزلزال، نتابع في صمت “تلفزة الواقع”، ونستلهم من حكمة الناجين القدرة على الحكي وتطويع اللغة، من رحم الكارثة يخرج الأموات والرواة، كل كارثة تحافظ على الناجين لكي يحكوا عن الفاجعة…

هزة ارتجاجية بالمغرب، بؤرة زلزالية في الحوز، ثوان معدودة للفصل بين الموتى والأحياء، بين الهالكين والناجين، وللحسم بين من يكون تحت الأنقاض ومن يكون فوقها، بين الجثامين التي فلتت بجثثها الهامدة ورفات الأشلاء المتشظية.. كان يوم الجمعة 8 شتنبر حقا يوم التلاقي، “رمية نرد لا تلغي الصدفة” حسب قول مالارمي، فما أشبه زلزال الحوز بـ”رمية النرد”. حيث كانت منطقة الحوز بؤرة الصدفة والفاجعة. لم يختر الناس ما وقع لهم، لم يختاروا عزلتهم ولا عدمهم، لم يختاروا قدرهم…

الزلزال تعرية لفظاعة الموت الفاتك، داخل مشهد الحياة. إنه رعب الفاجعة، يضعك الزلزال على حافة الموت فلا تراه مؤجلا بل موتا محتملا، قبل كل حدث موت، يكون الموت مؤجلا لدينا، ويكون وهم الخلود هو نعيمنا، لكن مع كل موت فردي نتذكر فكرة الموت ونستحضر موتنا الخاص، فما بالك في حالة الموت الجماعي، كما حدث في كوفيد 19 وكما حدث في زلزال 23. مع كوفيد 19 كانت عملة النجاة هي الاحتماء بالداخل و”البقاء في المنزل”، وأثناء الرجة الزلزالية، كانت قشة النجاة هي الارتماء في الخارج و”الفرار من منازلنا”، إننا أمام لعبة القط والفأر والمطاردة القاتلة، لعبة الحياة والموت، الهلاك والنجاة، نستنجد بالداخل أو بالخارج، قد ننجو لكننا نعلم أننا لن نحقق انتصارا نهائيا على هكذا مصير، يا لها من قشة هشة… ففي مثل هذه اللحظات العصيبة لم يعد ممكنا حجب الموت، بل غدا شبح الموت مخيما، وأصبح الأمل في النجاة هو انتصارنا المؤقت، وخيط أمل رفيع في درب الاستمرارية. هكذا عشنا جميعا لحظة الهزة الأرضية، لحظة هروب جماعي من الموت، أو هكذا كنا نتوهم، غادرنا بيوتنا قبل أن تغدر بنا، كنا ننشد الأمان خارج مأمننا المعتاد، لكن وحدها الصدفة، جعلتنا غير قريبين من بؤرة الحوز حيث أدى الزلزال إلى انفجار الموت. عشنا لحظات الخوف من الرجة الأولى داخل منازلنا، حيث لم نكن ننتظرها، وبحثنا عن طرد الذعر بالبقاء في الخارج، حيث رعب الانتظار وبطء الزمن وعنف الترقب، نقرأ الخوف في عيون من نحب، قبل أن نستقرأه في دواخلنا، نخجل من عجزنا عن حمايتهم… ثم عدنا إلى عقر دارنا نداري الهلع الذي يسكننا بالتناد، عسى أن يهدأ خاطرنا ونطمئن على من ليسوا معنا، خوفا من لعنة الارتدادات، خوفا من الخوف…

لم نكن نعرف أن رمية النرد، ستستقر صاختها في منطقة الحوز، وستلحق الضرر على طول امتداد المنطقة: تارودانت ومراكش وشيشاوة وورززات، وستدك دكا بعض الدواوير. كنا نعرف الحوز بالاسم، كان معلما جغرافيا بالنسبة إلينا، الآن تعرفنا عليه بعنف الفعل، أصبح جزءا من تاريخنا ومن رجات ذكرياتنا وارتدادات نفوسنا. تعرفنا على قرى ودواوير لم نكن نسمع من قبل بها، ليس فقط لأننا لم نزرها، ولكن لأنها تقع على هامش الأخبار، وليست في أولوية القرار، وترفل في نعيم الاستقرار… الآن هي منطقة منكوبة، حقا لأن الزلزال ضربها، لكن ثمة تساؤلات لا يمكن أن نغض الطرف عنها: هل كنا نعرف حقا أن منطقة الحوز بؤرة زلزالية؟ وهل تهيأنا لضربات احتمالية؟ ألم يتعين بشكل استباقي الالتفات إلى هذه القرى النائية بجبال الأطلس الكبير وأخذ بعين الاعتبار صعوبة البيئة من أجل فك العزلة عنها في حالة تعرضها لأضرار الكوارث الطبيعية؟ أليست العدالة المجالية هي من صميم النموذج التنموي الوطني؟ ما الذي كان يتعين توفره بشكل استباقي لتذييل صعوبات الإنقاذ والإسعاف والمساعدة؟

حدث طبيعي، هزة أرضية، زلزال جيولوجي، يجعل الموت حدثا غير طبيعي ويجعل من الموت هزة وطنية زلزالا اجتماعيا وإنسانيا، يغتصب حياة الجماعة، حيث أصبح الموت جماعيا، هو المنذور في الأصل لكي يكون موتا فرديا. يا له من إحساس بالظلم والقهر والغصب. في جمعة التغابن كان الموتى عبارة عن قتلى… أحدث الزلزال تحويلا يعيد النظر في علاقة الحياة بالموت، فالموت الجماعي يفسد وهم إعادة إنتاج الحياة كقيمة فردية. هكذا حول زلزال الحوز عيش الناس المشترك، إلى موت مشترك، ومع هذا الموت الجماعي أصبح الموت نسقيا يشخص مشهد القيامة حيث الخيط الفاصل بين الموت والفناء منعدم.

لا نستطيع أن نوقف مد الزلازل وما تسببه من موت نسقي ومن خراب عمراني، ومن أضرار اجتماعية ونفسية، وما يترتب عنها من مآس إنسانية، لكن يمكن أن نوسع دائرة العيش الآمن والسكن اللائق، وطريق السلامة، للحفاظ ما أمكن على الحياة ولضمان الحق في البقاء.

فمعذرة ساكنة الحوز كان قدركم أن تكونوا على فوهة البؤرة، وأن يزج بكم في الخراب، وأن تحتموا بالعراء لكي نستمر نحن في منازلنا، معذرة لأنكم كنتم موتى وجرحى فاجعة الزلزال، لأن موتكم كان فرض كفاية، معذرة لأن رمية النرد جعلت موتكم إنقاذا لحياتنا. يا لها من مفارقة غريبة، فجبال الأطلس الكبير التي تقع فيها البؤرة الزلزالية، والتي خلفت الدمار والأموات والجرحى والمتضررين، هي التي تصدت لقوة الضربة الزلزالية، إذ لو كانت الضربة في منطقة أخرى لكانت فداحتها أشد وقعا كما أكد أحد الخبراء ذلك. شكرا جبال الأطلس الكبير التي أنقذت المغرب من خسائر محتملة أكثر ضراوة…

معذرة ساكنة الحوز لأن الصدفة جعلتكم موطن الفاجعة: تحولت أرضكم إلى مقبرة، ودكت تفاصيل حياتكم تحت الأنقاض، لن يتابع أطفالكم دروسهم، لن يعيشوا كبرهم، لم يمهلكم القدر انتظار أجلكم، فاختار منكم المفقود والمولود، اختار منكم الأموات والرواة، لكي لا تموت الحكاية، ولكي تولد سرديات الحياة على ركح الموت (كما يشهد على ذلك البطلان حبيبة أجدير ومحمد بوضاض في قصة حفل الزفاف الذي أنقذ سكان قرية كطو، الذين كانوا يحتفلون في العراء، و هم لا يعلمون أن هذا العراء سينقذهم من الموت، وسيصبح هو مأواهم).

وحده وجع الفاجعة يجعلنا نقوم بنقر بواطن آبارنا ونستنبط منها ما هو أصيل فينا: إنسانيتنا، وحده الموت يجعلنا عراة، ويتيح لنا فرصة اكتشاف مجاهيلنا في القدرة على المحبة والعطاء والتعاطف والتضامن، هذا ما عايناه وكأننا أمام “نهضة إنسانية” مغربية، عساها تتجاوز زمن الفاجعة، لتنخرط في ديمومة الحياة اليومية. سينتهي حدادنا، سنطوي ذكرى الفاجعة، وسيبقى الموت حاضرا في جغرافيتنا وتاريخنا، سنعود إلى نسياننا، ولكن هل سندخل في تصالح مفتوح مع إنسانيتنا؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • فاطمة ابيدار
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 16:33

    شكرا جبال الأطلس الكبير التي جعلت الضربة اقل ضراوة وخطورة بالنسبة لباقي المغرب فامتصت كل قوة الزلزال ..كأن جبال الاطلس افتدنا وحمتنا من كارثة افضع بكثير جدا …ومعذرة لكل من راحوا تحت الانقاض او الذين عاشوا مأساة الفقد والعراء وقسوة الطبيعة ..
    شكرا استاذ عزيز لزرق .

  • عزيز بوشقطاط
    الأحد 24 شتنبر 2023 - 18:39

    بالفعل آلعزيز عزيز في الوقت الذي كشفت فيه الفاجعة حقائق كانت مجهولة من قبل الكثير. إكتشفنا في ذواتنا أفرادا وجماعات ما يستحق أن نفتخر به كشعب عظيم
    لك كل المودة والتقدير الصديق الأعز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 8

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 7

الدار البيضاء تتضامن مع غزة