هَولُ الجنون الذي يكسو الشاشات منذ أسابيع مُلجمٌ لِلّسان والقلم بشكل قاصم. قوافل الموت ماضية لا تبالي بأحد حتى يكاد عقل الواحد منّا أن يخذله، لا يملك إلاّ نفسه ليعترض عليها ويؤنبها صارخا: ألا نرى جميعا الصور ذاتها؟ أليس هؤلاء الذين يسقطون كطيور الحجل أطفالا، أم إنهم دُمَى خِرَق؟.
فإما أن العالم قد فَقَد رُشده أو أنه لم يكن راشدا قط، وكِلا الطّامتين أفدح من بعض.
ثم هناك احتمالٌ ثالث أشد خطرا من الأولين وأدعى إلى التوجس والخوف على مستقبل الجماعة الإنسانية، وهو أن الرُّشد انتقائيٌ لا يُفَعّل حين يكون الخصم والقاضي على وِفاق، وحين تكون كُلفةُ الحرب مهما ثَقُلت بأرواح الضحايا أهونُ من “خسائر” السِلم ومُقَامَرَاته، وحين تُحتكر “الحقيقة” و”الفضيلة” والسردية الوحيدة حصريا من طرف مجموعة أو مجموعات دون غيرها. هذا الواقع المختل والاختزالي للعالم، الذي يبدو اليوم صارخا بفجاجة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر، يتهدد فعليا الوجود الإنساني، ويلعب حرفيا بالنار ويتجاهل مصلحة الأبرياء، كلِّ الأبرياء.
ولقد شهدنا منذ بدايات هذا القرن ما جرّه التضليل على مناطق عدة في العالم من بؤس وألم مرّ مرور “الكرام” دون محاسبة من أحد أو مساءلة لأحد، رغم أن الإجرام كان ثابتا بشهادة من اقترفه، ولكن المصالح العليا لأممِ “الخير” بطلة القصة (the hero)بررت انتهاكات طالت “أشرارها”(villians) . هذا التقسيم الكرتوني للعالم، الذي يستمد أصوله من إرث استعماري حدد الأدوار وحَجْمها خلال قرون طويلة، وجعل الناس/الأمم طبقات، لم يعد يقبله عقل، فالتاريخ أكثر تعقيدا من أن يلون بالأبيض والأسود، والناس ليسوا أرقاما كالمكاييل تُرجّح كفة “المنتصر”، بل العكس تماما، كلما زادت حصيلة الموت ترسخت خسارة الحرب في معاركها الثلاث: العسكرية، وهذه لا يغلب فيها السّلاح أبدا مهما عظُم فَتْكه في مواجهة الفِكرة وإحساس المظلوم بالقهر الذي لا يجعلها إلاّ أكثر رسوخا. ومعركة القيم والأخلاق التي لا يفوز فيها أبدا المُنتقم أعمى البصيرة، الذي يأتي في عداوته على الأخضر واليابس ولو سانده العالم؛ ومعركة السياسة بعد أن ينقشع الغبار ويرفع أستاره، حيث كلما أمعن في الغي أحرج أحلافه وضيّق من خيارات المستقبل.
من المحزن جدا الاعتراف بأن عالمنا الذي يشرئب برأسه متطلعا إلى السماء، متدبرا النجوم، متهيئا لاكتشاف أسرار وجوده، مازال حبيس بدائيته الأولى، وأن الإنسان القادر على إنتاج الجمال واكتشاف المعنى هيّنٌ عليه التدني والسقوط وكأنه ما خرج من كهفه المظلم بعد، وأن المنطق الذي برر ظلما بيِّنًا سبق هو ذاته ما يُعلل ظلمات نراها ولا نملك لها دفعا اليوم. لذا فقد تكون هذه المرحلة هي الأكثر سقوطا في التاريخ، لأنَ أمَمًا من قبلنا خَلَتْ لم تدّع ما تدعيه البشرية اليوم من رَشادٍ وبلوغ إنساني، وأنها تعلمت من أخطاء الماضي، وأنها لن تكرر زلاّته، وأن الحق في الحياة أقدس من أن تنتهكه غريزة الانتقام الأعمى. هو إذا سقوط أخلاقي عظيم لنظم فكرية وثقافية ولقيم تقوم عليها أساسات “المَدَنِية” في تصوراتها الأكثر حداثة.
إن الانتصار للمظلومين والتعاطف معهم ورفض الحرب ليس مؤازرة انفعالية حبيسة حسابات ثقافية أو قومية ضيقة، ولكنه انتصار ولو بالكلمة للحق وللإنسانية أينما امْتُهِنا، ولمستقبل العالم.
رغم القُبح والقهر والجنون الذي لا رادع له فإن المؤشرات على أن هذا العالم متغير لامحالة لم تعد تُخطئها العين: احتكار “الحقيقة” و”الفضيلة” والإرضاخ لسردية الأقوى لم يعد ممكنا. هذه السردية رغم الحرب الدائرة رحاها يتم الاعتراض عليها اليوم والاشتباك فكريا ومعرفيا معها. ومن يوثقون ويسجلون بالصوت والصورة على الأرض، صحافيين كانوا أو مواطنين عاديين سلاحهم كاميرا المحمول، هم يُقيمون على الموت الحجة ويجعلون المظلوم مرئيا للعالم وليس مجرد رقم لضحية أخرى سقطت، بل إنسانٌ له اسم، وأهل، وكان يحمل مشروع حياة انتزع منه هكذا لأن الأقوى يُريد ويستطيع ولأن الرقيب والحسيب أحدهما يرى ما يرى (القوي)، والآخر لا يملك أن يرى غير ما يريان. وما أشبه اليوم بالبارحة.
وسط العبث الذي يعتصر القلوب قد يكون ثمة بصيص نور للحق وإنصافٌ لمن لن يكونوا أبدا أمام الضمير والتاريخ دُمَى خرقٍ ولا طيورَ حجل.
فرج الله الكرب ورحم الأبرياء.
كتائب القسام بتهورها الغبي جعلت كل القطاع يجرب قسوة غضب الحليم فأن تحتجز نساءا واطفالا ، وأن تغتصب وتقتل امرأة امام زوجها ، وأن تحرق في الفرن طفلا في شهره التاسع أمام أمه ، فأنت لا تستحق أن تدرج ضمن قائمة البشر من الأساس .