اهتمام بفكر الغرب الإسلاميِّ وأدبه، يحضر في كتاب جديد حول صاحب “المنفرجة” صدر عن دار “سليكي أخوين” بطنجة بعنوان “أبو الفضل يوسف ابن النحوي غزاليُّ أهل المغرب”، وهي ثاني ثلاث قصائد دينية كتب لها الانتشار الواسع والحفظ والشرح لدى المسلمين إلى جانب “بردة” و”همزية” البوصيري.
هذا العمل، الذي وقعه الباحث المتخصص في الأدب المغربي خلال العصر العلوي عدنان مرون الوهابي، يهتم بابن النحوي بوصفه “أحد الأعلام الأطواد الذين أنجبهم الغرب الإسلامي في القرن الخامس الهجري؛ فهو عالم متفنن في العديد من فنون العلم وأصنافه، من فقه وأصول ونحو ولغة، وتآليفه شاهدة على تمكنه وبراعته في هذه المجالات”.
ويُعرف ابن النحوي بنظمه “المنفرجة”؛ وهي “قصيدة متميزة في المضمون والمحتوى، رائعة في التماسك البنيوي والترابط المعنوي، والإبداع البلاغي والجمال الأدبي، مما جعلها تنتشر ويذيع صيتها، ويطير ذكرها بين الركبان وتلهجها الألسن في مختلف الأمصار الإسلامية، وتسلب لب القلوب، وتأسر الأفئدة، وتنفذ بسحرها وجمالها إلى أعماق النفوس، وتنشد في المناسبات الدينية”.
الكتاب، الذي يهتم بحياة ابن النحوي وعصره سياسيا وفكريا وأدبيا وفقهيا، يفصّل في تصوّف العلَم وتجليات ذلك في قصيدته الشهيرة وشعره وأساليبه الفنية وامتدادات “المنفرجة” الإبداعية، وأثرها فيمن جاء بعده في مختلف أنحاء المنطقة المسلمة.
ويذكر الكتاب الجديد أن ابن النحوي كان أستاذا لـ”جماعة من العلماء من المغرب الذين قصدوا مجالسه في فاس وسجلماسة، أو حيثما كان ينزل في رحلاته للنهل من علمه، والتزود من معارفه”. وذكر من بينهم أبا الحسن عليا ابن حرزهم (المعروف بسيدي حرازم)، وعيسى بن يوسف من بيت ابن ملجوم، وابن الرمامة.
والمنفرجة، حسب الكتاب الجديد، “متن صوفي يقوم موضوعه على اختزال قواعد التصوف، وتحصيل شروط التربية وطريقتها عند المريد السالك”. كما يكشف المصدر أبعاد هذا النص في “الفكر الشعبي” وكيف تحولت من “نص شعري ذي مسحة دينية إلى نص ذي قوة غيبية، وتأثير روحي قوي، فأضحت تبعا لذلك مصدر التماس البركة والفرج، ومطمع حصول النفع والخير”.
وذكر الباحث المتخصص في الأدب المغربي خلال العصر العلوي أن جمهور الناس لا يحفظ أو يحتفظ بنص شعبي ما لم يكن يلبي لديه “وظائف فكرية ونفسية وجمالية حية وحيوية”؛ وبالتالي فإن “المنفرجة” “تجسد رغبة شعبية عارمة في تحقيق القوة والانتصار والقضاء على الظلم والشرور، مثلما تجسد رغبة جماعية في الشعور بالأمان وعدم الاعتراف بالعجز والفشل والقهر والخوف والاضطهاد والإحساس بالدونية، ومحاولة إعادة التوازن للذات المقهورة، الفردية والجمعية على السواء وطلبا للأمن النفسي والاجتماعي”.
و”المنفرجة”، إذن، تعبير عن الأمل القادم، وعن إمكانية الخلاص الدنيوي والأخروي؛ وهو ما ينبئ في الوقت نفسه عن واقع جارح وعن قواهر، نظير ظروف تاريخية واجتماعية قامعة فتؤمّن حينئذ حاجة نفسية، كما تؤمن الانسجام داخل الثقافة والمجتمع، “وما انتشار المعارضات (النظم على منوالها) لها في الأندلس مثلا إلا اعتراف وإقرار بذلك”.
المنفرجة عرفناها فقط من خلال الغنية الرائعة للاستاذ عبد الهادي بالخياط. لم نعرف لها هذا الزخم والتميز الضارب في عمق الادب المغربي في التاريخ الاسلامي. نعم الفن في ردائه الحقيقي وبئس الفن الشامت واشباه الفنانين.
نعم المنفرجة ، جميلة ونحب قراءتها كل مرة، ولكن كان على كاتب المقال لما ذكرها ان يقول : المنفرجة والتي مطلعها
اشتدي ازمة تنفرجي **** قد ءاذن ليلك بالبلج.
وظلام الليل لها سرج*** حتى يغشى ابو السرج.
وجاء فيها كذلك:
واذا بك ضاق الامر فقل***اشتدي ازمة تنفرجي.
وقام بغنائها الفنان عبد الهادي بلخياط.