تقرير: تصورات المجتمع المغربي تعتبر الثقافة "ترفا فكريا" و"قطاعا ثانويا"

تقرير: تصورات المجتمع المغربي تعتبر الثقافة "ترفا فكريا" و"قطاعا ثانويا"
صورة: أرشيف
الأحد 10 دجنبر 2023 - 01:10

أكد تقرير من إعداد “المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية” أن “تصورات المجتمع المغربي للثقافة ومختلف تعبيراتها ورموزها تنعكس بالضرورة على مختلف مستويات الحياة والعلاقات الاجتماعية، وتؤثر في طرق النظر إلى المؤسسات وأنماط اشتغالها”، مبرزا أن “هذه التصورات هي الأكثر رواجا للثقافة داخل المجتمع والأكثر رسوخا في الأذهان، وقد أنتجت خصاصا ملموسا في الثقافة والمعرفة، وانفصاماً بين الخطاب الرسمي حول الثقافة وبين الانشغالات الواقعية للشباب المغربي”.

التقرير، الذي أشرف على إعداده وتنسيقه كل من حسام هاب ويونس الكلاخي، أوضح أن “المجتمع المغربي مازال ينظر للثقافة بوصفها ‘ترفا فكريا’ وقطاعا ثانويا، لا يملك ما يلزم من الأهمية لجعله مكونا مؤسسا وقاعدة لتشكيل التمثلات وأنماط السلوك والأحكام والأذواق”، بالإضافة إلى “التعامل المحدود مع الثقافة من زاوية اعتبارها قطاعا مخصوصا ومنحصرا في التراث، واختزالها في إطار ‘شبه فولكلوري’، وفي مجال رمزي وتاريخي ضيق”، وكذلك “سيطرة الهاجس الهوياتي باسم الدين، أو التاريخ أو اللغة، أو الجغرافيا، في النظر إلى الثقافة، والاستثمار الجزئي والمحدود جدا في مجالات التعبير الثقافية الحديثة”.

كما مازال هناك “توجه مبالغ فيه للمركز وإهمال الأطراف والجهات، ما خلق تفاوتات كبرى على صعيد الاستثمارات الثقافية على تواضعها، أو توسيع دائرة استعمال التكنولوجيات الحديثة”؛ ناهيك عن “غلبة التّصور التقني الضيق على السياسات في المجال الثّقافي، واستبعاد مستلزمات التقعيد الثقافي العصري في وضع الخطط وتنفيذ السياسات المتعلقة بالتعليم، الشباب، إعداد التراب، وبناء أماكن العيش”، وفق المصدر ذاته.

المشكل أن هذه التصورات، وفق التقرير الموسوم بـ”موقع الشباب في السياسات الثقافية بالمغرب: رصد وتقييم”، ساهمت “في بروز تمثلات سلبية للثقافة تجلت في ضعف الاستثمار العمومي في هذا الحقل، في وقت يفترض أن حضور الهوية الوطنية بأبعادها وروافدها وتنوعها الثقافي والحضاري في الدستور المغربي كان يجب أن يخلق وعيا جديدا بأهمية المسألة الثقافية في السياسات العمومية، وبأدوارها في إدماج الشباب في الحياة العامة كما في التماسك الوطني”.

ودفعت هذه “التمثلات السلبية للثقافة” الباحثين والفاعلين في الحقل الثقافي إلى طرح تساؤل جوهري: “هل هناك سياسة ثقافية عمومية في المغرب تمتلك شروط ووسائل جذب الشباب إلى برامجها، وتيسر لهم ولوج استعمال خدماتها وعروضها؟”، بحسب الوثيقة ذاتها، موضحة أنه “من المعروف أن هناك برامج عمومية تضعها وتنفذها قطاعات حكومية معنية بقضايا الشباب، كما تقوم بتوفير بنيات تحتية على قلتها موجهة بالأساس إلى الشباب، إلا أن هناك تباينا واضحا بين العرض والاحتياجات الكبيرة لهذه الفئة من المنتج الثقافي”.

وانطلاقا من اللقاءات التشاورية الجهوية التي نظمها المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية، بشراكة مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، بثلاث جهات: درعة – تافيلالت، مراكش – آسفي، فاس – مكناس، بهدف تشخيص آليات وفرص الإدماج الثقافي للشباب خلال ورشات العمل مع المشاركات والمشاركين، فإن الإكراهات التي تعيق الإدماج الثقافي للشباب جرى تحديدها في “غياب العدالة المجالية في توزيع البنات التحتية الثقافية بالجهات، وضعف تكوين وتأطير الأطر العاملة بالمراكز الثقافية والسوسيو- تربوية، وأيضا الهشاشة السوسيو-اقتصادية للشباب؛ فضلا عن البيروقراطية وتعقيد المساطر الإدارية للولوج إلى المرافق الثقافية والفنية، وضعف الميزانية المالية الموجهة لدعم المشاريع والبرامج والجمعيات الثقافية؛ إضافة إلى غياب مواكبة ومتابعة وتقييم المشاريع والبرامج الممولة، وكذلك ضعف التجهيزات اللوجستيكية بالمؤسسات الحاضنة للأنشطة الثقافية للشباب، وانتشار المنطق التجاري في تسويق المادة الثقافية.

وفي تعليق الباحثَين فإن “هذا التشخيص الذي قدمه الشباب والشابات، ومستوى انتظاراتهم وتطلعاتهم في المجال الثقافي، يعكس أن هذا المجال لا يحظى بالقدر الكافي من التثمين والتوجيه نحو الشباب”.

كما يتجلى الوضع، وفق التقرير سالف الذكر، في “غياب برامج موجهة للشباب على وجه الخصوص، رغم كونهم المستفيدين الرئيسيين من الثقافة”. وللتدليل على ذلك عاد الباحثان إلى البرنامج الحكومي للولاية التشريعية (2021-2016)، حيث يلاحظ أن “حضور الشباب في المحور الخاص بالثقافة، والمعنون بـ’تحسين الولوج إلى الثقافة والإعلام والنهوض بهما’، شبه منعدم ويقتصر على جملتين: ‘تشجيع الولوج للمتاحف الوطنية والخدمات الثقافية لفائدة الطلبة والتلاميذ؛ ودعم الإنتاجات الفكرية والأدبية للمؤلفين الشباب والمساهمة في إشعاعها'”.

أما في البرنامج الحكومي للولاية التشريعية (2026-2021) فيبرز التقرير أن “الشباب في المجال الثقافي يحضر بشكل ضعيف من خلال: جعل الثقافة رافعة للتنمية المجالية ولإدماج الشباب على وجه الخصوص، ودمج الرأسمال الثقافي في مؤسسات التنشئة، كالمدرسة والإعلام وأماكن العيش؛ إضافة إلى العناية بالشباب في إطار برنامج شمولي متكامل من خلال إحداث ‘جواز الشباب’ لتسهيل الاندماج والتنقل والتمكين الثقافي لهذه الفئة”.

وبالعودة إلى “مشاريع نجاعة الأداء خلال الولاية الحكومية السابقة (2021-2017)، وفي الولاية الحكومية الحالية (2026-2021)، وخاصة في الفترة ما بين 2023-2022، يلاحظ أن قطاع الثقافة يتوفر على ثلاثة برامج رئيسية: التراث الثقافي، الكتاب والقراءة العمومية، والفنون. وإذا كان معدل تحقيق التوقعات السنوية يتأرجح في حدود 70 في المائة بالنسبة لبرامج التراث الثقافي والكتاب والقراءة العمومية، إلا أنه مازال ضعيفا للغاية بالنسبة لبرنامج الفنون الذي لا يتجاوز 27 في المائة بسبب إلغاء المساعدات للعديد من مجالات الموسيقى وفنون الكوريغرافيا”، وفق المصدر ذاته.

وخلص كل من حسام هاب ويونس الكلاخي، في التقرير المنجز في إطار مشروع “الأكاديمية الشبابية للسياسات الثقافية بالمغرب”، إلى أنه “رغم الجهود الرسمية المبذولة في المجال الثقافي، وأمام قلة الموارد المالية والبشرية المخصصة للقطاع، يظل من الصعب الاستجابة بشكل كاف ومناسب لاحتياجات وانتظارات الشباب في مجال الثقافة؛ فضُعف الاستثمار العمومي في القطاع يمثل أكبر دليل على غلبة التمثلات السلبية أو الضيقة لها، في وقت يفترض الإقرار بالتنوع الثقافي وعيا جديدا بأهمية المسألة الثقافية في السياسات العمومية، وبأدوارها في إدماج الشباب في الحياة العامة كما في التماسك الوطني”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • استاذ من اكادير
    الأحد 10 دجنبر 2023 - 02:23

    حضرت مؤخرا لاجتماع نظمته بلدية أكادير للجمعيات الثقافية و الملاحظ أن الثقافة حتى بالنسبة للمسؤولين تعني المتاحف و الموسيقى و المسرح و تغيب بشكل نهائي النوع الثقافي الأكثر فعالية في تنمية المغرب ألا و هي القراءة ….و عندما تدخلت في آخر الإجتماع و نبهت الرئيسة أن القراءة تغيب عن كل التدخلات و لا حظ لهما في برناتمجكم قالت لي بالحرف “واش بغيتنا نجيبو الناس يقراو بزز تا واحد ما بغا يقرا عندنا خزانات مكتبات عمومية تاواح ما تيجي لها” و الحقيقة ان تعقيبها ليس بخطأ أبدا فالقراءة في مجتمعنا موصومة بالسلبية فعلا …ماتذر له القراءة يتمثل له الملل و الرتابة و اللامعنى…لا بد من تغيير هذه النظرة المجتمعية ف القراءة هي حجر الزاوية في أي سياسة ثقافية و في اي نهضة كيفما كانت … و المشكل ف رأيي يتمثل ان من يحملون لواء تشجيع القراءة لا يكونون فعلا ملمين بكيفية تشجيعها لأن زادهم الثقافي يكون ناقصا و يلهثون فقط وراء الصور و الديكور …للأسف نشطت في جمعيات قراءية كما قال التقرير مؤطروها يحتاجون لتأطير قرائي …مع ذلك نبقى متفائلين أن يعي المجتمع يوما ما أهمية القراءة في تقدمه و ترقيه

  • لما تشبع الكرش أولا تقول للراس من بعد غني
    الأحد 10 دجنبر 2023 - 08:35

    كرامة المرء أولا و كرامته تبدأ من اشباع بطنه و حاجياته الشخصية الاجتماعية و لما تشبع الكرس تقول للراس غني ..

  • يزرور الجيلاني
    الأحد 10 دجنبر 2023 - 09:03

    ما فعلته مؤخرا جرافات السلطة في حق كتب مكتبات البحيرة بالدارالبيضاء أكبر دليل على هذا التصور. مجتمع مفلس لا تهمه الثقافة

  • عبد الله
    الأحد 10 دجنبر 2023 - 09:21

    بالله عليكم كيف تحكمون على المغاربة بهدا المنطق، نحن اكثر الشعوب قراءة وكتابة رغم تدني مستوى التعليم يبقى المثقف المغربي الواعي متمركزا في سلم عالي من المعرفة والانتاج الفكري وهدا لايقتصر على على الإنتاج الفكري فقط بل يتعدى الى مستوى التحفيزات والتكريمات التي يحوز عليها في مهرجانات ومسارح ومناسبات ثقافية. المغربي قارئ ومثقف في بلد لا يحسن استغلال امكانياته للاسف.

  • Abdo1
    الأحد 10 دجنبر 2023 - 10:27

    الإنسان المغربي مستهلك بالدرجة الأولى …المقاهي مليئة و البارات و المحلات التجارية الكبرى الاستهلاك ثم الاستهلاك

  • من قال
    الأحد 10 دجنبر 2023 - 10:38

    من قال ان المغربي مثقف فقد جانب الصواب ، ثقافة المغربي محصورة في الكورة و اسعار الخضار و الح……
    اما التعليم فترتيبه 21.بين خمس وعشرين دولة افريقية

  • متتبع
    الأحد 10 دجنبر 2023 - 10:57

    نعم التقافة ترف فكري في مجتمع جائع لا يجد ما يسد به رمقه في مجتمع ليس به تطبيب او تعليم . ناهيك عن مفهوم التقافة لدينا والذي ينحصر في الغناء والتطبيل والفن المعفن . أليس أجدر أن تخصص ميزانية وزارة التقافة لتحسين قطاع الصحة ،على الأقل نعالج المواطن إن لم نستطع إشباع بطنه.

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 2

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 10

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 8

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش